تواجه الولايات المتحدة معضلة مالية واقتصادية متزايدة، في ظل تصاعد الدين العام إلى مستويات تاريخية بالتزامن مع حاجة الاقتصاد إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” تتمثل المعضلة الأساسية في أن واشنطن مطالبة من ناحية بإعادة تمويل تريليونات الدولارات من الديون المتراكمة وسداد فوائدها المتزايدة، بينما تحتاج من ناحية أخرى إلى ضخ استثمارات ضخمة للحفاظ على قدرتها التنافسية وبناء البنية التحتية اللازمة لاقتصاد الذكاء الاصطناعي.
وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة مع اقتراب الدين الوطني من مستويات غير مسبوقة؛ إذ تجاوز إجمالي الدين الأمريكي 40 تريليون دولار، بعد أن ارتفع بنحو 3 تريليونات دولار خلال عام واحد. وكان الرئيس ترامب قد تحدث عام 2016 عن قدرته على القضاء على الدين الوطني، الذي كان يبلغ آنذاك نحو 19 تريليون دولار، خلال ثماني سنوات.
ويُستحق للمستثمرين والدائنين من خارج الحكومة نحو 32 تريليون دولار من إجمالي الدين، بينما يمثل الجزء المتبقي ديونًا مستحقة على الحكومة لحساباتها الداخلية، بما في ذلك الضمان الاجتماعي وصناديق ائتمان اتحادية أخرى.
فوائد الديون تزيد الضغوط على الموازنة
تواجه وزارة الخزانة الأمريكية مهمة ضخمة تتمثل في إعادة تمويل نحو 9.7 تريليون دولار من الديون المستحقة خلال السنة المالية الحالية، بالتزامن مع عجز في الموازنة يُتوقع أن يبلغ نحو 2.1 تريليون دولار وفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس.
ويؤدي ذلك إلى حلقة مفرغة، إذ تستحق الديون القديمة، فتضطر الحكومة إلى إعادة تمويلها في ظل تكاليف اقتراض مرتفعة، بينما تؤدي زيادة مدفوعات الفائدة إلى توسيع العجز، وهو ما يعني بدوره الحاجة إلى مزيد من الاقتراض مستقبلًا.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يبلغ متوسط العجز السنوي نحو 2.4 تريليون دولار حتى عام 2036، الأمر الذي قد يدفع الدين العام إلى ما يعادل 120% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا المستوى القياسي الذي سجلته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
وبلغت مدفوعات فوائد الدين الأمريكي نحو 963 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية، بزيادة قدرها نحو 200 مليار دولار عن الإنفاق العسكري خلال الفترة نفسها.
الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة للديون
في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة الأمريكية للسيطرة على تكلفة ديونها، تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى بصورة متزايدة إلى أسواق الدين لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي.
فبعد أن اعتمدت شركات التكنولوجيا لسنوات على تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي من تدفقاتها النقدية، أصبحت السندات والاقتراض تلعب دورًا متزايدًا في تمويل مراكز البيانات ومشروعات البنية التحتية الضخمة اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع أن تتضاعف إصدارات السندات من جانب شركات التكنولوجيا الكبرى التي تستثمر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026، فيما تشير تقديرات إلى أن الديون قد تمول أكثر من ثلث إنفاق هذه الشركات على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027.
وتعمل شركة إنفيديا بالتعاون مع مؤسسات مالية كبرى، بينها بلاك روك وغولدمان ساكس وإس كيه كيه آر، على خطط قد تستهدف حشد أكثر من 500 مليار دولار لتمويل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتكشف أرقام الإنفاق عن حجم الطفرة؛ إذ أنفقت تسع شركات تكنولوجيا كبرى ما يقرب من 600 مليار دولار على المشروعات الرأسمالية خلال العام الماضي، بينما تواجه التزامات مستقبلية إضافية تصل إلى نحو 3 تريليونات دولار، يرتبط الجزء الأكبر منها بمشروعات الذكاء الاصطناعي ولم ينعكس بالكامل بعد في ميزانياتها العمومية.
ارتفاع عوائد السندات يرفع تكلفة الاقتراض
تزداد خطورة الوضع مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض على مختلف قطاعات الاقتصاد، بدءًا من الرهون العقارية وصولًا إلى قروض الشركات.
كما يجعل ارتفاع العوائد إعادة تمويل الدين الحكومي أكثر تكلفة، في وقت تحتاج فيه الخزانة إلى الاقتراض بكثافة لتغطية الاستحقاقات والعجز المتزايد.
ولا تقتصر الضغوط المالية على الدين الحكومي، إذ تواجه برامج اجتماعية رئيسية في الولايات المتحدة تحديات متزايدة. وتشير التوقعات إلى احتمال نفاد احتياطيات صندوق التقاعد التابع للضمان الاجتماعي في أواخر عام 2032، بينما يُتوقع أن يواجه صندوق ائتمان المستشفيات التابع لبرنامج الرعاية الطبية أزمة تمويل بحلول عام 2033.
وعود خفض الإنفاق تصطدم بالواقع
كان ترامب وإيلون ماسك قد تعهدا بالحد من اعتماد واشنطن على الاقتراض وخفض الإنفاق الحكومي دون تحميل الأمريكيين تكاليف اجتماعية واقتصادية قاسية.
وأطلق ماسك مبادرة لخفض الإنفاق الفيدرالي، واستهدفت في البداية تحقيق وفورات تصل إلى تريليوني دولار، إلا أن إجمالي الوفورات المعلنة لاحقًا بلغ نحو 215 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة عُشر الهدف الأصلي.
كما أظهر تدقيق اتحادي صدر هذا الشهر وجود مشكلات في عدد كبير من مطالبات الوفورات المعلنة، إذ خلص إلى أن جزءًا كبيرًا منها لم يكن قابلًا للتحقق أو لم يكن دقيقًا، ومن بينها مطالبات بقيمة 27.4 مليار دولار مرتبطة بعقود لا تزال سارية.
الخيارات السياسية تزداد صعوبة
تتقلص مساحة المناورة أمام صناع القرار الأمريكيين مع ارتفاع الدين واتساع الالتزامات المالية، في وقت تتزايد فيه المطالب السياسية بزيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية والإسكان والرعاية الصحية ورعاية الأطفال.
وفي المقابل، يواصل الجمهوريون في عهد ترامب حماية برامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية سياسيًا، بالتزامن مع الدفع نحو تخفيضات ضريبية وزيادة الإنفاق الدفاعي، بما في ذلك ميزانية ضخمة للبنتاغون تصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار.
وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة صعبة: خفض الإنفاق قد يتطلب قرارات سياسية مؤلمة، بينما يؤدي استمرار الإنفاق والعجز إلى زيادة الاقتراض وتكاليف الفائدة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد في الوقت نفسه إلى استثمارات ضخمة للحفاظ على موقعه في سباق الذكاء الاصطناعي.
أزمة ستحدد مستقبل الاقتصاد الأمريكي
لا تقتصر مشكلة الدين الأمريكي على حجم الأرقام، بل تمتد إلى تأثيرها المحتمل على الضرائب والإنفاق الحكومي والاستثمار ومستوى المعيشة والسياسة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
ومع استمرار ارتفاع تكلفة خدمة الدين وتزايد احتياجات تمويل الذكاء الاصطناعي، تواجه الولايات المتحدة تحديًا مزدوجًا: تمويل إرث مالي متراكم على مدى عقود، وفي الوقت نفسه توفير رأس المال اللازم لبناء اقتصاد المستقبل.
ويبقى السؤال الأكبر أمام الإدارة الأمريكية والكونغرس هو كيفية تحقيق التوازن بين السيطرة على الدين والحفاظ على الاستثمارات الضرورية للنمو، دون تحميل الأجيال المقبلة تكلفة مالية واقتصادية أكبر.
تم نسخ الرابط
!function(f,b,e,v,n,t,s)
{if(f.fbq)return;n=f.fbq=function(){n.callMethod?
n.callMethod.apply(n,arguments):n.queue.push(arguments)};
if(!f._fbq)f._fbq=n;n.push=n;n.loaded=!0;n.version=’2.0′;
n.queue=();t=b.createElement(e);t.async=!0;
t.src=v;s=b.getElementsByTagName(e)(0);
s.parentNode.insertBefore(t,s)}(window, document,’script’,
‘https://connect.facebook.net/en_US/fbevents.js’);
fbq(‘init’, ‘404293966675248’);
fbq(‘track’, ‘PageView’);
https://connect.facebook.net/ar_AR/sdk.js#xfbml=1&version=v21.0&appId=1911038555802350&autoLogAppEvents=1
المصدر الأصلي:
arabradio.us
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-21 18:16:00
كاتب المصدر:
فريق راديو صوت العرب من أمريكا
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.