الدفاع والامن

مناورات مصر والصين.. هل بدأت القاهرة تغيير استراتيجية التسلح؟

bbcorp
تنويع مصادر التسليح.. هل تعيد مصر رسم عقيدتها العسكرية وتوسّع هامش المناورة؟

موقع الدفاع العربي – 29 أغسطس/آب 2026: كشفت المناورات الجوية المصرية الصينية الأخيرة عن تنامي التعاون العسكري بين القاهرة وبكين، لكنها في الوقت نفسه تعكس صورة أوسع تتجاوز العلاقات مع الصين، تتمثل في توجه مصري واضح نحو تنويع مصادر التسليح والشراكات الدفاعية، عبر الانفتاح على الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والصين وتركيا وغيرها.

ويطرح هذا التوجه تساؤلات حول ما إذا كانت مصر تكتفي بتنويع مصادر السلاح، أم أنها تتجه تدريجيًا نحو بناء منظومة تسليح أكثر استقلالية، تقوم على عدم الاعتماد على قوة واحدة، مع تعزيز قدراتها في التصنيع والصيانة ونقل التكنولوجيا.

رغم الاهتمام الذي حظيت به مناورات «نسور الحضارة» المصرية الصينية، فإنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري في العقيدة العسكرية المصرية. فهي ليست الأولى من نوعها بين البلدين، كما أن حجم التعاون العسكري المصري مع الصين لا يزال أقل بكثير من حجم التعاون مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

ويظل سلاح الجو المصري مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمعدات الأمريكية، خصوصًا مقاتلات F-16، إلى جانب استمرار برامج تحديث المعدات الأمريكية الموجودة لدى الجيش المصري. كما ترتبط القاهرة بعلاقات دفاعية واسعة مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا، تشمل الطائرات والسفن والغواصات وأنظمة عسكرية مختلفة.

لكن أهمية التعاون مع الصين تكمن في سياق أوسع، وهو رغبة مصر في امتلاك خيارات متعددة للحصول على التكنولوجيا والسلاح، وعدم ربط تطوير قدراتها العسكرية بموافقة دولة واحدة.

فالقاهرة لا تبحث فقط عن شراء الأسلحة، بل تسعى بصورة متزايدة إلى التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصيانة والإنتاج، بما يمنحها قدرًا أكبر من الاستقلالية ويقلل من قدرت أي طرف خارجي على ممارسة ضغوط عبر قطع الغيار أو القيود على التصدير.

واشنطن تراقب

هذا التحول يثير بالتأكيد قلقًا في واشنطن، خصوصًا إذا حصلت مصر على مقاتلات متقدمة أو أنظمة دفاع جوي أو تقنيات صينية لا توفرها الولايات المتحدة بالشروط نفسها.

ومع ذلك، لا يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى مواجهة مباشرة مع القاهرة بسبب هذا التوجه، بل تميل إلى سياسة تقوم على الاحتواء والترغيب، مستفيدة من حقيقة أن جزءًا كبيرًا من منظومة التسليح المصرية لا يزال أمريكي الأصل ويحتاج إلى الصيانة والتحديث.

وتقدم واشنطن لمصر مساعدات عسكرية سنوية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، إلا أن القسم الأكبر منها يرتبط اليوم بدعم وصيانة وتحديث المعدات الموجودة، وليس بالضرورة بالحصول على أحدث المنظومات الأمريكية.

وتبقى إحدى أهم محددات السياسة الأمريكية تجاه مصر هي الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وهو ما يفرض قيودًا على بعض أنواع التكنولوجيا والأسلحة التي يمكن أن تحصل عليها القاهرة.

في المقابل، يمنح التنويع مصر مساحة للحصول على قدرات من أوروبا والصين وروسيا، وهي صفقات لا تخضع بالضرورة للقيود الأمريكية نفسها.

ولا يعني التوجه المصري نحو تنويع التسليح أن القاهرة تستعد للانفصال عن الولايات المتحدة أو استبدالها بشريك آخر.

فالجيش المصري يمتلك بنية تسليح أمريكية كبيرة، والانتقال الكامل إلى منظومة بديلة سيكون عملية طويلة ومكلفة ومعقدة. لكن التاريخ العسكري المصري نفسه يثبت أن تغيير مصادر التسليح ممكن؛ فقد انتقلت القاهرة في مراحل سابقة من الاعتماد على السلاح السوفيتي إلى الاعتماد الواسع على السلاح الأمريكي والغربي.

لذلك فإن المسار الحالي يبدو أقرب إلى التحوط الاستراتيجي منه إلى القطيعة. فمصر تحافظ على علاقاتها العسكرية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه توسع تعاونها مع أوروبا والصين وتركيا وغيرها، بهدف الحصول على التكنولوجيا والخبرات وتعدد الخيارات.

وهذا النهج يسمح للقاهرة بالمناورة في الملفات التي تعتبرها مرتبطة بأمنها القومي، بدل أن تصبح احتياجاتها العسكرية مرهونة بقرار سياسي صادر عن عاصمة واحدة.

التكنولوجيا والتصنيع في قلب التحول

أحد أهم أبعاد السياسة المصرية الجديدة لا يتعلق بعدد الأسلحة التي يتم شراؤها من الخارج فقط، وإنما بالقدرة على إنتاجها وصيانتها وتطويرها محليًا.

وتشير المناقشات حول التعاون مع تركيا والصين ودول أخرى إلى اهتمام متزايد بالشراكات الصناعية ونقل المعرفة، بدل الاكتفاء بعمليات شراء جاهزة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، لأن القاهرة كلما نجحت في بناء قاعدة صناعية عسكرية أكثر استقلالًا، تقل قدرت أي دولة على التأثير في قراراتها الدفاعية عبر حظر التصدير أو قطع الغيار أو شروط الاستخدام.

كما أن مصر تمتلك أهمية استراتيجية تتجاوز المجال العسكري، بسبب موقعها الجغرافي وقناة السويس والبحر الأحمر وصلاتها بأفريقيا والشرق الأوسط، فضلًا عن مرور نسبة كبيرة من حركة الاتصالات والكابلات الدولية عبر الأراضي المصرية.

ولهذا فإن خسارة النفوذ الأمريكي في القاهرة ستكون مكلفة استراتيجيًا، وهو ما يفسر ميل واشنطن إلى الحفاظ على ارتباطها بمصر بدل دفعها نحو خيارات أكثر استقلالًا.

المنافسة الأمريكية الصينية تمنح القاهرة هامشًا أوسع

لا يقتصر التنافس بين واشنطن وبكين على الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي. فقد امتد إلى مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

ودفعت العروض الصينية في مجال مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي الجانب الأمريكي إلى التحرك وتقديم بدائل، وهو ما يكشف كيف يمكن للقاهرة أن تستفيد من المنافسة بين القوى الكبرى للحصول على شروط أفضل.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة المصرية الحالية: عدم استبدال محور بآخر، وإنما استغلال تعدد المحاور لتعزيز القدرة على التفاوض.

وتنطبق هذه القاعدة على التعاون العسكري والتكنولوجي على حد سواء.

هل تستطيع مصر كسر الاعتماد على السلاح الأمريكي؟

كسر الاعتماد الكامل على المنظومة الأمريكية ليس مستحيلًا من الناحية التاريخية، لكنه ليس هدفًا يبدو أن القاهرة تسعى إلى تحقيقه بصورة فورية.

الأرجح أن مصر تريد تقليل الاعتماد، وليس إنهاءه. فهي تدرك أهمية استمرار العلاقات مع واشنطن في مجالات عديدة، من الأمن الإقليمي إلى الملاحة البحرية والتعاون في البحر الأحمر وأفريقيا.

وفي الوقت نفسه، تريد القاهرة امتلاك بدائل تمنع تحول الاعتماد العسكري إلى تبعية سياسية.

وهذا ما يمكن وصفه بسياسة التوازن الذكي: الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة، مع توسيع العلاقات مع القوى الأخرى، وامتلاك القدرة على التحرك عندما لا تتوافق الخيارات الأمريكية مع الاحتياجات المصرية.

ملف إسرائيل واتفاقية السلام

يظل عامل التفوق العسكري الإسرائيلي حاضرًا بقوة في الحسابات الأمريكية المتعلقة بتسليح مصر.

فالولايات المتحدة ملزمة قانونيًا بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل عند دراسة صفقات الأسلحة في المنطقة، وهو ما يفسر جزءًا من القيود المفروضة على حصول القاهرة على بعض التقنيات والأسلحة الأمريكية المتقدمة.

لكن من وجهة النظر المصرية، لا ينبغي أن تتحول هذه القيود إلى قاعدة تحكم جميع خياراتها الدفاعية، خصوصًا عندما تستطيع القاهرة الحصول على قدرات بديلة من دول أخرى.

ومن هنا يأتي التنويع باعتباره وسيلة لتوسيع هامش الحركة، وليس بالضرورة خطوة باتجاه مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

كما أن مفهوم الاستقلالية الذي يبرز في السياسة المصرية لا يعني بالضرورة الخروج من اتفاقية السلام أو الدخول في مواجهة مع واشنطن، وإنما يعني امتلاك قدرة أكبر على اتخاذ القرار في الملفات المرتبطة بالأمن القومي.

مصر تستفيد من عالم متعدد الأقطاب

يبدو أن السياسة المصرية لا تقوم على الاختيار بين واشنطن وبكين وموسكو، بقدر ما تقوم على محاولة الاستفادة من المنافسة بينها.

فالصين توفر خيارات تكنولوجية وعسكرية لا ترغب واشنطن دائمًا في توفيرها، وأوروبا أصبحت مصدرًا مهمًا للمقاتلات والسفن والغواصات والتقنيات العسكرية، بينما لا تزال الولايات المتحدة الشريك العسكري الأهم تاريخيًا لمصر.

وبالتالي، فإن التعاون المصري الصيني المتنامي لا يعني بالضرورة تحول القاهرة إلى المعسكر الصيني، كما أن استمرار التعاون مع واشنطن لا يعني تخلي مصر عن خياراتها الأخرى.

التحول الأهم يتمثل في سعي القاهرة إلى بناء منظومة علاقات دفاعية متعددة المصادر، تتيح لها الحصول على التكنولوجيا والخبرات والتصنيع، وتمنحها في الوقت نفسه مساحة أكبر للمناورة السياسية والاستراتيجية.

ومع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، قد يصبح هذا النهج أكثر أهمية بالنسبة لمصر، التي تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع واشنطن، دون أن تغلق الباب أمام بكين وموسكو وأنقرة والعواصم الأوروبية.

وبذلك، فإن «نسور الحضارة» ليست بالضرورة إعلانًا عن تغيير كامل في العقيدة العسكرية المصرية، لكنها تأتي ضمن مسار أوسع تتجه فيه القاهرة إلى تقليل الاعتماد على مصدر واحد، وتوسيع خياراتها الدفاعية والتكنولوجية، وتعزيز قدرتها على اتخاذ قراراتها العسكرية وفق حساباتها الخاصة.

/* Shares”}};
/* ))> */

الكاتب:

المصدر الأصلي:

www.defense-arabic.com

كاتب المصدر:
نور الدين

المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com

مقالات ذات صلة