من بيروت، نقرأ العالم
الدفاع والامن

لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟

موقع الدفاع العربي – 27 سبتمبر 2026: بدت مسيرة المقاتلة الصينية J-10CE خلال العامين الأخيرين لافتة للنظر. فمنذ تحقيقها أول انتصار جوي معلن في قتال فعلي خلال مايو 2025، ارتفع الاهتمام الدولي بها بشكل واضح، وأصبحت من الطائرات التي تحظى بمتابعة متزايدة في سوق المقاتلات العالمية.

وأظهرت تقارير إعلامية صينية رسمية أن J-10CE حققت نتائج قتالية خارج الصين، إلى جانب امتلاكها رادارًا من نوع AESA، وقدرات للاشتباك مع أهداف متعددة خارج مدى الرؤية، فضلًا عن قدرات معتبرة في الحرب الإلكترونية. وبالنظر إلى هذه المعطيات، قد يبدو منطقيًا للوهلة الأولى أن يؤدي النجاح العملياتي مباشرة إلى تدفق طلبات الشراء.

لكن سوق المقاتلات الحربية لا يعمل بهذه البساطة.

خلال الفترة الأخيرة، تكررت تقارير تتحدث عن أن عدة دول كانت مهتمة بشراء المقاتلة الصينية J-10 ثم قررت التراجع عن الصفقة. لكن بعض الحالات التي وُصفت بأنها «صفقات ملغاة» لم تكن قد وصلت أصلًا إلى مرحلة التعاقد الرسمي، بل بقيت في إطار التقييم أو المشاورات أو المفاوضات الأولية.

فبعض الدول كانت تجري تقييمًا أوليًا، وبعضها دخل في مفاوضات أو محادثات، بينما استندت حالات أخرى إلى تقارير إعلامية أو تسريبات غير مؤكدة. وبالتالي، فإن جمع كل هذه الحالات تحت عنوان «إلغاء شراء J-10» يعطي صورة أكثر دراماتيكية من الواقع.

وتُعد إندونيسيا واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك.

في يونيو 2025، أعلنت إندونيسيا أنها تدرس إمكانية اقتناء المقاتلة الصينية J-10، مع التركيز على مجموعة من العوامل، بينها الأداء والسعر ومدى التوافق مع المعدات الموجودة لديها، إضافة إلى خدمات ما بعد البيع وشروط التعاقد.

وفي أكتوبر من العام نفسه، وخلال مؤتمر صحفي لوزارة الدفاع الإندونيسية، سُئل الجانب الصيني عن تقارير تحدثت عن تأكيد وزير الدفاع الإندونيسي شراء J-10. إلا أن الجانب الصيني اكتفى برد حذر، دون الكشف عن أي عقد رسمي أو عدد محدد من المقاتلات.

في المقابل، توجد صفقة إندونيسية مؤكدة مع فرنسا، إذ وقعت جاكرتا في عام 2022 عقدًا لشراء 42 مقاتلة رافال، قبل أن تصل الدفعة الأولى المكونة من 6 مقاتلات في مايو 2026.

لكن وصول هذه الطائرات لا يعني تلقائيًا أن مشروع J-10 الصيني أُلغي. فالصفقة الفرنسية تعود إلى عام 2022، أي قبل سنوات من الجدل الحالي حول احتمال حصول إندونيسيا على J-10.

والأهم من ذلك أن شراء إندونيسيا معدات غربية لم يؤدِ إلى توقف التعاون الدفاعي مع الصين. ففي أغسطس 2026 عقد البلدان الدورة الثانية من آلية الحوار الوزاري «2+2» بين وزيري الخارجية والدفاع، وأكد الجانب الصيني لاحقًا استمرار العمل على تطوير التعاون في مجالات المعدات والتقنيات الدفاعية، والتدريبات والمناورات المشتركة، وتدريب الأفراد والأمن البحري.

وهنا تظهر إحدى الحقائق الأساسية في سوق السلاح الحديث: الدولة لا تشتري طائرة مقاتلة فقط، وإنما تشتري منظومة كاملة تمتد لعقود.

فخلف المقاتلة توجد الصواريخ والذخائر، وقطع الغيار، ومعدات الفحص الأرضي، وأجهزة المحاكاة، وتدريب الطيارين، وتأهيل فرق الصيانة، والبنية التحتية للقواعد الجوية، وشبكات البيانات، وأنظمة القيادة والسيطرة.

كلما أضاف سلاح الجو نوعًا جديدًا من المقاتلات، فإنه لا يضيف طائرة إلى المخزون فحسب، بل يضيف منظومة لوجستية وتشغيلية جديدة يجب الحفاظ عليها لسنوات طويلة.

ولهذا فإن امتلاك مقاتلة ذات أداء جيد وسعر تنافسي لا يعني بالضرورة أن الدولة ستتخذ قرار الشراء فورًا.

فإذا كانت دولة ما تعتمد منذ عقود على منظومات غربية، فإن إدخال مقاتلة من منظومة تسليح مختلفة قد يعني إعادة بناء جزء من منظومة التدريب والصيانة والتسليح والاتصالات والدعم الفني. الأمر لا يتعلق بتغيير الطائرة وحدها، بل قد يتطلب تغيير الكثير من العناصر المرتبطة بها.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل عامل التوافق اللوجستي مؤثرًا جدًا في صفقات الطائرات المقاتلة.

كما أن صفقات الطائرات العسكرية تمتد زمنيًا لسنوات. فالعقد قد يُوقع في عام، وتبدأ عملية الإنتاج لاحقًا، ثم تتم عمليات التسليم على دفعات. ولذلك فإن ظهور مقاتلة من دولة معينة في قاعدة جوية عام 2026 لا يعني بالضرورة أن قرار شرائها اتُخذ بعد تقييم طائرة منافسة في 2025 أو 2026.

وصفقة رافال الإندونيسية مثال واضح على ذلك؛ فالعقد وُقع في 2022، بينما وصلت أولى الطائرات في 2026. وبالتالي فإن مقارنة وصولها الحالي بمباحثات J-10 اللاحقة قد تقود إلى استنتاج خاطئ بشأن التسلسل الزمني للقرارات.

طائرات مقاتلة من طراز J-10 تابعة للقوات الجوية الصينية تقلع تباعا خلال تدريب جوي ليلي ونهاري. (eng.chinamil.com.cn/تصوير: Shang Jieyan)

والأمر نفسه ينطبق على حالات أخرى، ومنها مصر.

ففي بداية عام 2025 ظهرت تقارير ادعت أن مصر تسلمت بالفعل مقاتلات J-10CE الصينية. لكن وزارة الدفاع الصينية نفت هذه المعلومات بوضوح، ووصفت التقرير بأنه غير صحيح.

وفي يوليو 2025، وعندما سُئلت وزارة الدفاع الصينية عن تقارير تتحدث عن تفاوض بعض الدول مع الصين لشراء J-10 ومعدات أخرى، اكتفى الجانب الصيني بالإشارة إلى استعداد الصين لمشاركة نتائج تطوير معداتها العسكرية مع الدول الصديقة، مع التأكيد على أن صادرات الأسلحة الصينية تتم بصورة حذرة ومسؤولة، من دون الكشف عن أسماء الدول أو تفاصيل العقود.

لذلك، لا يمكن اعتبار عدم الإعلان عن صفقة دليلًا على فشل الطائرة في السوق.

سوق السلاح، وخصوصًا سوق المقاتلات المتقدمة، يرتبط بدرجة كبيرة بالسرية والمفاوضات الطويلة. وحتى عندما تكون الدولة مهتمة فعليًا بطائرة معينة، قد تستغرق المفاوضات سنوات قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.

كما أن سعر الطائرة ليس سوى عنصر واحد في عملية اتخاذ القرار.

فالمفاوضات قد تشمل ترتيبات التمويل، ونقل التكنولوجيا، ونسبة التصنيع المحلي، وحقوق الصيانة والإصلاح، وتوفير قطع الغيار، وتكاليف الدعم والتشغيل على مدى سنوات طويلة.

وفوق كل ذلك توجد الاعتبارات السياسية والاستراتيجية للدولة المشترية.

فبعض الدول، خصوصًا الدول المتوسطة والصغيرة، لا ترغب في الاعتماد الكامل على مورد واحد. وقد تختار توزيع مصادر التسليح بين فرنسا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ودول أخرى، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة التعقيد اللوجستي.

هذا التنويع قد لا يكون الخيار الأقل تكلفة بالضرورة، لكنه يمنح الدولة مرونة أكبر في التعامل مع الموردين ويقلل من مخاطر الاعتماد الكامل على مصدر واحد، كما يسمح لها بالحفاظ على علاقات دفاعية مع عدة قوى دولية.

ومن العوامل التي تفسر ذلك أيضًا رسوخ المنظومات الغربية وتراكم الخبرة عليها، وهو ما يمنحها أفضلية مؤسسية ولوجستية في سوق المقاتلات العالمية.

فالدولة التي تستخدم طائرات غربية منذ عقود تكون قد بنت حولها منظومة كاملة من التدريب والصيانة والذخائر والبنية التحتية. وعندما تفكر في الانتقال إلى مورد جديد، فإنها لا تقارن فقط بين مدى الرادار وسرعة الطائرة وقدرات الصواريخ، وإنما تحسب أيضًا تكلفة إعادة بناء جزء من منظومتها التشغيلية.

كلما كان النظام القائم أكثر رسوخًا، أصبح الانتقال إلى نظام جديد أكثر تعقيدًا.

لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟
رافال ضد J-10C

وفي المقابل، فإن إرجاع جميع المفاوضات التي لم تنتهِ إلى عقود رسمية إلى ضغوط أمريكية يبقى استنتاجًا يحتاج إلى أدلة موثوقة ومحددة لكل حالة، إذ قد تتداخل عوامل أخرى مثل الاعتبارات المالية والتشغيلية والسياسية واحتياجات القوات الجوية للدولة المعنية.

صحيح أن العلاقات بين القوى الكبرى تؤثر في تجارة السلاح، وأن صفقات المقاتلات المتقدمة ترتبط بالضرورة بحسابات أمنية وسياسية واسعة، لكن دوافع كل دولة تختلف بحسب ميزانيتها واحتياجاتها العسكرية وعلاقاتها الخارجية ومنظومة الأسلحة التي تمتلكها أصلًا.

لذلك، عندما لا تتوافر أدلة موثوقة ومعلنة بشأن صفقة محددة، فمن الصعب الجزم بأن دولة ما تراجعت عن شراء J-10 بسبب ضغوط خارجية بعينها.

المسألة الأساسية التي تواجه J-10CE اليوم لا تتمثل فقط في إثبات قدرتها على القتال، وإنما في إثبات قدرة الصين على تقديم منظومة متكاملة ومستدامة للمستخدم الأجنبي، تبدأ بالمقاتلة والذخائر ولا تنتهي عند التدريب والصيانة والدعم الفني.

وهذه النقطة ربما تكون أهم من أي عرض جوي أو حتى أي نتيجة قتالية منفردة.

وتقدم باكستان مثالًا مهمًا على أهمية ما يمكن تسميته «الثقة بالمنظومة». فقد تمكنت باكستان من إدخال J-10CE إلى الخدمة والاستفادة من قدراتها في فترة زمنية أقصر نسبيًا، وهو أمر يرتبط أيضًا بوجود تاريخ طويل من التعاون الدفاعي بين البلدين وتراكم الخبرات في مجالات التدريب والأفراد والمعدات.

لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟
J-10CE باكستانية تحمل «علامة رافال» بعد معركة مايو 2025

أما بالنسبة إلى دولة لم تستخدم المقاتلات الصينية على نطاق واسع من قبل، فإن عملية إدخال طائرة جديدة إلى الخدمة تكون بطبيعتها أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى وقت أطول.

وفي الوقت نفسه، أعلنت شخصيات ومسؤولون باكستانيون بالفعل عن التعاقد على المقاتلة الصينية الشبحية J-35، ما يجعل الحديث عن الصفقة يتجاوز مجرد التكهنات الإعلامية. ومع ذلك، تبقى بعض التفاصيل المتداولة حول العقد، ولا سيما العدد النهائي للطائرات وجدول التسليم ومواصفات النسخة المتعاقد عليها، بحاجة إلى التمييز بين ما أكدته الجهات الباكستانية رسميًا وما أوردته التقارير الإعلامية.

وفي سبتمبر 2026، واصلت الصين في المقابل توسيع حضورها في المعارض الجوية الدولية.

فخلال النسخة الثانية من المعرض الجوي المصري “نسور الحضارة 2026″، الذي أقيم بين منتصف أغسطس وحتى أوائل سبتمبر 2026، شاركت القوات الجوية الصينية لأول مرة خارج البلاد بعرض مجموعة تضم طائرة الإنذار المبكر والسيطرة KJ-500، والمقاتلة J-16، وطائرة التزود بالوقود YY-20A، والمروحية Z-20K.

وكان اللافت أن العرض لم يركز على مقاتلة واحدة، بل قدم مجموعة من المنصات التي تغطي وظائف مختلفة، من الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، إلى القتال الجوي والتزود بالوقود والبحث والإنقاذ.

وهذا التطور يستحق الاهتمام أكثر من مجرد سؤال «كم مقاتلة J-10 باعتها الصين؟».

ففي السابق كان تقييم صادرات الطائرات الصينية يركز غالبًا على سعر الطائرة ومواصفاتها الفنية مقارنة بالمنافسين. أما عرض منظومات الإنذار المبكر والمقاتلات وطائرات التزود بالوقود والمروحيات فيشير إلى محاولة تقديم صورة أوسع عن قدرة الصين على توفير منظومة جوية متكاملة وليس مجرد منصة قتالية منفردة.

وهذه نقطة مهمة جدًا في سوق التصدير؛ لأن الدولة التي تشتري مقاتلة حديثة تحتاج في النهاية إلى منظومة كاملة تستطيع تشغيلها وإدامتها لعقود.

لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟لماذا لا تتحول كل الاهتمامات الدولية بالمقاتلة الصينية J-10CE إلى صفقات شراء؟
مقاتلة J-16 الصينية في تمرين «نسور الحضارة 2026».

كما أن صادرات المعدات العسكرية الصينية نفسها تخضع لمبادئ وضوابط رسمية. فقد أكدت السياسة الصينية المعلنة بشأن صادرات الأسلحة أن هذه الصادرات ينبغي أن تساعد الدول المستقبلة على تعزيز قدراتها المشروعة في الدفاع عن النفس، وألا تضر بالسلام والأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وألا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقبلة، مع تطبيق إجراءات تتعلق بالمستخدم النهائي والاستخدام النهائي للأسلحة.

وبالتالي، فإن سوق تصدير السلاح الصيني ليس ببساطة عملية عرض منتج في معرض وانتظار توقيع العقود.

وعند تفكيك السؤال القائل: «لماذا تخلت دول عديدة عن شراء J-10؟»، يتضح أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير.

فبعض الدول كانت تدرس الطائرة فقط، وبعضها دخل في محادثات، وبعض الأخبار ثبت عدم صحتها، وبعض الدول تتبع أصلًا سياسة تنويع مصادر التسليح. ولهذا فإن وصف هذه الحالات جميعًا بأنها «تخلٍّ جماعي عن J-10» يبالغ في تبسيط المشهد.

التحدي الحقيقي أمام J-10CE بعد النجاحات القتالية التي حققتها لا يتمثل فقط في إقناع الدول بأن الطائرة قادرة على القتال، وإنما في إقناعها بأن الصين تستطيع توفير الدعم اللوجستي، ودمج المنظومات، والتدريب، وقطع الغيار، والصيانة، والتحديثات، والخدمة طويلة الأمد.

فالنجاح القتالي يمكن أن يلفت أنظار المشترين، لكنه لا يكفي وحده لبناء سوق تصدير مستدام.

وخلال عام 2025، ساهم الأداء العملياتي للمقاتلة في رفع مستوى الاهتمام الدولي بها، بينما واصل عام 2026 تعزيز حضور الطيران العسكري الصيني في المعارض والتعاون الدفاعي الدولي.

أما عدد الدول التي ستحول هذا الاهتمام إلى عقود فعلية، فلن تحسمه عناوين الأخبار خلال أسابيع أو أشهر، وإنما ستحدده السنوات المقبلة من خلال العقود المعلنة، والطائرات التي سيتم تسليمها، ومدى نجاح المستخدمين الأجانب في تشغيلها، ومستوى الدعم الذي ستقدمه الصين لهم.

وبالتالي، فإن J-10CE لا تواجه بالضرورة مشكلة تتمثل في «عدم وجود مشترين»، بقدر ما تدخل مرحلة أكثر صعوبة في مسيرتها التصديرية: تحويل الاهتمام الدولي والنجاحات العملياتية إلى ثقة طويلة الأمد في المنظومة الصينية بأكملها.

فالانتصار في معركة جوية يمكن أن يغير صورة مقاتلة في نظر العالم خلال ساعات، لكن تغيير موقع طائرة مقاتلة داخل سوق دولي تهيمن عليه منظومات غربية متجذرة منذ عقود يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير من انتصار واحد: يحتاج إلى عقود، وتسليمات منتظمة، ودعم لوجستي موثوق، وتجربة تشغيلية ناجحة، وثقة تستمر لعشرات السنين.