
كابول – تحت أضواء واجهات العرض في مركز غلبهار التجاري بالعاصمة الأفغانية كابل، تتلألأ مصوغات ذهبية يقول صانعوها إنها صُنعت بأيدي حرفيين أفغان. وبينما يتجول الزوار بين أجنحة أول معرض متخصص للذهب والمجوهرات في البلاد، يحاول العاملون في القطاع تقديم صورة جديدة لصناعة ظلت لسنوات تعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات المستوردة.
ويُقام المعرض في غلبهار سنتر بكابل، ويضم مصانع وورشا وشركات عاملة في قطاع الذهب والصياغة. وأعلن اتحاد الصاغة أن الفعالية تهدف إلى التعريف بالصناعة المحلية، وتعزيز التواصل بين العاملين والمستثمرين وفتح فرص تجارية جديدة أمام القطاع.
اقرأ أيضا
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمةولا يتوقف طموح المشاركين عند حدود عرض المصوغات، إذ يرون في تنامي التصنيع المحلي فرصة لتحويل الذهب من سلعة تجارية إلى صناعة توفر فرص العمل وتخلق قيمة مضافة داخل البلاد.
من سوق للاستيراد إلى الإنتاج المحلي
يقول عبدالهادي غزنيوال، نائب رئيس اتحاد تجار وحرفيي كابل للجزيرة نت، إن سوق الذهب الأفغانية كانت تعتمد في السابق بدرجة كبيرة على استيراد المصوغات، لكنّ القطاع، وفق غزنيوال، شهد تحولا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، إذ بات الصاغة الأفغان يصنعون نحو 90% من المنتجات الذهبية المتداولة في السوق المحلية.
ويعزو غزنيوال هذا التحول إلى تطور مهارات الصاغة وتحسن جودة الإنتاج المحلي، إلى جانب زيادة ثقة المستهلكين بالمنتج المصنوع داخل البلاد.
ويقول إن اتحاد الصاغة يعمل وفق القوانين والأنظمة المعتمدة، وتتابع الجهات المعنية جودة المنتجات، مضيفا أن العاملين في القطاع تمكنوا من تطوير منتجاتهم وفق المعايير الدولية.
وبحسب غزنيوال، يعمل أكثر من 100 ألف شخص في مختلف حلقات قطاع الذهب، من الاستخراج والتصنيع إلى الصياغة والتجارة والبيع.
لكنّ تقديرات أخرى لمسؤولي القطاع تضع عدد العاملين عند أكثر من 60 ألف شخص، وهو تفاوت يعكس غياب إحصاءات مستقلة ومحدثة عن حجم الصناعة.
ويرى غزنيوال أن صناعة الذهب أصبحت أحد الأصول الاقتصادية المهمة لأفغانستان، خصوصا مع اتساع مشاركة الشباب فيها، معربا عن أمله في أن تتمكن البلاد مستقبلا من تصدير منتجاتها الذهبية إلى الأسواق الخارجية، بما فيها السوق التركية.
معرض لتوحيد المعايير
ويحاول منظمو المعرض تجاوز الجانب التجاري للفعالية إلى قضية أكثر ارتباطا بمستقبل السوق، وهي توحيد معايير صناعة الذهب وضبط الجودة.
ويقول معروف أوريا، عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الصاغة الأفغان للجزيرة نت، إن المعرض أقيم للمرة الأولى لإظهار قدرات صناعة الذهب المحلية أمام المستهلكين والمستثمرين، مشيرا إلى أن الاتحاد يسعى إلى تنظيم القطاع وتوحيد معايير المنتجات.
ويضيف أن العمل يستهدف الولايات الأفغانية الـ34، بحيث يتمكن المستهلك من شراء الذهب وفق معايير واضحة، بعيدا عن تفاوت الجودة والممارسات غير المنظمة.
ويقول أوريا إن الغاية من المعرض هي إظهار أن الذهب الأفغاني أصبح منتجا يمكن الوثوق به، ليس للمستهلك المحلي فحسب، بل أمام الأسواق الخارجية أيضا.
ويرى أن توحيد المعايير يمثل شرطا أساسيا للانتقال من السوق المحلية إلى التصدير، لأن دخول الأسواق الخارجية يتطلب مستويات واضحة من الجودة والمواصفات.
وكان رئيس اتحاد الصاغة عبد البشير إحسان زاده قد أعلن قبل المعرض أن هذه الفعالية تمثل منصة لجمع العاملين والمستثمرين والفاعلين في صناعة الذهب والصياغة، وتعزيز فرص التعاون داخل القطاع.
أكثر من ألف ورشة
وتشير تقديرات مسؤولي القطاع إلى وجود أكثر من ألف مصنع وورشة لصناعة الذهب والمجوهرات في أفغانستان، فيما تتفاوت تقديرات عدد العاملين بين مسؤولي الاتحاد.
لكنّ أصحاب المصانع يقولون إن اتساع الصناعة لا يعني أنها تجاوزت جميع العقبات.
خالد سلطاني، صاحب مصنع سلطاني لصياغة الذهب، يقول للجزيرة نت إنه يعمل في هذه المهنة منذ نحو 29 عاما، ويشغّل في مصنعه قرابة 20 عاملا.
ويقول إن الطلب على المنتجات المحلية يزداد عاما بعد آخر، وإن المعرض يوفر فرصة للصاغة لعرض قدراتهم وتعريف المستهلكين بجودة المنتجات الأفغانية.
ويضيف أن الهدف بالنسبة للعاملين في القطاع هو أن تصبح صناعة الذهب صناعة أفغانية مكتملة، بدلا من الاعتماد على المنتجات القادمة من الخارج.
لكنّ سلطاني يضع المعدات الحديثة في مقدمة التحديات التي تواجه المصانع، ويقول إن أفغانستان لا تزال ضعيفة في مجال تصنيع آلات صياغة الذهب، ولذلك تضطر المصانع إلى استيراد جزء كبير من معداتها من الخارج.
ويرى أن توفير الآلات والتقنيات الحديثة يمكن أن يساعد المصانع على زيادة الإنتاج وتحسين الجودة وتقليل تكاليف التصنيع.
وهنا تظهر مفارقة في مسار الصناعة: فالمصوغات أصبحت تُصنع محليا بدرجة أكبر، لكنّ جانبا من التكنولوجيا التي تحتاجها المصانع لإنتاجها لا يزال يأتي من الخارج.
طلب محلي يتجاوز قدرة المصانع
أما سميع نورزي، مسؤول مجموعة شركات رولا نورزي للمجوهرات، فيقدم صورة أكثر تفاؤلا عن تطور الصناعة.
ويقول نورزي للجزيرة نت إن جميع المنتجات المعروضة في جناح شركته صُنعت بأيدي عمال أفغان، مؤكدا عدم وجود عمالة أجنبية في مراحل الإنتاج.
ويضيف أن الشركة وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على منافسة منتجات مصنوعة في الإمارات في مجال معالجة وتصنيع المجوهرات، معتبرا أن مستوى الحرفيين الأفغان تطور بصورة كبيرة.
ولا يقتصر حديث نورزي على جودة الإنتاج، إذ يقول إن ارتفاع الطلب أصبح يمثل تحديا من نوع آخر، مشيرا إلى أن الشركة لا تستطيع أحيانا تسليم طلبات الزبائن قبل مرور أسابيع بسبب كثرة الطلبيات.
ويعتبر أن ارتفاع الطلب المحلي يعكس تغيرا في نظرة المستهلك إلى المنتج الأفغاني، بعدما كانت السوق تعتمد بدرجة أكبر على المنتجات المستوردة.
لكنّ طموح الشركة يتجاوز السوق المحلية. إذ يطالب نورزي السلطات الأفغانية بمساعدة الشركات المحلية على عرض منتجاتها في أسواق آسيا الوسطى، معتبرا أن فتح هذه الأسواق يمكن أن يمثل الخطوة التالية أمام صناعة المجوهرات الأفغانية.
بلد غني بالموارد
ولا يمكن فصل التحول في صناعة الذهب عن الصورة الأوسع للثروة المعدنية الأفغانية.
وتقول وزارة المناجم والبترول الأفغانية إن البلاد تمتلك موارد معدنية تُقدر قيمتها بين تريليون وثلاثة تريليونات دولار، وتشمل الحديد والنحاس والذهب والأحجار الكريمة والمعادن النادرة والنفط والغاز. وتؤكد الوزارة أن أحد أهدافها يتمثل في استغلال هذه الموارد بصورة مستدامة وزيادة الإيرادات وتحسين الميزان التجاري.
وتُظهر بيانات الوزارة وجود مكامن ومظاهر للذهب في عدد من الولايات الأفغانية. ففي ولاية تخار، تسجل الوزارة وجود الذهب في مناطق سمتي ونورابة وحصار وأنجير، بينما تسجل في ولاية غزني وجود الذهب في زركشان وأنغوري وتمكي.
لكنّ وجود الموارد المعدنية لا يعني بالضرورة امتلاك صناعة متكاملة، إذ يتطلب تحويل الخام إلى منتج نهائي استثمارات في الاستخراج والمعالجة والتصنيع والتكنولوجيا والتسويق.
استثمار جديد في الذهب
وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار دخول استثمارات جديدة إلى قطاع الذهب.
ففي مايو/أيار 2026، وقعت وزارة المناجم والبترول الأفغانية عقدا لاستخراج الذهب في مديرية قلعة زال بولاية قندوز شمالي أفغانستان بمساحة 5.97 كيلومترات مربعة، باستثمار يبلغ 20.24 مليون دولار لمدة 5 سنوات، مع شركة سبحان مومند ومجموعة “ريف” الأذربيجانية. وينص العقد أيضا على دفع نسبة 30% للدولة، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لنحو 100 شخص.
وتقول الوزارة إن المستثمرين الأذربيجانيين أبدوا اهتماما بمزيد من الاستثمارات في قطاع التعدين الأفغاني، في مؤشر على سعي السلطات إلى جذب رأس المال إلى قطاع الموارد الطبيعية.
لكنّ هذه الاستثمارات في استخراج الذهب تطرح سؤالا آخر: هل ستبقى القيمة الاقتصادية الكبرى عند مستوى المنجم، أم يمكن أن تمتد إلى مراحل المعالجة والتصنيع داخل أفغانستان؟
من المنجم إلى الأسواق
وهنا تكمن الرهانات التي يضعها العاملون في القطاع خلف تنظيم المعرض.
إذا تمكنت أفغانستان من توسيع قاعدة التصنيع، وتوفير التكنولوجيا والمعدات الحديثة، وتوحيد معايير الجودة، فإن صناعة الذهب يمكن أن تتحول من نشاط حرفي وتجاري إلى جزء من سلسلة صناعية أوسع مرتبطة بالثروة المعدنية.
لكنّ الطريق إلى ذلك لا يزال محفوفا بتحديات، أبرزها نقص المعدات الحديثة، والحاجة إلى تدريب العمال، وضعف قنوات التصدير، وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
كما أن الطموح إلى التصدير يتطلب قدرة على المنافسة، ليس في التصميم والصياغة فقط، وإنما في الجودة والتكلفة والمعايير والقدرة على الالتزام بمتطلبات الأسواق المستوردة.
وبينما يقول الصاغة إن نحو 90% من المصوغات المتداولة محليا أصبحت تُصنع داخل أفغانستان، فإن المرحلة الأصعب تبدأ خارج السوق المحلية.
فنجاح صناعة الذهب لن يقاس بعدد الورش أو الأجنحة في المعارض، وإنما بقدرتها على تحويل الذهب المستخرج من المناجم الأفغانية إلى منتجات تحمل اسم أفغانستان وتجد لها مكانا في الأسواق الإقليمية والدولية.
وبين الذهب المدفون تحت الأرض والمصوغات المعروضة في أروقة غلبهار سنتر، تحاول الصناعة الأفغانية الانتقال من مرحلة الاستيراد والتجارة إلى مرحلة الإنتاج والمنافسة؛ وهي خطوة قد تمنح البلاد قيمة اقتصادية أكبر من مجرد استخراج ثرواتها، إذا تمكنت من بناء سلسلة متكاملة تبدأ من المنجم ولا تنتهي عند السوق المحلية.