
في السابع من أغسطس (آب) 2026، وداخل قصر الصفا بمدينة مكة المكرمة، أقدس مدن الإسلام، التي ولد فيها النبي محمد وتحتضن الكعبة المشرفة، مقصد ملايين المسلمين سنويا وقبلتهم في صلواتهم الخمس، وقعت المملكة العربية السعودية، البلد المضيف، وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، بحضور ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وزعيمي الدولتين الأخريين.
لم يكشف عن النص الكامل للاتفاقية، لكن وفقا للبيان الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية، فإنها تهدف إلى تعزيز الردع المشترك في مواجهة أي اعتداء، بحيث يعد أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث هجوما على الجميع، فضلا عن تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.
يناقش هذا المقال الظروف والأجواء التي أحاطت بتوقيع الاتفاقية، ودوافع كل طرف وأوجه استفادته منها، وما تعنيه بالنسبة إلى المصالح الروسية وتوازنات القوى في الشرق الأوسط وأوراسيا، ولا سيما في محيط روسيا القريب بجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
من تفاهمات كوينسي إلى اتفاقية مكة: تحولات بنية الأمن الإقليمي
جاءت اتفاقية مكة في سياق إقليمي مضطرب، سبقتها أحداث متلاحقة ومحاولات لصوغ رؤية أمنية جديدة تعيد إلى منطقة الشرق الأوسط قدرا من الاستقرار. وقد اكتسبت هذه المساعي زخما بعد زيارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لمدينة جدة السعودية يومي 15 و16 يوليو (تموز) 2022، ثم تطورت عبر مفاوضات جادة بدت وكأنها تتجه نحو صفقة متكاملة تعيد ضبط العلاقات السعودية-الأمريكية، أو ما يمكن وصفه بتجديد “العقد الاستراتيجي” الذي يحكم هذه العلاقة منذ اللقاء التاريخي بين الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، في 14 فبراير (شباط) 1945، على متن الطراد الأمريكي “يو إس إس كوينسي” في البحيرات المرة بقناة السويس في مصر.
كان الملك عبد العزيز من أوائل القادة العرب الذين أدركوا آنذاك أن شمس الإمبراطورية البريطانية آخذة في الغروب، وأن الولايات المتحدة مرشحة لوراثة جانب كبير من مكانتها العالمية. وقد وضع لقاء كوينسي الأساس الرمزي لشراكة مميزة بين الرياض وواشنطن، عانت في بعض الفترات من الفتور، بل والخلاف، لكن حجم المصالح المشتركة ظل كفيلا بتجاوز أزماتها. غير أن الأسس التقليدية التي قامت عليها هذه العلاقة بدت أقل قدرة على الصمود أمام التحولات الإقليمية والدولية، وتبدل الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة؛ فلم يعد النفط المنطلق الأساسي لسياستها الخارجية كما كان في السابق، فضلا عن انتهاء المنافسة الأيديولوجية مع الشيوعية والجيوسياسية مع الاتحاد السوفيتي.
وعلى غرار جده المؤسس، أدرك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طبيعة هذه التحولات، وسعى إلى تجديد التحالف مع الولايات المتحدة وفق آليات عصرية تراعي احتياجات الطرفين. وشملت التفاهمات المقترحة توقيع اتفاقية دفاعية تشبه، من حيث الضمانات الأمنية، “معاهدة التعاون والأمن المتبادل” الموقعة بين واشنطن وطوكيو عام 1960، إلى جانب بنود أخرى، من بينها تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل.
لكن هذه التفاهمات الأولية انهارت تحت وطأة أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما أعقبها من حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة. وبلغ التصعيد مستوى جديدا بعد ظهر الثلاثاء 9 سبتمبر (أيلول) 2025، عندما شنت إسرائيل غارات جوية على منطقة لقطيفية في العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة مقرا اجتمع فيه أعضاء وفد حركة حماس المفاوض. وأطلقت إسرائيل على العملية اسم “قمة النار“، في أول هجوم إسرائيلي مباشر تتعرض له عاصمة دولة عربية خليجية.
عكست هذه العملية العسكرية محاولة إسرائيل فرض معادلة أمنية جديدة في المنطقة، تتولى فيها دور القائد والوكيل الرئيسي للمصالح الأمريكية، بما يسمح لواشنطن بتقليص انخراطها المباشر والتفرغ لأولويات أخرى، مع ترك مهمة ملء الفراغ وقيادة تحالف إقليمي لإسرائيل. ولم يكن من الممكن للسعودية، بحجمها ومركزيتها، أن تقبل بهذه المعادلة. لذلك، وبعد نحو أسبوع من الهجوم الإسرائيلي، وقعت المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية، في 17 سبتمبر (أيلول) 2025 بالعاصمة الرياض، “اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك“.
كانت الرسالة السعودية وراء هذه الاتفاقية واضحة: لن تنفرد إسرائيل بالمنطقة، ولن يكون مقبولا احتكارها ترتيبات الأمن الإقليمي. وأراد الأمير محمد بن سلمان كذلك تأكيد أن بلاده تمتلك، إلى جانب شراكتها مع الولايات المتحدة، تحالفات إقليمية قوية وملزمة، من بينها تحالفها مع دولة نووية مثل باكستان.
أدركت مصر وتركيا، بدورهما، رغبة الولايات المتحدة في تخفيف انخراطها في المنطقة، وسعي إسرائيل إلى وراثة جانب من دورها وتشكيل تحالف إقليمي تحت قيادتها. وعلى هذا الأساس، تلاقت رؤى ثلاث من القوى الرئيسية في المنطقة، وهي السعودية ومصر وتركيا، على رفض هذه المعادلة. وانضمت إليها باكستان في ظل توثيق غريمتها الهند تحالفها العسكري والتقني والاستخباراتي مع إسرائيل، وهو تحالف ترى إسلام آباد أن جانبا منه موجه ضدها.
وبعد أن بدأت إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران في 28 فبراير (شباط) 2026، وما ظهر من تعثر مساعيهما لتغيير النظام أو إجبار طهران على قبول شروطهما، فضلا عن عدم كفاية مظلة الحماية الأمريكية لضمان أمن دول الخليج العربية من الهجمات الإيرانية، تبلور تفاهم سياسي رباعي بين ما يمكن وصفه بـ”نادي المعترضين” على الهيمنة الإسرائيلية والرافضين لارتهان المنطقة للصراع بين طهران وتل أبيب. ومهد هذا التفاهم الطريق أمام توقيع اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وباكستان وتركيا.
أما مصر، فلم تنضم إلى الاتفاقية لاعتبارات وحسابات خاصة بالجانب المصري، يمكن تناولها بصورة مستقلة في مقال آخر. ومع ذلك، فهي ليست بعيدة عن التفاهمات التي أنتجتها؛ فبحسب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، كانت القاهرة على علم مسبق بالاتفاقية.
وهكذا، لم تولد اتفاقية مكة الدفاعية بصورة مفاجئة أو من فراغ، بل جاءت تتويجا لمسار متدرج من التحولات الإقليمية، وتراجع الثقة بفاعلية الضمانات الأمنية الأمريكية، بالتوازي مع تصاعد الطموح الإسرائيلي لقيادة النظام الأمني في المنطقة واتساع تداعيات الصراع مع إيران. ومن رحم هذه الظروف، تلاقت مصالح السعودية وباكستان وتركيا على بناء إطار دفاعي مشترك يتيح لها تنويع تحالفاتها وتعزيز قدرتها على الردع، ويحول دون انفراد أي قوة إقليمية بإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط وترتيباته الأمنية.
حسابات الأطراف: الموقف الأمريكي ومكاسب التحالف الثلاثي
بعد تسعة أيام من توقيع الاتفاقية، وتحديدا مساء 16 أغسطس (آب) 2026، رحب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، واصفا إياها بأنها “خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة”. وكتب ترمب عبر منصته “تروث سوشيال” أنه سعيد بتوقيع الدول الثلاث الاتفاقية، معتبرا أنها تعكس التقارب المتزايد بين دول الشرق الأوسط، وتوجهها نحو تعزيز التعاون بما يمكنها من الدفاع عن نفسها بصورة أكثر فاعلية.
يمكن قراءة هذا الدعم الأمريكي بوصفه مؤشرا على أن الاتفاقية لم تكن بعيدة عن التفاهمات مع واشنطن، ولا سيما أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالا هاتفيا مع الرئيس ترمب في 2 أغسطس (آب) 2026، أي قبل توقيعها بخمسة أيام، بحثا خلاله تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها الإقليمية والدولية. ولا تتوافر معلومات معلنة تؤكد أن الاتفاقية نوقشت مباشرة خلال الاتصال، لكن توقيته يرجح أن ولي العهد السعودي عرض على الجانب الأمريكي تصورا جديدا للأمن الإقليمي، يتكامل مع سياسة واشنطن الرامية منذ مدة إلى بناء تحالفات بين شركائها الإقليميين، بما يخفف عنها جزءا من أعباء الأمن والحماية. وفي الوقت نفسه، تحافظ هذه الصيغة على الشراكة مع الولايات المتحدة من دون تحديها أو القطيعة معها، وتقطع الطريق أمام محاولات إسرائيل تصوير التحالف الجديد على أنه موجه ضدها، أو فرض تحالف إقليمي تقوده وفقا لشروطها ومن دون مراعاة المصالح السعودية.
أما تركيا، فتستفيد من التحالف الجديد في إعادة تقديم نفسها بوصفها قوة إقليمية لا غنى عنها، وشريكا موثوقا للولايات المتحدة والغرب داخل حلف الناتو، فضلا عن قدرتها على بناء تحالفات إقليمية تخفف عن واشنطن جزءا من أعبائها الأمنية، وتتيح لها التفرغ لأولويات أخرى حول العالم، ولا سيما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويمنح ذلك أنقرة مكانة أكثر تقدما داخل الناتو، ويعزز قدرتها على مواجهة الضغوط الإسرائيلية، خصوصا في جنوب سوريا.
يضاف إلى ذلك أن الاتفاقية تتيح لتركيا تعزيز صناعاتها الدفاعية، التي تشهد تطورا متسارعا منذ عدة سنوات، من خلال الاستثمارات والتدفقات المالية السعودية، إلى جانب دعم اقتصادها الذي يواجه ضغوطا متزايدة، سواء عبر الودائع السعودية في البنك المركزي التركي أو الاستثمارات المباشرة. كما تعظم الاتفاقية مكانة أنقرة في مواجهة إيران، وتساعدها على ضمان مصالحها إذا أعيدت صياغة توازنات المنطقة بعد انتهاء الحرب الحالية.
على الصعيد الداخلي، يستطيع الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم توظيف الاتفاقية لتسويق نجاح جديد في السياسة الخارجية، والتخفيف من وطأة الأزمات الداخلية. وقد ذهبت بعض الدعاية المؤيدة للحزب وماكينته الإعلامية إلى تصوير الاتفاقية كأنها عودة جديدة لتركيا العثمانية إلى المنطقة، مستفيدة من رمزية توقيعها في مكة المكرمة، التي انطلقت منها الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد الحكم العثماني، قبل نحو 110 أعوام. كذلك تعزز الاتفاقية مكانة تركيا بوصفها دولة قائدة داخل ما يعرف بـ”العالم التركي”، الذي يضم أذربيجان في جنوب القوقاز والدول الناطقة باللغات التركية في آسيا الوسطى، باستثناء طاجيكستان ذات اللغة والثقافة الفارسيتين.
وتستفيد باكستان من الاتفاقية في تخفيف الضغوط الإسرائيلية عليها وامتلاك أداة ردع إضافية في ظل التطور غير المسبوق في الشراكة بين نيودلهي وتل أبيب، وما تقدمه إسرائيل للهند من تقنيات عسكرية وتعاون استخباراتي. كما توجه إسلام آباد، من خلالها، رسالة إلى التيارات المتشددة في الداخل ونظام طالبان في أفغانستان وحلفائه داخل باكستان، مفادها أن الدولة والجيش يشاركان في حماية الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، أقدس مدينتين في الإسلام. ومن شأن ذلك إضعاف الدعاية التي تستخدمها بعض الجماعات الإسلامية للطعن في شرعية النظام الباكستاني.
تكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية في ظل تنامي علاقات طالبان مع الهند، وهي علاقات تنظر إليها دوائر باكستانية باعتبارها موجهة، في جانب منها، ضد بلادها. وتسمح الاتفاقية أيضا بتعزيز قدرات الجيش الباكستاني من خلال الاستثمارات السعودية المحتملة في الصناعات الدفاعية الباكستانية، إلى جانب الحصول على دعم اقتصادي في مواجهة الأزمة المزمنة التي تعاني منها البلاد. وأخيرا، تدعم الاتفاقية مكانة المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش وقائد قوات الدفاع، الذي أصبح شريكا أساسيا في السلطة، ولا سيما بعد النجاحات التي نسبها الخطاب الرسمي الباكستاني إلى الجيش خلال المواجهة العسكرية مع الهند في مايو (أيار) 2025.
وتستفيد السعودية وتركيا، أخيرا، من الثقل النووي الباكستاني. وعلى الرغم من الغموض المحيط بموقع المظلة النووية ضمن الاتفاقية، وعدم وجود ما يؤكد امتدادها إلى الشريكين الآخرين، فإن التحالف مع دولة تمتلك السلاح النووي يضيف، من الناحيتين السياسية والمعنوية، بعدا ردعيا مهما إلى الاتفاقية الجديدة.
ماذا تعني اتفاقية مكة لروسيا والأمن الأوراسي؟
لم يصدر، حتى كتابة هذا المقال، أي موقف رسمي روسي تجاه الاتفاقية الجديدة. ورغم أن روسيا ترحب، من حيث المبدأ، بتحمل دول كل منطقة مسؤولية تحديد أولوياتها الأمنية وآليات التعامل معها بعيدا عن التدخلات الخارجية، بل سبق أن قدمت تصورا قائما على خمسة مبادئ تحت عنوان “مفهوم ضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج“، وحدثته عام 2021، إلا أن عددا من المعلقين السياسيين الروس أبدوا تحفظات تجاه الاتفاقية، وطرحوا مخاوف يبدو بعضها مبررا وجديرا بالنقاش، فيما ينطوي بعضها الآخر على قدر من المبالغة.
يرتبط أحد هذه التحفظات بعلاقة الاتفاقية بالولايات المتحدة. غير أن هذا الارتباط يبدو طبيعيا بالنظر إلى أن السعودية وبقية دول الخليج لا تستطيع، في الظروف الحالية، التخلي عن علاقاتها الخاصة بواشنطن. فالعلاقات الخليجية-الأمريكية، والسعودية-الأمريكية على وجه التحديد، لا تقتصر على تحالف أو شراكة تقليدية بين دولتين، بل تحمل طابعا تأسيسيا أسهم في تشكيل بنية الدولة الحديثة في المنطقة.
رسمت بريطانيا حدود معظم الكيانات السياسية في الخليج، كما أسهمت بالتعاون مع فرنسا في رسم خريطة أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. وتولت لندن دور الضامن الأمني لمشيخات الخليج، والمرجعية التي تلجأ إليها لتسوية الخلافات الحدودية، قبل أن ترث الولايات المتحدة جانبا كبيرا من هذا الدور. ثم جاءت الثورة الكبرى في استخراج النفط وغيره من الموارد الطبيعية، وأعقبتها الطفرة المالية التي نتجت من الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. وقد وفرت هذه التحولات عائدات ضخمة، اضطلعت الشركات الأمريكية والغربية من خلالها بدور محوري في بناء مدن المنطقة وتطوير بنيتها التحتية والتكنولوجية والأمنية والاستخباراتية والعسكرية.
لذلك، تدين مظاهر كثيرة من الحداثة وبناء الدولة الوطنية في الخليج بإسهام أمريكي أساسي. ومن ثم، فإن أي تصور يقوم على إمكان حدوث تحول جذري وسريع في العلاقات بين الجانبين يبدو غير واقعي؛ فحتى لو أرادت إحدى دول الخليج اتخاذ مثل هذه الخطوة، فإنها ستحتاج إلى إعادة هيكلة أجزاء واسعة من منظومات الدولة والأمن والتسليح والتكنولوجيا.
ولهذا تظل العلاقات مع الولايات المتحدة ضرورية للسعودية وبقية دول الخليج، ولا يمكن استبدالها بسهولة. ولا تظهر لدى قادة هذه الدول أو قطاعات واسعة من شعوبها رغبة حقيقية في التخلي عنها. كما تختلف نظرة المجتمعات الخليجية إلى الولايات المتحدة والغرب عن نظرة كثير من المجتمعات العربية الأخرى، ويعود ذلك جزئيا إلى اختلاف التجربة التاريخية مع الظاهرة الاستعمارية.
فباستثناء الوجود البرتغالي في بعض سواحل الخليج، والنفوذ البريطاني الذي اتخذ لاحقا صورة الحماية والهيمنة على طرق التجارة والعلاقات الخارجية، لم يخضع معظم الداخل الخليجي لاحتلال استعماري مباشر أو استيطاني يشبه ما عرفته مصر والعراق وبلدان المشرق والمغرب العربي. كان المشروع الاستعماري، في جوهره، مشروعا اقتصاديا يستهدف السيطرة على الموارد ونقل عوائدها إلى المركز، بينما كانت مناطق الخليج، قبل اكتشاف النفط وتحول الاقتصاد العالمي إلى الاعتماد عليه، فقيرة بالموارد المعروفة آنذاك، وكان إخضاعها المباشر سيشكل عبئا يفوق عائده المتوقع.
تعرف سكان الخليج إلى الغرب الحديث من خلال الدور البريطاني في ترسيم حدود الكيانات والمشيخات السياسية الناشئة، وإدماجها تدريجيا في النظام الدولي، وحمايتها من اعتداء بعضها على بعض، ثم من خلال البدايات الأولى لاكتشاف النفط. وبعد ذلك، ورثت الولايات المتحدة الدور البريطاني، وأسهمت في حماية دول المنطقة عقب قيام الثورة الإسلامية في إيران، ثم قادت عملية تحرير الكويت من غزو نظام صدام حسين في العراق، فضلا عن دور الشركات الأمريكية في استخراج النفط وبناء المدن والبنية التحتية.
نتيجة لذلك، تختلف المخيلة السياسية لشعوب الخليج وحكامه تجاه الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عن مثيلتها في مصر والعراق وبلدان المشرق والمغرب العربي، التي عانت صورا مباشرة من الهيمنة الغربية والنهب المنظم. كما تختلف عن التجربة التاريخية الروسية، التي تشكل جانب منها تحت وطأة غزوات القوى الغربية، وأبرزها غزو نابليون بونابرت والغزو النازي بقيادة أدولف هتلر.
وقد يكون من المفيد للباحثين والمعلقين السياسيين الروس إدراك هذا الاختلاف. فعلى الرغم من أن العالم العربي الممتد من المنامة في الخليج إلى طنجة على ساحل المحيط الأطلسي يمثل كتلة جغرافية متصلة، تجمعها لغة معيارية واحدة هي العربية، وغالبية مسلمة إلى جانب جماعات مسيحية تنتمي في معظمها إلى الكنائس الأرثوذكسية، فضلا عن سياق حضاري وثقافي متقارب، لكن ثقافته السياسية ليست واحدة. وتنبع الاختلافات العميقة داخل هذه الكتلة من تباين التجارب التاريخية، ولا سيما في طبيعة العلاقة مع الغرب.
أما التخوف الأكثر جدارة بالنقاش، فيتعلق بإمكان استغلال تركيا نتائج القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، التي عقدت في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) 2026، لتقديم نفسها إلى دول الحلف بوصفها مركزا قادرا على تصنيع الأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة التي كشفت المواجهات الأخيرة عن وجود نقص حاد فيها لدى عدد من أعضاء الناتو.
وقد تسعى أنقرة إلى توظيف اتفاقيتها مع السعودية في دمج رؤوس الأموال السعودية بالاستثمارات القادمة من دول الحلف، بما يعزز قاعدتها الصناعية ويوسعها، ويمهد لتحويلها إلى أحد المراكز الرئيسية للصناعات العسكرية التابعة للناتو. وفي الوقت نفسه، تقدم تركيا نفسها بوصفها قائدا وحاميا موثوقا لدول ما يسمى “العالم التركي”. وقد صدرت بالفعل أصوات أذربيجانية تدعو إلى الانضمام لاتفاقية مكة، إلى جانب نقاشات مماثلة بشأن إمكان توسعها نحو آسيا الوسطى.
وقد تستغل تركيا انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا لتوسيع نفوذها في الحزام الأمني الجنوبي الروسي، ولا سيما في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. ويتزامن ذلك مع تعزيز حضورها في سوريا، وسعيها إلى توسيع نفوذها في العراق في ظل التنافس والتفاهم المتداخل مع إيران، فضلا عن وجودها في غرب ليبيا والقرن الأفريقي عبر الصومال، ومساعيها إلى إيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر من خلال السودان، وامتلاكها لوجود عسكري ثابت في الخليج من خلال قاعدة الريان في دولة قطر.
وبذلك، قد تعمل أنقرة على بناء منظومة نفوذ مترابطة تمتد من آسيا الوسطى إلى جنوب القوقاز، وترتبط مباشرة بتركيا عبر مشروع “طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين”، ثم تمتد إلى الشرق الأوسط عبر سوريا والعراق وصولا إلى دول الخليج العربية. وقد يؤدي ذلك إلى الإخلال بالتوازن الهش القائم في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى منذ تفكك الاتحاد السوفيتي.
كما يتيح الوجود التركي في غرب ليبيا وسوريا لأنقرة تعزيز موقعها في شرق البحر المتوسط، بينما يدعم حضورها على ساحل البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي قدرتها على تضييق مجال الحركة الروسية جنوبا، أو على الأقل امتلاك أدوات نفوذ وردع يمكن استخدامها للضغط على موسكو إذا تغيرت السياسات التركية مستقبلا، على نحو يعيد إلى الأذهان الدور التركي لتطويق الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. ووفق هذا التصور، قد تستغل تركيا حاجة الولايات المتحدة إلى تحالفات إقليمية، إلى جانب انشغال روسيا وإيران بصراعاتهما الحالية، لتحويل هذه الظروف إلى مكاسب استراتيجية خاصة بها.
ويتمثل تخوف آخر في احتمال شعور الهند بأنها أصبحت محاطة بما قد تراه “تحالفا إسلاميا” يضم تركيا والسعودية إلى جانب خصمها الباكستاني. ويتزامن ذلك مع التحولات السياسية في بنغلاديش، بعد سقوط حكومة كانت تعد صديقا تقليديا للهند، وصعود نظام جديد يتقارب مع باكستان بدرجة غير مسبوقة، فضلا عن تنامي النزعة القومية الهندوسية التي يتبناها حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
وقد تستغل الولايات المتحدة هذا الوضع، بالتنسيق مع إسرائيل، شريك الهند القوي، لدفع نيودلهي إلى توسيع شراكتها مع واشنطن والاستجابة لمطالبها المتعلقة بعلاقات الهند مع روسيا والصين، في وقت تحاول فيه نيودلهي الحفاظ على قدر أكبر من الحياد والاستقلال الاستراتيجي. وقد يقود ذلك تدريجيا إلى تحويل جنوب آسيا إلى فضاء يغلب عليه النفوذ الأمريكي. كما يخشى أن تؤدي الاتفاقية إلى ظهور تحالفات مضادة تزيد من اضطراب الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية لروسيا.
في ضوء ذلك، تبدو السعودية الطرف الأكثر قدرة على ضبط إيقاع الاتفاقية ومنع استغلالها لتحقيق مكاسب إقليمية تشكل ضغطا على روسيا وحلفائها، بالنظر إلى حاجة تركيا وباكستان إلى الدعم والاستثمارات السعودية في ظل الضغوط التي يواجهها اقتصادا البلدين. وهذا ما يستدعي تطوير مستوى الحوار الروسي مع الرياض، وبحث إمكان اضطلاع موسكو بدور جاد وبناء في معالجة المخاوف السعودية من إيران وحلفائها في المنطقة، ولا سيما جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن.
وتزداد أهمية هذا الحوار في ظل اتجاه حاضر داخل النقاش السياسي الخليجي، والسعودي على وجه الخصوص، يرى أن بعض أوجه الدعم الروسي لإيران انعكست سلبا على أمن دول الخليج العربية والسعودية. وقد دفع هذا التصور بعض الجهات الخليجية إلى المطالبة بتطوير علاقات التعاون مع أوكرانيا، وهو اتجاه ينبغي لموسكو أخذه في الحسبان عند صياغة سياستها تجاه المنطقة.
الخاتمة
أراد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من هذه الاتفاقية تأكيد قدرة بلاده على بناء تحالف إقليمي يضم قوى صديقة للولايات المتحدة وحليفة لها، بما يشجع واشنطن على تقديم الدعم اللوجستي والتقني والعسكري والاستخباراتي والسياسي والدبلوماسي. وفي الوقت نفسه، تستجيب الاتفاقية للمطلب الأمريكي المتكرر بأن تتحمل دول المنطقة جزءا أكبر من أعباء أمنها، من دون التخلي عن المظلة الأمريكية أو الدخول في مواجهة معها.
كما يهدف التحالف مع دولتين تتشاركان الحدود مع إيران إلى تعزيز قدرة السعودية على الوساطة والحوار مع طهران. فالرسالة التي تستطيع الرياض نقلها في الغرف المغلقة هي أن أمنها أصبح، بموجب الاتفاقية، مرتبطا بأمن تركيا وباكستان، بما يعزز قدرتها على ردع إيران عن مهاجمتها مباشرة أو عبر حلفائها في المنطقة.
وتضمن الاتفاقية للسعودية مقعدا على طاولة أي مفاوضات مستقبلية بشأن ترتيبات الأمن والنفوذ في المنطقة، وتحول دون انفراد إسرائيل بتحديد شكل المنظومة الأمنية الإقليمية. كما تساعد الرياض على حماية مصالحها إذا توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق جديد مع إيران، سواء في ظل الإدارة الحالية أو إدارة ديمقراطية مقبلة قد تميل إلى تقاسم النفوذ وإدارة التوازنات، على غرار ما طرحه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ضمن ما عرف بـ”عقيدة أوباما“، التي لا يزال قطاع واسع داخل الحزب الديمقراطي مقتنعا بجوانب منها. وقد أظهرت الحرب الأخيرة، بدورها، محدودية قدرة الخيار العسكري وحده على حسم الصراع مع إيران أو فرض الاستسلام عليها.
وأخيرا، تعزز الاتفاقية أوراق ولي العهد السعودي التفاوضية مع إسرائيل إذا استؤنفت المحادثات بشأن تطبيع العلاقات بين البلدين. كما تمنح الرياض قدرة أكبر على التمسك بمطالبها الأمنية والتقنية، ومن بينها الحصول على منظومات عسكرية متقدمة، وتطوير برنامج نووي سلمي يتضمن تخصيب اليورانيوم، بما يدعم طموح السعودية إلى بناء دورة وقود نووي محلية والتحول مستقبلا إلى أحد موردي الوقود النووي.
أما الدور المصري، فيظل حاضرا إلى جانب الدول الثلاث من خلال آلية التنسيق الرباعي على المستويين السياسي والدبلوماسي، فضلا عن التعاون العسكري المتطور مع أنقرة وإسلام آباد. وفيما يتعلق بالسعودية وأمنها، لا تحتاج مصر إلى توقيع اتفاقية دفاعية جديدة تكون تركيا وباكستان طرفين فيها، لما قد يترتب عليها من استقطابات توحي بانحياز القاهرة إلى أنقرة وإسلام أباد على حساب علاقاتها مع اليونان وقبرص وأرمينيا والهند. وفي المقابل، توفر آليات التعاون الثنائي مع السعودية، إلى جانب معاهدة الدفاع العربي المشترك، إطارا كافيا لأي مساهمة عسكرية مصرية إذا دعت الحاجة إليها.
وتحتاج روسيا إلى اتخاذ خطوات جادة لتعزيز الثقة مع شريكتها السعودية، وبدء حوار واقعي يقوم على المصالح المتبادلة، بعيدا عن الطروحات المثالية التي لا تتناسب مع عالم مضطرب وظروف شديدة التعقيد في الشرق الأوسط. وينبغي أن ينطلق هذا الحوار من الحفاظ على الإنجاز التاريخي الذي حققه البلدان عبر إطار “أوبك بلس”، الذي أسهم في تنظيم تدفقات الطاقة والحفاظ على أسعار تراعي مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء.
كما يتعين بحث ما تستطيع روسيا تقديمه من حلول عملية وضمانات تساعد على حماية أمن السعودية من الهجمات الإيرانية المباشرة أو تلك التي قد ينفذها حلفاء طهران، ولا سيما جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن. ويتصل بذلك ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، الذي اكتسب أهمية متزايدة بوصفه ممرا بديلا لصادرات النفط السعودية والخليجية وواردات دول المنطقة، ولا سيما بعد اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ومن شأن تحرك روسي جاد في هذه الملفات أن يحافظ على مكتسبات العلاقة مع الرياض، ويمنع انتقال المخاوف السعودية من السياسات الإيرانية إلى أزمة ثقة أوسع مع موسكو.
المصدر: المجلس الروسي للشؤون الدولية (RIAC)
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير
المصدر الأصلي:
eurasiaar.org
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-09-01 03:19:00
كاتب المصدر:
أحمد دهشان
وقد يخضع النص للترجمة أو المعالجة التقنية اللازمة للعرض والنشر.