موجات الحر القياسية تضرب الاقتصاد الأمريكي وخسائرها تتجاوز الكوارث الطبيعية الأخرى

تحولت موجات الحر القياسية في الولايات المتحدة من أزمة مناخية وصحية إلى عبء اقتصادي متزايد، بعدما انعكست درجات الحرارة المرتفعة على أداء الشركات والإنتاجية وحركة النقل وإمدادات الكهرباء، في وقت سجل فيه يوليو الماضي أعلى متوسط لدرجات الحرارة على الإطلاق في الولايات المتحدة المتجاورة.

ووفقًا لشبكة أخبار سي بي اس تكشف تداعيات موجة الحر الأخيرة أن تأثير ارتفاع درجات الحرارة لم يعد مقتصرًا على الشعور بعدم الراحة أو زيادة المخاطر الصحية، بل أصبح يمتد بصورة مباشرة إلى أرباح الشركات وساعات العمل والبنية التحتية، خصوصًا في المناطق التي لم تكن تاريخيًا مجهزة للتعامل مع درجات حرارة شديدة الارتفاع.

الحرارة تجبر شركات على الإغلاق

في مدينة دولوث بولاية مينيسوتا، اضطرت شركة «كانال بارك بروينغ» إلى إغلاق منشأتها ليوم كامل وتعليق خدمة الفناء الخارجي لمدة ثلاثة أيام، بعدما تعطل نظام التكييف تحت وطأة الحرارة.

وتكتسب هذه الخسارة أهمية خاصة بالنسبة للشركة التي تعتمد على موسم الصيف باعتباره الفترة الأكثر نشاطًا بالنسبة لها، إذ أكد مدير المطعم أليكس نيمي أن توقف النشاط لعدة أيام انعكس بصورة واضحة على إيرادات الشهر بأكمله.

وتوضح الواقعة حجم المخاطر التي تواجهها الشركات الصغيرة في المناطق التي لم تكن معتادة على موجات الحرارة الطويلة، إذ يمكن لتعطل أجهزة التكييف أو ارتفاع تكاليف تشغيلها أن يتحول سريعًا إلى خسائر مباشرة.

انخفاض الإنتاجية أكبر تهديد اقتصادي

يرى جيريمي بورتر، مدير أبحاث المخاطر المادية في شركة «فيرست ستريت»، أن التأثير الاقتصادي الأكبر لموجات الحر يظهر من خلال تراجع إنتاجية العاملين وتعطل سير العمليات اليومية.

وتشمل التداعيات المحتملة تلف البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، واضطرار الشركات إلى تقليص ساعات العمل، فضلًا عن انخفاض قدرة الموظفين على العمل بكفاءة في ظروف الحرارة الشديدة.

وأظهر تحليل أجرته الشركة لنحو 30 ألف إفصاح مالي للشركات أن تأثير موجات الحر الشديدة على الموظفين جاء ثالث أكثر المخاوف المناخية شيوعًا بين الشركات، في مؤشر على تحول الحرارة إلى عامل اقتصادي يحظى باهتمام متزايد لدى قطاع الأعمال.

مناطق أمريكية تواجه وضعًا جديدًا

تكمن المشكلة بصورة أكبر في مناطق شمال غرب الولايات المتحدة والغرب الأوسط والشمال الشرقي، التي لم تكن تاريخيًا عرضة لدرجات الحرارة الحالية، وبالتالي تفتقر بعض الشركات فيها إلى البنية التحتية المناسبة أو أنظمة التكييف القادرة على تحمل موجات حر طويلة.

ويؤدي ذلك إلى اضطرار بعض المنشآت إلى إغلاق أبوابها أو تقليص ساعات العمل، في حين تواجه الشركات الأخرى ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الطاقة بسبب تشغيل أجهزة التكييف لفترات أطول.

وتزداد الضغوط على شبكة الكهرباء أيضًا مع ارتفاع الطلب على التبريد، في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة توسعًا سريعًا في مراكز البيانات المرتبطة بتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يزيد الطلب على الطاقة ويضاعف تكلفة الكهرباء بالنسبة لبعض الشركات والمستهلكين.

خسائر تفوق الكوارث الطبيعية الأخرى

ويشير خبراء إلى أن موجات الحر قد تكون ذات تأثير اقتصادي أوسع من بعض الكوارث الطبيعية الأخرى، ليس بالضرورة بسبب شدة الضرر في موقع واحد، وإنما بسبب استمرارها لفترات أطول واتساع نطاق المناطق المتضررة منها.

فبينما قد يتركز الإعصار أو الفيضان في منطقة محددة، يمكن لموجة حر واسعة النطاق أن تؤثر في مدن وولايات متعددة في الوقت نفسه، وتعطل العمل والنقل والطاقة والنشاط التجاري على نطاق كبير.

وتتعرض المدن بصورة خاصة للمخاطر بسبب قدرتها على الاحتفاظ بالحرارة، إلى جانب تركّز نسبة كبيرة من الأنشطة الاقتصادية والسكانية فيها.

0.6% خسارة محتملة من الناتج المحلي

وتشير تقديرات حديثة إلى أن موجات الحر التي شهدتها الولايات المتحدة تسببت في خسارة تقدر بنحو 0.6 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس حجم التداعيات الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن ارتفاع درجات الحرارة بصورة متكررة.

ولا تقتصر الخسائر على الشركات، إذ تتأثر قطاعات النقل والخدمات والبنية التحتية، بينما تواجه المنشآت التي تعتمد على العمالة الخارجية تحديات أكبر بسبب صعوبة استمرار العمل في ظروف الحرارة الشديدة.

العمال الأكثر تعرضًا للخطر

يُعد العاملون في قطاعات البناء والزراعة والتصنيع وغيرها من المهن التي تتطلب العمل في الخارج من أكثر الفئات تعرضًا لتداعيات الحرارة.

وتشير البيانات الفيدرالية إلى وفاة 436 عاملًا بسبب التعرض لحرارة البيئة أثناء العمل بين عامي 2011 و2021، بمتوسط يقارب 40 حالة وفاة سنويًا.

ويرى الباحثون أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك، لأن بعض الوفيات المرتبطة بالحرارة لا تُسجل بصورة مباشرة باعتبارها ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة، بل تُنسب إلى أمراض أو حالات صحية كامنة.

تغير المناخ يرفع تكلفة الحرارة

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تكرار موجات الحر ومدتها، يتوقع الخبراء أن تصبح تداعياتها الاقتصادية أكثر وضوحًا خلال السنوات المقبلة.

وبذلك لم تعد موجات الحر مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت تحديًا اقتصاديًا يتطلب استثمارات في البنية التحتية وأنظمة التبريد وشبكات الكهرباء، إلى جانب إعادة تنظيم ظروف العمل لحماية الموظفين وتقليل الخسائر التي تتكبدها الشركات خلال فترات الحرارة القصوى.


تم نسخ الرابط

المصدر الأصلي:

arabradio.us

كاتب المصدر:
فريق راديو صوت العرب من أمريكا

المصدر الأصلي: arabradio.us

Exit mobile version