وتشير المعطيات المرتبطة بالاتفاقية إلى أنها لا تقتصر على مبدأ الدفاع المشترك، بل تتضمن توجهًا نحو بناء مؤسسات وآليات دائمة للتحالف، من بينها لجان مشتركة واجتماعات دورية وتدريبات عسكرية وتعاون في مجال الصناعات الدفاعية. ويعطي ذلك الاتفاق طابعًا عمليًا، ويضعه في إطار تحالف قابل للتطور بدل أن يبقى مجرد تفاهم سياسي.
وتؤكد الدول الثلاث أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، وأن هدفها الأساسي هو مساعدة أي دولة عضو في حال تعرضها لاعتداء، وليس توجيه التحالف ضد طرف بعينه. كما جرى التأكيد على أن التحالف لا يستهدف أي دولة، وأن أبوابه مفتوحة أمام دول أخرى يمكن أن تنضم إليه مستقبلًا.
وفي هذا السياق، برزت مصر باعتبارها إحدى أبرز الدول المرشحة للانضمام إلى الإطار الجديد، بالنظر إلى ثقلها العسكري والاستراتيجي وموقعها الإقليمي. وتشير التصريحات التركية إلى أن هناك توجهًا نحو انضمام القاهرة مستقبلًا، مع بقاء بعض المسائل الفنية والقانونية التي يتعين استكمالها قبل اتخاذ القرار النهائي.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: «مصر شريك طبيعي لنا في جميع القضايا، وأعتقد أن مصر ستنضم إلينا أيضًا ضمن التحالف في المرحلة المقبلة».
كما أوضح فيدان أن انضمام مصر يرتبط باستكمال بعض المسائل الفنية، وأن أنقرة ترى إمكانية توسيع الاتفاقية لتشمل دولًا أخرى في المنطقة.
ومن جانبها، أكدت القاهرة أنها تتعامل بجدية مع مختلف الأفكار والمبادرات الأمنية المطروحة في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، مشيرة إلى وجود تنسيق كامل مع السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار رباعي. كما أوضحت أن أي قرار بشأن الانضمام إلى تحالفات جديدة يخضع لدراسة معمقة، بالنظر إلى الاعتبارات القانونية والدستورية الداخلية.
وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي: «مصر تتعامل مع هذه الأفكار والمبادرات، بما فيها المبادرة الخاصة بأمن البحر الأحمر، بمنتهى الجدية، لكن نظرًا لوجود اعتبارات قانونية ودستورية مختلفة، يتم دراسة الأمر بشكل معمق لاتخاذ القرار المطلوب».
وفي تصريح أحدث، أكد عبد العاطي أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك تخضع لدراسات معمقة من مؤسسات الدولة المصرية تمهيدًا لاتخاذ قرار بشأنها، مشيرًا إلى أن أي التزامات دفاعية تستوجب دراسة الاعتبارات الدستورية والقانونية.


وتكتسب المشاركة المصرية المحتملة أهمية خاصة بسبب الثقل العسكري والسياسي للقاهرة، إذ إن انضمامها يمكن أن يحول الإطار الثلاثي إلى منظومة أمنية أوسع وأكثر تأثيرًا. كما أن العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية توفر أساسًا مهمًا لهذا المسار، في وقت تتطور فيه علاقات القاهرة مع تركيا وباكستان أيضًا.
ولا يبدو أن التحالف الجديد يقوم على أساس مذهبي أو طائفي، إذ إن الدول الثلاث تمتلك حسابات ومخاوف استراتيجية مختلفة تراكمت على مدى عقود. فتركيا تنظر إلى محيطها الاستراتيجي من منظور يرتبط بتاريخ طويل من التنافس والصراعات، بينما تشكل الهند أحد أبرز الاعتبارات الأمنية بالنسبة إلى باكستان، في حين تمثل إيران عنصرًا رئيسيًا في الحسابات الأمنية السعودية نتيجة التنافس الإقليمي الممتد.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاتفاقية باعتبارها محاولة لتأسيس توازن إقليمي جديد، لا يقوم بالضرورة على مواجهة دولة بعينها، وإنما على تعزيز القدرات الذاتية لدول المنطقة وبناء منظومة أمنية أكثر استقلالية وقدرة على التعامل مع المخاطر.
كما أن الاتفاقية لا تعني بالضرورة استبدال التحالفات القائمة للدول الثلاث. فتركيا ستظل عضوًا في حلف شمال الأطلسي، كما ستواصل باكستان والسعودية علاقاتهما الدفاعية والعسكرية القائمة مع شركائهما الدوليين. وبالتالي، فإن الإطار الجديد يمكن أن يعمل بالتوازي مع المنظومات الأمنية والتحالفات الموجودة، مع إضافة مستوى إقليمي جديد من التعاون.
وتبرز أهمية عامل المأسسة في هذا السياق، إذ إن انتقال الاتفاقية إلى مرحلة اللجان الدائمة والتدريبات المشتركة والتعاون الدفاعي والصناعات العسكرية سيحدد مدى قدرتها على التحول إلى قوة مؤثرة على أرض الواقع. ولذلك، فإن دول المنطقة تبدو أكثر اهتمامًا بما ستنفذه الاتفاقية فعليًا من اهتمامها بالنصوص السياسية وحدها.
أما إيران، فقد قللت رسميًا من المخاوف المرتبطة بالاتفاقية، مؤكدة أنه لا يوجد ما يدعو إلى اعتبارها موجهة ضدها، ومشيرة إلى الروابط التاريخية والثقافية والدينية التي تجمعها بالدول الثلاث.
وفي المقابل، أثارت الاتفاقية اهتمامًا إسرائيليًا وأمريكيًا، في ظل احتمال أن يؤدي توسعها إلى إعادة تشكيل بعض معادلات الأمن الإقليمي. فدخول دول جديدة، وعلى رأسها مصر، إلى هذه المنظومة قد يرفع من وزنها السياسي والعسكري، ويجعلها أحد الأطر الرئيسية التي تؤثر في مستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط.
وبذلك، فإن اتفاقية مكة لا تبدو مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل قد تكون بداية لمسار أوسع نحو بناء منظومة أمن إقليمية متعددة الأطراف. ويبقى نجاحها مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة المأسسة، وتنفيذ التدريبات المشتركة، وتعزيز التعاون الدفاعي والصناعي، وتوسيع دائرة الأعضاء بما يجعلها لاعبًا مؤثرًا في أمن المنطقة واستقرارها.
/* Shares”}};
/* ))> */
المصدر الأصلي:
www.defense-arabic.com
كاتب المصدر:
نور الدين
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com



