لماذا قد تحصل مصر على مقاتلات J-16 رغم أنها غير مخصصة للتصدير؟

لماذا

موقع الدفاع العربي – 29 أغسطس/آب 2026: أعاد ظهور مقاتلات J-16 الصينية في مصر خلال مناورات «نسور الحضارة 2026» طرح تساؤلات حول مستقبل التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، وما إذا كانت هذه المقاتلة الثقيلة قد تتحول مستقبلاً إلى أحد الخيارات المطروحة أمام القوات الجوية المصرية، رغم أن J-16 لا تُعد حتى الآن مقاتلة مخصصة للتصدير.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية خاصة في ظل حاجة مصر إلى مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى قادرة على تنفيذ مهام السيادة الجوية وحمل كميات كبيرة من الصواريخ والأسلحة، وهي الفئة التي كان من المفترض أن تلبيها جزئياً صفقة Su-35 الروسية التي لم تكتمل نتيجة الضغوط والعقوبات الأمريكية المرتبطة بقانون «كاتسا».

ورغم امتلاك مصر أسطولاً كبيراً ومتنوعاً من المقاتلات، فإن معظم الطائرات الموجودة في الخدمة لا تنتمي إلى فئة المقاتلات الثقيلة ذات المدى والحمولة الكبيرين. ولهذا برزت الحاجة إلى مقاتلة تستطيع تنفيذ مهام بعيدة المدى، وفرض التفوق الجوي، والعمل ضمن شبكة متكاملة من طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والحرب الإلكترونية.

وتأتي أهمية هذا الأمر في ضوء التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت مرة أخرى القيمة العملياتية للمقاتلات الثقيلة مثل F-15 الأمريكية والإسرائيلية، خصوصاً في المهام التي تتطلب التحليق لمسافات بعيدة وحمل أعداد كبيرة من الصواريخ والأسلحة مع الاحتفاظ بقدرات قوية في القتال الجوي. وفرضت هذه المقاتلات سيطرة جوية كاملة على سماء إيران بدعم من مقاتلات إف-35 الشبحية.

وفي هذا السياق، تبدو J-16 الصينية مثيرة للاهتمام بالنسبة لمصر. فالمقاتلة تنتمي إلى عائلة «فلانكر» ذات الأصل السوفييتي، لكنها ليست مجرد نسخة من Su-27 أو Su-30، بل تمثل تطويراً صينياً عميقاً يجمع بين الهيكل الكبير والمدى والحمولة المرتفعة وبين رادارات وإلكترونيات وتسليح صينية حديثة.

وبذلك تقدم J-16 مفهوماً قريباً من فلسفة المقاتلات الثقيلة متعددة المهام مثل Su-30 وSu-35 وF-15E، مع قدرة على تنفيذ مهام القتال الجوي والضربات بعيدة المدى في الوقت نفسه.

J-16 تتجهز للتحليق لمواجهة رافال المصرية في إطار مناورات “نسور الحضارة 2026”.

لكن العقبة الرئيسية أمام حصول مصر على J-16 تتمثل في أن هذه المقاتلة ليست مطروحة رسمياً للتصدير، فضلاً عن ارتباط تصميمها وتطويرها بعائلة المقاتلات الروسية Su-27/ Su-30. ومع ذلك، لا يبدو أن العامل الروسي سيكون بالضرورة عائقاً أمام أي صفقة مستقبلية، خصوصاً أن القاهرة كانت قد اتجهت في الأساس إلى موسكو للحصول على مقاتلات Su-35، قبل أن تتعطل الصفقة تحت ضغط التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات بموجب قانون «كاتسا».

وبالتالي، فإن المشكلة التي حالت دون حصول مصر على المقاتلة الثقيلة الروسية لم تكن رفضاً مصرياً أو روسياً، وإنما الضغوط الأمريكية التي جعلت إتمام الصفقة مكلفاً سياسياً واستراتيجياً بالنسبة للقاهرة. وإذا ما طُرحت مستقبلاً نسخة صينية مشتقة من J-16 للتصدير، فقد يكون موقف موسكو أكثر مرونة، خاصة أن الصين طورت هذه العائلة منذ سنوات وأصبحت تمتلك نسخة صينية متقدمة منها، ما يجعل أي صفقة محتملة مع مصر مختلفة عن شراء مقاتلات روسية الصنع بصورة مباشرة.

ومن هذه الزاوية، قد تمثل J-16 حلاً وسطاً لمشكلة واجهتها مصر مع Su-35. الحصول على مقاتلة ثقيلة ذات فلسفة تشغيلية قريبة من عائلة الفلانكر، ولكن من مصدر صيني، بما يقلل ارتباط الصفقة المباشر بروسيا ويجنب القاهرة جزءاً من الضغوط التي واجهتها عند محاولة شراء المقاتلات الروسية.

وما يدعم هذه الفرضية هو وجود J-16 في مصر للمشاركة في المناورات الأخيرة ما يحمل دلالة مهمة. فقد أرسلت الصين عدداً من مقاتلاتها الثقيلة إلى جانب طائرات إنذار مبكر وطائرات تزود بالوقود جواً، كما خاضت J-16 تدريبات قتالية مع مقاتلات رافال المصرية. وهذا يعني أن القاهرة لم تختبر مجرد مقاتلة منفردة، وإنما شاهدت عملياً كيفية عمل مقاتلة ثقيلة داخل منظومة جوية متكاملة.

مقاتلة J-16 الصينية في تمرين «نسور الحضارة 2026».

وقد يكون ذلك مهماً في حال كانت مصر تدرس مستقبلاً توسيع تعاونها مع الصين في مجال الطيران القتالي. فالمناورات تمنح القوات الجوية المصرية فرصة لتقييم أداء J-16 في القتال الجوي، وقدراتها على العمل لمسافات بعيدة، وحمولتها التسليحية، ومدى تكاملها مع طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والحرب الإلكترونية.

ومن هنا يظهر سيناريو أكثر واقعية من مجرد بيع J-16 الموجودة في الخدمة الصينية، وهو أن تقوم بكين مستقبلاً بتطوير نسخة تصديرية مشتقة من J-16 لصالح مصر، على غرار ما حدث مع مقاتلات صينية أخرى طورت لها نسخ مخصصة للأسواق الخارجية.

ولا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على أن الصين اتخذت قراراً بهذا الاتجاه، لكن مصر تمثل بالنسبة لبكين سوقاً عسكرياً مهماً، كما أن دخول مقاتلة صينية ثقيلة إلى الخدمة المصرية سيكون خطوة أكبر بكثير من بيع مقاتلات خفيفة أو متوسطة.

ويزداد هذا الاحتمال أهمية إذا لم تصل القاهرة إلى اتفاق نهائي بشأن F-15EX. فمصر تبدو مهتمة منذ سنوات بالحصول على مقاتلة ثقيلة ذات قدرات بعيدة المدى، بينما واجهت محاولتها السابقة للحصول على Su-35 عقبات أمريكية حالت دون تنفيذ الصفقة.

وبالتالي، فإن الخيارات أمام القاهرة يمكن اختصارها في ثلاثة مسارات رئيسية: الحصول على F-15EX من الولايات المتحدة، أو التوجه إلى الصين للحصول على J-10CE باعتبارها الخيار الصيني المتاح للتصدير حالياً، أو فتح الباب أمام تطوير نسخة ثقيلة مشتقة من J-16 إذا قررت بكين مستقبلاً تقديم هذا النوع من القدرات إلى شركائها.

ولا يرتبط هذا الاحتياج المصري بجبهة واحدة فقط. فامتداد المصالح المصرية من شرق المتوسط إلى قناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب يجعل المدى والحمولة والقدرة على تنفيذ العمليات الجوية بعيدة المدى عناصر مهمة في التخطيط المستقبلي للقوات الجوية.

كما أن استمرار التوتر حول ملف مياه النيل وسد النهضة، إلى جانب التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يدفع القاهرة إلى تعزيز قدرتها على التعامل مع سيناريوهات بعيدة عن قواعدها الجوية التقليدية.

وفي هذه البيئة، يمكن لمقاتلة ثقيلة مثل J-16 أن تقدم لمصر قدرات مختلفة عن تلك التي توفرها المقاتلات الأخف، خصوصاً إذا جرى دمجها مع طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والحرب الإلكترونية والصواريخ جو-جو بعيدة المدى.

كما أن التطور المتسارع الذي حققته الصين في مجال الطيران القتالي قد يعزز مستقبلاً فرضية تصدير J-16، فبكين لم تعد تعتمد على هذه المقاتلة باعتبارها قمة قدراتها الجوية، بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في تطوير مقاتلات الجيل الخامس، وعلى رأسها J-20، فيما انتقلت بالفعل إلى اختبار تقنيات ومقاتلات الجيل السادس.

وهذا التطور قد يغير حسابات الصين بشأن تصدير بعض مقاتلات الجيل الرابع المطورة. فمع انتقال مركز الثقل في القوات الجوية الصينية تدريجياً نحو منصات أكثر تطوراً، يمكن أن تصبح J-16، رغم قدراتها الكبيرة، أقل حساسية من الناحية الاستراتيجية مقارنة بمقاتلات الجيل الخامس والجيل السادس، ما قد يفتح مستقبلاً الباب أمام تقديم نسخة تصديرية منها إلى شركاء مختارين.

ومن هذه الزاوية، فإن تصدير نسخة من J-16 لا يعني بالضرورة أن الصين ستتخلى عن إحدى أهم أسرار قوتها الجوية، بل يمكن أن تقدم نسخة مخصصة للتصدير بأنظمة وتسليح وإلكترونيات يتم التحكم في مستوى حساسيتها، بينما تحتفظ القوات الجوية الصينية بأحدث التقنيات المرتبطة بمنظومات الجيل الخامس والسادس.

وبالنسبة لمصر، فإن هذا السيناريو سيكون جذاباً للغاية، لأنه يمنحها مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى ذات حمولة كبيرة وقدرات متقدمة في القتال الجوي والضربات بعيدة المدى، من دون أن تضطر بكين إلى فتح باب تصدير أحدث مقاتلاتها الاستراتيجية.

مقاتلة J-50 الصينية من الجيل السادس

حتى الآن لا توجد صفقة مؤكدة، ولا دليل موثوق على أن J-16 أصبحت متاحة للتصدير. لكن إرسال هذه المقاتلة إلى مصر، وإشراكها في تدريبات قتالية مباشرة مع الرافال المصرية، يفتح الباب أمام احتمال توسع التعاون الجوي بين البلدين.

وإذا تعثرت خيارات مصر الغربية، أو لم تحصل القاهرة على المقاتلة الثقيلة التي تبحث عنها من الولايات المتحدة، فقد تصبح الصين أكثر استعداداً لتقديم بديل، ليس بالضرورة عبر بيع J-16 الحالية، وإنما عبر تطوير نسخة تصديرية تلبي احتياجات مصر وتحافظ في الوقت نفسه على بعض التقنيات الحساسة التي ترغب بكين في إبقائها ضمن قواتها الجوية.

وفي هذه الحالة، ستكون J-16 أكثر من مجرد مقاتلة ظهرت في مناورة عسكرية؛ فقد تكون نافذة مصرية على جيل جديد من التعاون الجوي مع الصين، وعلى مفهوم مختلف للسيادة الجوية بعيدة المدى.

/* Shares”}}; /* ))> */
Exit mobile version