ينما ينشغل الفلسطينيون بنتائج القرارات التي تتخذها “إسرائيل” وتتغير تبعًا للظروف السياسية والميدانية، تبدو محاولة فهم المسار الذي يحكم صناعة القرار فيها أكثر تعقيدًا من مجرد البحث عن خطة معلنة للمستقبل. فالحرب على قطاع غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، والأزمات المتلاحقة في المنطقة، أظهرت نمطًا في التعامل مع الأحداث يقوم بدرجة كبيرة على إدارة اللحظة والاستجابة لضغوطها، أكثر من الالتزام بمسار سياسي طويل الأمد.
وفي قراءة نشرها الكاتب يوري بوتشاروف في صحيفة “برافدا رو” الروسية، يحاول تفكيك هذه السمة في السياسة الإسرائيلية، معتبرًا أن الحكومة والقيادة السياسية والنظام الحزبي في “إسرائيل” تنشغل بدرجة أكبر بتحديات الحاضر، فيما يُترك التعامل مع تداعيات اليوم التالي إلى حين ظهورها.
وتستعيد “إسرائيل” بفعل أحداث الشرق الأوسط حضورها المستمر في وسائل الإعلام العالمية، فتظهر تارة في موقع المهاجم وتارة في موقع المدافع، بينما تتبدل صورتها بين دولة تتحرك في إطار السياسة الأمريكية وأخرى تتخذ قرارات قد تتعارض في بعض الأحيان مع توجهات واشنطن.
غير أن خلف هذه الصورة المتغيرة، يرى الكاتب أن محاولة التنبؤ بما ستفعله القيادة السياسية الإسرائيلية على المدى البعيد تظل شديدة الصعوبة، ليس فقط بسبب طبيعة الأزمات المحيطة بها، وإنما لأن صناعة القرار السياسي نفسها تميل إلى التعامل مع ما تفرضه اللحظة بدل بناء مسارات واضحة تمتد لسنوات.
ويشير التحليل إلى أن هذا النمط ينطبق بصورة أساسية على الحكومة والقيادة السياسية والنظام الحزبي، بينما تختلف عنه مؤسسات أخرى، وفي مقدمتها الجيش وأجهزة الاستخبارات ومؤسسات مكافحة التجسس، التي تعمل وفق خطط أكثر امتدادًا واستعدادًا لسيناريوهات مستقبلية.
ويستند الكاتب إلى تعبير شائع في الخطاب السياسي الإسرائيلي هو “اعتبارا من اليوم”، أي “صحيح لليوم”، وهو تعبير يتكرر بصورة اعتيادية في التصريحات والنقاشات السياسية. ويرى أن حضوره المتكرر لا يمثل مجرد عادة لغوية، وإنما يمكن أن يعكس طريقة أوسع في التفكير السياسي، يكون فيها اليوم أكثر حضورًا من الغد.
وبحسب هذا الطرح، تتراجع الاستراتيجية طويلة المدى أمام متطلبات اللحظة، فتتعامل القيادة مع المشكلة القائمة أولًا، ثم تؤجل مواجهة التداعيات أو المشكلات التالية إلى أن تصبح واقعًا قائمًا. ويمنح هذا الأسلوب صانع القرار مساحة واسعة للمناورة والاستجابة للمتغيرات، لكنه في المقابل يؤجل معالجة أزمات قد تتفاقم مع مرور الوقت.
وتظهر إحدى نقاط قوة هذا النمط في قدرة “إسرائيل” على حشد مواردها عندما تفرض الأزمة نفسها، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو الأموال أو التكنولوجيا أو المؤسسات، وإعادة توجيه هذه الموارد بسرعة للتعامل مع الظروف الطارئة.
لكن هذه المرونة تحمل وجهًا آخر أكثر كلفة؛ فالدولة التي تتقن إدارة الأزمة بعد وقوعها قد تكون أقل قدرة على منع الأزمة التالية قبل أن تبدأ، خصوصًا عندما تصبح القرارات قصيرة المدى هي المحرك الأساسي للسياسة.
ويفسر ذلك، وفق التحليل، جانبًا من صعوبة معرفة المسار الذي قد تتجه إليه السياسة الإسرائيلية، إذ لا يكون المستقبل بالضرورة نتيجة لخطة واحدة ممتدة، وإنما قد يتشكل من سلسلة قرارات متعاقبة، يتخذ كل منها استجابة للظروف والضغوط القائمة في حينها.
ويظهر أثر هذا النمط بصورة أكثر حدة في الحالة الفلسطينية، حيث لا تتوقف تداعيات القرارات الإسرائيلية عند حدود الأزمة التي اتُخذت من أجلها، بل تمتد إلى حياة الفلسطينيين ومستقبل قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل غياب مسار سياسي ثابت يمكن البناء عليه.
ففي قطاع غزة، أدت الحرب إلى واقع إنساني وميداني بالغ القسوة، بينما ظل مستقبل القطاع وإعادة إعماره وترتيبات إدارته مرتبطًا بتطورات سياسية وعسكرية متغيرة. وفي الضفة الغربية، يتداخل التصعيد العسكري مع التوسع الاستيطاني والاقتحامات والهدم والتهجير، بما يجعل حياة الفلسطينيين عرضة لقرارات متغيرة لا يمكن فصلها عن طبيعة الحسابات السياسية اليومية لدى حكومة الاحتلال.
ولا يعني ذلك أن مؤسسات الدولة الإسرائيلية تفتقر إلى التخطيط طويل الأمد، بل يضع الفارق بين التخطيط المؤسسي، خصوصًا في المجالات العسكرية والأمنية، وبين القرار السياسي اليومي في قلب فهم هذا السلوك. فوجود خطط استراتيجية لدى المؤسسات الأمنية لا يعني بالضرورة أن الحكومة تمتلك تصورًا سياسيًا متماسكًا لما بعد الأزمات التي تديرها.
ومن هنا تبدو عبارة “صحيح لليوم” أكثر من مجرد تركيب لغوي متداول؛ فهي تختصر، في قراءة الكاتب، عقلية سياسية تجعل القرار مرتبطًا بما هو قائم الآن، وتترك مساحة واسعة لما قد يحدث لاحقًا. وعندما يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني، فإن هذه المساحة لا تبقى نظرية، بل تنعكس مباشرة على الأرض وعلى حياة ملايين الفلسطينيين.
وتكمن المفارقة في أن هذا الأسلوب قد يمنح “إسرائيل” قدرة كبيرة على التعامل السريع مع التحولات المفاجئة، لكنه في الوقت نفسه يجعلها أكثر عرضة لإنتاج أزمات جديدة بدل إنهاء جذور الأزمات القائمة. فحل المشكلة الآنية قد يؤجلها، أو ينقلها إلى مستوى آخر، من دون أن يضمن معالجة أسبابها الأساسية.
ومن المنظور الفلسطيني، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية لأن نتائج القرارات الإسرائيلية لا تبقى داخل حدود السياسة الإسرائيلية، بل تمتد إلى الفلسطينيين بصورة مباشرة؛ من القصف والعمليات العسكرية في غزة، إلى الاستيطان والاقتحامات ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وصولًا إلى مستقبل القضية الفلسطينية نفسها.
كما أن غياب الأفق السياسي الواضح يترك الفلسطينيين أمام واقع يتغير باستمرار، فيما تظل القضايا الأساسية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، مؤجلة أمام سلسلة من الأزمات والإجراءات التي يجري التعامل معها كل واحدة على حدة.
وفي هذا السياق، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما ستفعله “إسرائيل” غدًا، وإنما بما إذا كانت قرارات اليوم تقود إلى مسار يمكن التنبؤ بنهايته، أم أنها تفتح الطريق أمام أزمات جديدة ستفرض بدورها قرارات جديدة.
ويقدم التحليل في النهاية صورة لسياسة تمتلك قدرة عالية على التكيف مع الأزمات والاستجابة لضغوطها، لكنها تدفع ثمن ذلك من قدرتها على منع الأزمات المقبلة أو بناء مسار مستقر لما بعدها. وبينما تستطيع “إسرائيل” تعبئة إمكاناتها عندما تفرض الأزمة نفسها، يبقى مستقبل المنطقة، وفي القلب منه مستقبل الفلسطينيين، معلقًا إلى حد كبير على قرارات تتغير مع تغير اللحظة.
وهكذا، فإن “صحيح لليوم” لا تبدو مجرد عبارة متداولة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، بل مدخلًا لفهم نمط في صناعة القرار يرى الحاضر أولوية على المستقبل؛ نمط قد يمنح صاحبه قدرة على المناورة في مواجهة الأزمات، لكنه يترك اليوم التالي مفتوحًا على احتمالات جديدة، بينما يتحمل الفلسطينيون الجزء الأكبر من كلفة هذه السياسات على الأرض.
https://connect.facebook.net/en_US/sdk.js#xfbml=1&version=v3.2
المصدر الأصلي:
shehabnews.com
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-26 08:54:00
كاتب المصدر:
وكالة شهاب الإخبارية
نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات
للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.