تحوّل اسم الإيرانية فاطمة صديقيان كاشي (Fatemeh Sedighian Kashi) إلى واحد من الأسماء اللافتة في الحرب السيبرانية بين إيران والولايات المتحدة، بعدما أعلن برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تساعد في تحديد مكانها أو الوصول إلى معلومات مرتبطة بأنشطتها، إلى جانب المسؤول السيبراني الإيراني محمد باقر شيرينكار.
ورغم أن بعض الروايات المتداولة على مواقع التواصل قدّمت صديقيان كاشي تحت أوصاف مثيرة مثل «مهندسة الظلام» أو «الهاكر التي أرعبت الاستخبارات الأميركية»، فإن الوثائق الرسمية الأميركية تكشف قصة أكثر أهمية من العناوين المثيرة: امرأة تعمل، وفق واشنطن، داخل منظومة سيبرانية ذات قدرات مرتبطة بالدولة وقادرة على استهداف بنى تحتية وقطاعات حساسة في عدة دول.
من هي فاطمة صديقيان كاشي؟
وفق برنامج «مكافآت من أجل العدالة»، تُعد فاطمة صديقيان كاشي موظفة قديمة في المجموعة المعروفة باسم «شهيد شوشتري»، والتي عُرفت سابقاً بعدة أسماء بينها Emennet Pasargad وAria Sepehr Ayandehsazan.
وتقول المعلومات الأميركية إن صديقيان ترتبط بعلاقة عمل وثيقة مع محمد باقر شيرينكار، الذي تصفه واشنطن بأنه المشرف على المجموعة، وإنها تعمل معه بشكل مباشر في التخطيط للعمليات السيبرانية وتنفيذها.
هذه النقطة تحديداً تجعل أهمية صديقيان مختلفة عن مجرد مبرمجة أو مخترقة إلكترونية تعمل بشكل منفرد؛ فبحسب الرواية الأميركية، هي جزء من دائرة تخطيط وتنفيذ داخل بنية سيبرانية منظمة.
لماذا تبلغ المكافأة 10 ملايين دولار؟
المبلغ الكبير لا يعني أن الولايات المتحدة صنفت صديقيان باعتبارها «أخطر هاكر في العالم»، لكنه يعطي مؤشراً قوياً إلى القيمة الاستخبارية التي توليها واشنطن للمعلومات المتعلقة بها وبالشبكة التي تعمل ضمنها.
وتنص المكافأة الأميركية على مبلغ يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تساعد في تحديد هوية أو موقع أشخاص يعملون بتوجيه أو تحت سيطرة حكومة أجنبية ويشاركون في أنشطة سيبرانية خبيثة ضد البنية التحتية الحيوية الأميركية.
بمعايير الأمن السيبراني، الوصول إلى شخص داخل شبكة كهذه يمكن ألا يوفر مجرد عنوان أو هوية، وإنما قد يكشف:
- بنية القيادة والسيطرة.
- هوية مشغلي العمليات.
- الخوادم والبنية التحتية المستخدمة.
- الأدوات والبرمجيات الخبيثة.
- طبيعة الأهداف المستقبلية.
- العلاقات بين الفرق السيبرانية المختلفة.
- آليات التمويل والتشغيل والتخفي.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمعلومة الاستخبارية.
مجموعة «شهيد شوشتري».. أكثر من مجرد قراصنة
تصف وزارة الخارجية الأميركية «شهيد شوشتري» بأنها منظمة سيبرانية مرتبطة بـالقيادة السيبرانية-الإلكترونية للحرس الثوري الإيراني.
ووفق الاتهامات الأميركية، نفذت المجموعة حملات سيبرانية وعمليات تأثير إلكتروني استهدفت قطاعات متعددة شملت الإعلام والشحن والسفر والطاقة والقطاع المالي والاتصالات في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط.
هذا التنوع في الأهداف مهم للغاية من الناحية التقنية، لأنه يشير إلى قدرة على التعامل مع بيئات وشبكات مختلفة بدلاً من التركيز على نوع واحد من الأهداف.
وتعتبر واشنطن أن نشاط المجموعة تسبب بأضرار مالية وتعطيل لجهات أميركية حكومية وخاصة.
من الانتخابات الأميركية إلى البنية التحتية
أحد أكثر الملفات حساسية المرتبطة بالمجموعة يعود إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2020.
وتقول وزارة العدل الأميركية إن جهات إيرانية مرتبطة بالشبكة نفذت حملة تضمنت استطلاع مواقع انتخابية في نحو 11 ولاية ومحاولة اختراقها، وتمكنت من الحصول على بيانات أكثر من 100 ألف ناخب من نظام تابع لإحدى الولايات، إضافة إلى إرسال رسائل تهديد ونشر معلومات مضللة ومحاولة اختراق شبكة شركة إعلامية أميركية.
وتشدد الوثائق القضائية الأميركية على أن هذه الوقائع وردت في إطار اتهامات وتحقيقات أميركية، وأن الاتهام القضائي بحد ذاته لا يشكل إدانة نهائية.
لكن بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية، فإن مجرد امتلاك شبكة سيبرانية القدرة على الجمع بين الاختراق التقني والعمليات النفسية والتضليل واستغلال البيانات المسروقة يرفع مستوى التهديد إلى ما هو أبعد من القرصنة التقليدية.
أين تكمن القدرة غير العادية؟
قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال القضية بالقول إن فاطمة صديقيان «هاكر موهوبة للغاية».
القدرة الحقيقية تبدو، وفق الصورة التي ترسمها المصادر الأميركية، في المنظومة التي تعمل داخلها.
فالهجمات السيبرانية ذات المستوى المرتبط بالدول لا تعتمد عادة على شخص واحد، بل على منظومة متعددة الطبقات قد تضم فرقاً للاستطلاع الرقمي، والهندسة الاجتماعية، وتطوير البرمجيات، وإدارة الخوادم، واختراق الأنظمة، وتحليل المعلومات المسروقة، والمحافظة على الوصول إلى الشبكات المستهدفة وإخفاء مصدر العملية.
كما أن وزارة الخزانة الأميركية سبق أن فرضت عقوبات على مسؤولين في القيادة السيبرانية-الإلكترونية للحرس الثوري، بينهم محمد باقر شيرينكار، وربطت هذه القيادة بعمليات استهدفت بنى تحتية حساسة.
وفي أبريل/نيسان 2024، تحدثت الخزانة الأميركية أيضاً عن حملات إيرانية شملت التصيد الموجّه والبرمجيات الخبيثة واستهداف شركات ومؤسسات حكومية أميركية، ووصفتها بأنها عمليات منسقة ومتعددة المحاور.
لماذا تخشى الدول هذا النوع من القدرات؟
في الحروب التقليدية يمكن مشاهدة الطائرات والصواريخ وحركة القوات، لكن السلاح السيبراني مختلف.
يمكن لفريق صغير نسبياً أن يعمل على مدى أشهر داخل شبكة خصم من دون أن يكتشف، ثم يستخدم الوصول الذي حصل عليه لجمع المعلومات أو تعطيل الأنظمة أو التأثير على العمليات أو تحضير البيئة لهجوم لاحق.
ويزداد الخطر عندما يتعلق الأمر بشبكات الطاقة والمياه والاتصالات والموانئ والمؤسسات المالية، لأن اختراقاً واحداً ناجحاً قد يتحول من حادث تقني إلى أزمة أمن قومي أو اقتصادية.
ولهذا أصبحت المجموعات السيبرانية المرتبطة بالدول جزءاً أساسياً من مفهوم الردع الحديث، إلى جانب الصواريخ والطائرات والحرب الإلكترونية.
هل فاطمة صديقيان «عبقرية إلكترونية خارقة»؟
لا توجد معلومات علنية كافية تسمح بتقييم المستوى التقني الفردي لفاطمة صديقيان أو مقارنته بأفضل خبراء الاختراق في العالم.
لكن ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن واشنطن تنظر إليها باعتبارها شخصية ذات أهمية عملياتية داخل شبكة سيبرانية إيرانية حساسة، وأن ارتباط اسمها مباشرة بالتخطيط والتنفيذ إلى جانب مسؤول يشرف على المجموعة يفسر الاهتمام الاستخباري الكبير بها.
وبالتالي فإن خطورتها، إذا صحت التقييمات الأميركية، لا تكمن فقط في مدى قدرتها على كتابة الشيفرات أو تنفيذ اختراق منفرد، بل في المعرفة التي قد تمتلكها عن بنية العمليات والأهداف والأساليب والأشخاص العاملين داخل المنظومة.
10 ملايين دولار تكشف حجم الحرب الخفية
قد تبدو صورة شابة إيرانية أمام مكافأة قيمتها عشرة ملايين دولار مفارقة لافتة، لكنها تختصر طبيعة الصراع الجديد بين الدول.
لم يعد ميزان القوة يقاس فقط بعدد المقاتلات أو الصواريخ أو حاملات الطائرات. ففي الطبقة غير المرئية من الصراع توجد شبكات استخباراتية وسيبرانية تستطيع الوصول إلى مؤسسات تبعد آلاف الكيلومترات دون مغادرة غرفة العمليات.
قضية فاطمة صديقيان كاشي تكشف جانباً من هذه الحرب: أفراد مجهولون للرأي العام يمكن أن تصبح المعلومات المتعلقة بهم ذات قيمة تقدر بملايين الدولارات، لأنهم قد يمتلكون مفاتيح الوصول إلى منظومة سيبرانية أوسع بكثير من الشخص نفسه.
ولهذا، فإن الرقم الأميركي البالغ حتى 10 ملايين دولار ليس دليلاً على أسطورة «هاكر لا يمكن إيقافها»، لكنه بالتأكيد مؤشر إلى أن واشنطن تنظر إلى الشبكة التي تعمل ضمنها وإلى المعلومات التي قد تقود إليها باعتبارها ملفاً أمنياً واستخبارياً عالي الأهمية.
وفي عصر أصبحت فيه الكهرباء والمصارف والاتصالات والنقل وحتى الانتخابات تعتمد على الشبكات الرقمية، يمكن لأداة سيبرانية ناجحة أن تحقق تأثيراً استراتيجياً كان يحتاج في الماضي إلى عملية عسكرية كاملة.



