الجيش التركي في 2026.. أكثر من مليون عنصر وآلاف المنصات القتالية وصناعة دفاعية متطورة

مع 481 ألف جندي في الخدمة الفعلية، وأكثر من 2,280 دبابة، و1,100 طائرة ونحو 200 قطعة بحرية، بنت تركيا قوة عسكرية هائلة تدعمها صناعة دفاعية مزدهرة وترسانة متنامية من الأسلحة محلية الصنع

مع تصاعد التوترات بين إسرائيل وتركيا، ولا سيما في ظل التطورات والنشاط العسكري في سوريا خلال الأيام الأخيرة، يتزايد اهتمام المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بحجم القوة العسكرية التركية وقدراتها الفعلية. وفي تقرير له، طرح موقع Ynetnews الإسرائيلي سؤالًا مباشرًا: ما مدى قوة الجيش التركي؟ وتكشف الأرقام عن قوة عسكرية ضخمة، لكن حجمها الحقيقي لا يمكن اختزاله في أعداد الجنود والدبابات والطائرات وحدها.

وقال الموقع إن تركيا ليست مجرد عضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، بل هي قوة عسكرية إقليمية يمتد نفوذها من البحرين الأسود وإيجه، مرورًا بسوريا والعراق، وصولًا إلى القوقاز وشمال إفريقيا. وكان الناتو قد وصف تركيا، قبيل قمة الحلف في أنقرة في يوليو/تموز، بأنها صاحبة «ثاني أكبر جيش في الحلف» بعد الولايات المتحدة. كما أن موقعها بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إلى جانب سيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، يمنح هذه القوة أهمية استراتيجية أكبر.

ووفقًا لبيانات موقع “غلوبال فاير باور” (Global Firepower) لعام 2026، التي تستند جزئيًا إلى تقديرات، تمتلك تركيا نحو 481 ألف عسكري في الخدمة الفعلية، و380 ألفًا من قوات الاحتياط، إضافة إلى 150 ألفًا من أفراد القوات شبه العسكرية. ويبلغ مجموع الفئات الثلاث أكثر من مليون شخص. وبحسب عدد العسكريين في الخدمة الفعلية، تحتل تركيا المرتبة العاشرة عالميًا وفق المؤشر.

أكثر من 2,280 دبابة ونحو 100 ألف مركبة

تمثل القوات البرية العمود الفقري للجيش التركي. ووفقًا لـ«غلوبال فاير باور»، تضم ترسانة تركيا نحو 2,284 دبابة ونحو 98 ألف مركبة من مختلف الأنواع. وإلى جانب ذلك، تمتلك تركيا قوة مدفعية كبيرة تشمل أكثر من 1,000 منظومة مدفعية ذاتية الحركة، و635 مدفعًا مقطورًا، و237 راجمة صواريخ متعددة.

وتعكس هذه الأرقام تقديرات لحجم المخزونات، ولا تعني بالضرورة عدد المنظومات المتاحة للاستخدام العملياتي في أي وقت.

وتجمع المعدات التركية بين منظومات غربية قديمة وأجيال أحدث من المنصات المنتجة محليًا. فعلى مدى عقود، اعتمدت أنقرة بدرجة كبيرة على الأسلحة الأمريكية والأوروبية، لكنها استثمرت خلال السنوات الأخيرة مبالغ ضخمة في محاولة لتقليص هذا الاعتماد، بدءًا من الدبابات والمركبات المدرعة وصولًا إلى الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والإلكترونيات العسكرية والمنظومات غير المأهولة والطائرات المقاتلة والتدريب المتقدم.

والنتيجة هي قوة عسكرية لا تسعى إلى أن تكون كبيرة فحسب، بل إلى امتلاك القدرة على صيانة وتحديث نسبة متزايدة من منظوماتها محليًا.

أكثر من 1,100 طائرة وحلم F-35

الجيش التركي في 2026.. أكثر من مليون عنصر وآلاف المنصات القتالية وصناعة دفاعية متطورة
طائرة “قآن” الشبحية التركية. لقطة مأخوذة من فيديو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي

وفق تقديرات «غلوبال فاير باور»، يمتلك الجيش التركي نحو 1,101 طائرة، تشمل 201 مقاتلة، و84 طائرة نقل، و301 طائرة تدريب، و509 مروحيات، من بينها 111 مروحية هجومية. وهنا أيضًا، تمثل الأرقام إجمالي المخزون، وليس بالضرورة حجم القوة الجاهزة للعمليات الفعلية. ويقدر الموقع، على سبيل المثال، أن نحو 141 من أصل 201 مقاتلة ستكون متاحة ضمن سيناريو الجاهزية الذي يفترضه.

ولا تزال مقاتلات F-16 تمثل العمود الفقري لأسطول المقاتلات التركي، لكن أنقرة تسلك مسارين في الوقت نفسه: محاولة العودة إلى برنامج المقاتلة الأمريكية إف-35، الذي أُخرجت منه بعد شرائها منظومة إس-400 الروسية، وتطوير مقاتلتها المحلية “قآن” KAAN.

نفذت قآن أول رحلة لها عام 2024، وتعد أحد أبرز مشاريع صناعة الدفاع التركية. وتنظر إليها أنقرة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في خطتها لتقليص الاعتماد على المقاتلات الأجنبية، رغم أن المشروع المحلي لا يزال يعتمد على مكونات أمريكية، وعلى رأسها محركات شركة General Electric.

وفي الوقت نفسه، تواصل تركيا الضغط على واشنطن للعودة إلى برنامج F-35. وأبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال قمة الناتو في أنقرة، انفتاحًا على السماح ببيع الطائرة لتركيا، إلا أن الطريق لا يزال محفوفًا بعقبات قانونية وسياسية، من بينها قضية الإس-400. وتعارض إسرائيل هذه الخطوة بشدة خشية أن تؤدي إلى تقويض تفوقها العسكري النوعي في المنطقة، كما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو معارضته لها علنًا.

القوة التي غيرت ميدان المعركة: الطائرات المسيّرة

إذا كان هناك مجال واحد أصبحت فيه تركيا اسمًا عالميًا بسرعة، فهو الطائرات الجوية غير المأهولة. فقد حولت شركة “بايكار” Baykar التركية، المصنعة لعائلة طائرات “بيرقدار” Bayraktar، طائرة TB2 إلى واحدة من أشهر الطائرات المسيّرة في العالم بعد استخدامها في سلسلة من النزاعات، ثم طورت أنظمة أكثر تقدمًا، من بينها TB3.

ولم تعد الطائرات المسيّرة التركية مجرد أداة عملياتية، بل أصبحت أيضًا محركًا للصادرات وأداة دبلوماسية. وتسوق تركيا منظوماتها لعشرات الدول، وأصبحت في هذا المجال منافسًا مهمًا للصناعات الدفاعية الإسرائيلية في السوق العالمية.

ووفقًا لـ«رويترز»، بلغت صادرات الصناعات الدفاعية التركية نحو 10 مليارات دولار في عام 2025، أي ثلاثة أضعاف مستواها في عام 2021، فيما تسعى أنقرة الآن إلى توسيع حضورها بشكل أكبر في الأسواق الأوروبية والعالمية.

17 فرقاطة و14 غواصة وسفينة تحولت إلى حاملة للطائرات المسيّرة

TCG الأناضول

يمثل البحر أيضًا عنصرًا مركزيًا في استراتيجية تركيا لبسط قوتها. ووفقًا لـ«Global Firepower»، تضم البحرية التركية 192 قطعة بحرية، بينها 17 فرقاطة وتسع كورفيتات و14 غواصة.

وتشغل تركيا قواتها البحرية في ثلاثة مسارح رئيسية هي البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط، فيما يسمح موقعها الجغرافي بالسيطرة على الممر البحري الوحيد بين البحر الأسود والبحر المتوسط.

وتعد “الأناضول” TCG Anadolu إحدى أبرز منصات البحرية التركية، وهي سفينة هجومية برمائية متعددة المهام وأكبر سفينة في الأسطول التركي. وبعد إخراج تركيا من برنامج إف-35، طورت أنقرة، من بين أمور أخرى، مفهومًا يمكن بموجبه استخدام السفينة كقاعدة بحرية لتشغيل الطائرات غير المأهولة.

وخلال مناورة EFES-2026 التي أجريت في مايو/أيار، جرى تشغيل طائرة بيرقدار TB3 من على متن السفينة ضمن سيناريو قتالي. وفي وقت سابق، وخلال مناورة للناتو في بحر البلطيق، أقلعت TB3 بشكل ذاتي من السطح القصير للسفينة Anadolu ونفذت ضربات ضد أهداف بحرية.

ومن خلال ذلك، تسعى تركيا إلى تطوير نموذج جديد نسبيًا للقوة البحرية: سفينة كبيرة توسع نطاق عملياتها من خلال مجموعة من الطائرات المسيّرة المسلحة.

4,500 شركة وأكثر من 1,400 مشروع

أحد أعمق التغيرات في ميزان القوة التركي لا يتعلق بعدد الجنود أو الدبابات، وإنما بالمصانع التي تقف وراءها. فعلى مدى سنوات، كانت تركيا من كبار مستوردي أنظمة الأسلحة الأجنبية. أما اليوم، فهي تسعى إلى التحول إلى دولة مصنعة ومصدرة بقدراتها الخاصة.

ووفقًا لبيانات نشرتها وكالة «الأناضول» هذا الشهر، تعمل في تركيا حاليًا أكثر من 4,500 شركة في قطاع الصناعات الدفاعية، مقارنة بـ56 شركة فقط في عام 2002، فيما تجاوز عدد المشاريع الدفاعية 1,400 مشروع.

ووفق البيانات نفسها، ارتفعت حصة المكونات والأنظمة المنتجة محليًا من نحو 20% قبل عقدين إلى أكثر من 85% اليوم.

وتتمتع هذه القدرة بأهمية استراتيجية كبيرة؛ إذ أصبحت تركيا قادرة على إنتاج حصة متزايدة من الطائرات المسيّرة والصواريخ والمركبات المدرعة والسفن الحربية والأنظمة الإلكترونية التي تستخدمها محليًا، مع تحقيق عائدات وتعزيز نفوذها السياسي من خلال تصديرها إلى الخارج.

القانون

كم تنفق تركيا على الدفاع؟

ارتفع الإنفاق الدفاعي التركي بشكل حاد، رغم أن تقدير حجمه يختلف بصورة كبيرة تبعًا للتعريف والمصدر.

وفي تقرير للناتو حول الإنفاق الدفاعي لعام 2025، قُدرت النفقات التركية بنحو 32.6 مليار دولار وفق أسعار وأسعار صرف ذلك العام، مقارنة بنحو 28.3 مليار دولار في عام 2024. وقدر الناتو أن الإنفاق يعادل نحو 2.33% من الناتج المحلي الإجمالي. وأشار التقرير إلى أن أرقام عامي 2024 و2025 تقديرية.

وتضع تقديرات أخرى الإنفاق الدفاعي التركي عند مستويات أعلى. فعلى سبيل المثال، يقدر «Global Firepower» الإنفاق لعام 2026 بنحو 51.4 مليار دولار.

الكتلة البشرية والجغرافيا والخبرة والصناعة

إذًا، ما الذي يجعل الجيش التركي قويًا بشكل خاص؟

أولًا وقبل كل شيء، الكتلة البشرية. فهناك مئات الآلاف من الجنود، ومئات الآلاف من قوات الاحتياط، وآلاف المركبات المدرعة، إلى جانب القدرة على حشد القوى البشرية على نطاق لا تستطيع سوى قلة من دول المنطقة الاقتراب منه.

الميزة الثانية هي الجغرافيا. فتركيا تقع عند ملتقى أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل. كما أنها تشترك في حدود مع سوريا والعراق وإيران وجورجيا وبلغاريا، وتقع على مسافة قريبة من مناطق القوقاز والبلقان وشرق البحر المتوسط.

أما الميزة الثالثة فهي الخبرة العملياتية. فقد أمضى الجيش التركي سنوات في قتال حزب العمال الكردستاني، ونفذ سلسلة من العمليات خارج حدود البلاد، ويحافظ على قوات وينفذ عمليات في شمال سوريا والعراق، كما شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسارح أخرى.

الميزة الرابعة هي الصناعة الدفاعية. فعلى خلاف قوة عسكرية كبيرة تعتمد بصورة كاملة على الإمدادات الخارجية، أصبحت تركيا قادرة على إنتاج حصة متزايدة من أنظمة أسلحتها محليًا. وهذا لا يلغي اعتمادها على التكنولوجيا الأجنبية في بعض المجالات، لكنه يمنح أنقرة حرية أكبر بكثير في العمل مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

أما الميزة الخامسة فهي عضوية الناتو. فقد انضمت تركيا إلى الحلف عام 1952، وتستضيف مقر قيادة القوات البرية المتحالفة التابعة للناتو في إزمير، وتعد عنصرًا رئيسيًا في الجناح الجنوبي للحلف. وتوفر العضوية لتركيا التدريب المشترك والمعايير العسكرية الموحدة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون مع بعض أكثر الجيوش تقدمًا في العالم.

تركيا في عام 2026 ليست مجرد «قوة عسكرية كبيرة»، بل قوة عسكرية إقليمية تمتلك قوة بشرية ضخمة، وآلاف المنصات القتالية، وقدرات جوية وبحرية كبيرة، وريادة عالمية في مجال الطائرات المسيّرة، وصناعة دفاعية سريعة النمو.

ومع تزايد التوتر في العلاقات مع إسرائيل واتساع النفوذ التركي في سوريا، تتحول هذه القوة بالنسبة إلى تل أبيب من مجرد أرقام نظرية إلى عامل استراتيجي يصعب تجاهله بشكل متزايد.

/* Shares”}};
/* ))> */

المصدر: www.defense-arabic.com

Exit mobile version