لم يعد ظنا.. العصر الصيني قد يكون قبل نهاية عهد ترمب | سياسة

يترقب دونالد ترمب زيارة شي جين بينغ في 23 سبتمبر/­أيلول الجاري. وتتأرجح العلاقات بين زعيمي أقوى دولتين في العالم كتيار متردد، بين تصريحات تتسم بروح الصداقة الخالصة، أو العداوة الشديدة.

ومرد هذه التقلبات، في المقام الأول، إلى الرئيس الأمريكي الذي ينتقل بسلاسة وسرعة فائقة من نقيض إلى آخر، في حين يتجنب نظيره الصيني إطلاق أي تصريحات غير متزنة، أو تبدو متهورة.

وقد أعلن دونالد ترمب حربا اقتصادية شاملة على إيران، متوعدا الدول التي تواصل تجارتها مع طهران بعقوبات من شأنها تقويض استمرار علاقاتها الاقتصادية.

لكن المعضلة بالنسبة له تكمن في أن الصين الشريك الاقتصادي الأكبر للجمهورية الإسلامية، مما يصعّب تصور خضوع بكين لإملاءات واشنطن.

ويُعزى ذلك، في المقام الأول، إلى حاجة الصين الماسة للنفط الإيراني، فضلا عن عدم رغبتها في تحول إيران إلى فنزويلا أخرى؛ إذ سيشكل انهيار النظام الإيراني، وما قد يعقبه من هيمنة أمريكية، ضربة مؤلمة للصين.

وثانيا، ستتلقى مصداقيتها الدبلوماسية ضربة قاصمة أمام العالم بأسره إن هي أذعنت لأوامر الولايات المتحدة. فالمسألة هنا ترتبط بالهيبة والمكانة؛ إذ لا يسع الصين أن تظهر بمظهر الخاضع لإكراه دولة أخرى. كما تجدر الإشارة إلى تعارض هذه التدابير مع القانون الدولي الذي تدافع عنه الصين رسميا.

وأخيرا، لئن كانت الصين غير ديمقراطية، إلا أنها تزخر برأي عام بالغ الحساسية تجاه كل ما يمس الكرامة الوطنية، ولن يتقبل البتة مثل هذه التنازلات. فالاعتزاز بالقومية الصينية يمثل، في واقع الأمر، ركيزة أساسية لترسيخ هيمنة الحزب الشيوعي على المجتمع.

لذا فقد لوّح الرئيس الأمريكي بتهديد لا طاقة له بتنفيذه؛ إذ يصعب تصور انخراطه في حرب تجارية قبل أيام معدودة من زيارة الرئيس الصيني الرافض بشدة هذه الحرب.

ستتيح زيارة شي جين بينغ المرتقبة لدونالد ترمب التباهي بنجاح ملموس أمام الناخبين الأمريكيين، في وقت يفتقر فيه للإنجازات الإيجابية ويواجه شبح فقدان أغلبيته في الكونغرس

علاوة على ذلك، قد يثير توقيت هذه الزيارة بعض التساؤلات. فمن المؤكد أن شي جين بينغ يرد التحية لدونالد ترمب الذي زار بكين في مايو/­أيار 2026، بيد أن الفترة الفاصلة بين هذا النوع من الزيارات المتبادلة عادة ما تكون أطول من ذلك بكثير.

فضلا عن ذلك، كانت سانحة أخرى ستتاح للرئيس الصيني لزيارة الولايات المتحدة لحضور قمة مجموعة العشرين المزمع عقدها في فلوريدا في ديسمبر/­كانون الأول 2026­­؛ حيث كان بإمكانه استغلال هذه القمة الدولية لتمديد إقامته وعقد لقاء ثنائي مع ترمب.

وهو، باختياره إجراء هذه الزيارة في سبتمبر/­أيلول، يضع شي جين بينغ نفسه أمام خيارين: إما القيام برحلة ثانية إلى الولايات المتحدة في غضون فترة وجيزة، أو التغيب عن قمة مجموعة العشرين، وهو ما من شأنه توجيه إشارة دبلوماسية سلبية.

فلماذا وقع الاختيار على هذا الموعد إذن؟

ببساطة، لتقديم هدية لدونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في أوائل نوفمبر/­تشرين الثاني.

ومن المتوقع الإعلان عن إبرام اتفاقيات اقتصادية تشمل مشتريات صينية ضخمة من الولايات المتحدة؛ سعيا لتقليص العجز التجاري الأمريكي الهائل الذي يبلغ 1200 مليار دولار، تستحوذ الصين على 200 مليار منها.

ومن المرجح أن تحظى شركة بوينغ المتعثرة بنصيبها من الطلبات، شأنها شأن المزارعين الأمريكيين الذين يكابدون أزمة اقتصادية حادة.

وكان غياب العقود الكبرى خلال زيارة ترمب للصين في مايو/­أيار، قد أثار استغراب المراقبين، غير أن ذلك يُعزى إلى عدم جدوى توقيعها قبل حلول الصيف، إذ كان الناخبون الأمريكيون سينسون أمرها بحلول موعد الاقتراع.

وعليه، ستتيح زيارة شي جين بينغ المرتقبة لدونالد ترمب التباهي بنجاح ملموس أمام الناخبين الأمريكيين، في وقت يفتقر فيه للإنجازات الإيجابية ويواجه شبح فقدان أغلبيته في الكونغرس.

وبعد فك طلاسم لغز اختيار التاريخ، يبرز لغز آخر: لماذا يسدي شي جين بينغ هذا الصنيع لدونالد ترمب؟ ولماذا يمد يد العون لمنافسه الرئيسي؟

يُرجح أن الأمر يعود إلى شعوره بنوع من الرضا إزاء تصرفات الرئيس الأمريكي. فالرئيس الصيني يراقب، بقدر من السعادة، نظيره وهو يغوص في مستنقع الحرب ضد إيران، مظهرا عجزه أمام العالم أجمع.

يتحين القادة الصينيون فرصتهم بصبر، وهم يراقبون دونالد ترمب يهين رؤساء الدول الأخرى، بمن في ذلك الحلفاء، بصورة كاريكاتيرية؛ ليقينهم بأن هذا النهج من شأنه أن يسرّع من وتيرة لحاق الصين بالركب الأمريكي

كما أن الحرب التجارية التي شُنت على كندا، رغم كونها حليفا تاريخيا، قد قربت المسافات بين أوتاوا وبكين. وتؤدي حدة دونالد ترمب إلى تنفير العديد من الدول وإبعادها عن الولايات المتحدة، لا سيما أن هذه الفظاظة أثبتت عقمها في تحقيق الأهداف المرجوة منها. لذلك، يرى شي جين بينغ أن دونالد ترمب يخدم مصالحه؛ فالأخير، وعلى النقيض من تصريحاته، يساهم في إضعاف الولايات المتحدة أكثر مما يسهم في استعادة أمجادها.

ومع ذلك، يظل التحدي الأهم بالنسبة للصين كامنا في الموقف الغامض الذي يتبناه دونالد ترمب بشأن تايوان.

إذ يُعد مصير هذه الجزيرة مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لبكين، وهو ما حرص شي جين بينغ على التذكير به قبيل القمة التي جمعته بدونالد ترمب في مايو/­أيار.

وكان الرئيس الأمريكي قد أشار، على متن رحلة عودته من تلك الزيارة، إلى أنه لا ينبغي لتايوان أن تعلن استقلالها لكونها تبعد 9500 ميل عن الولايات المتحدة، ولأن هذه الأخيرة ستواجه صعوبة بالغة في الهبة لنجدتها؛ بسبب تلك المسافة الشاسعة.

ولم يسبق لأي رئيس أمريكي أن نأى بنفسه عن تايوان إلى هذا الحد. ويُذكر أن جو بايدن، حين سُئل في مناسبتين، كان قد صرّح بأن الولايات المتحدة ستبادر إلى إنقاذ تايوان إذا تعرضت لهجوم صيني، متجاوزا بذلك الموقف الرسمي والتقليدي لبلاده.

ويُظهر استحضار دونالد ترمب للمسافة التي تفصل الولايات المتحدة عن تايوان، والبالغة 9500 ميل، أن هذا التصريح ربما كان معدا سلفا منذ فترة طويلة. بل ويساورنا الشك، في الواقع، في امتلاكه إلماما جغرافيا كافيا يخوله معرفة المسافة التي تفصل بلاده عن الجزيرة عن ظهر قلب.

وهكذا، يتحين القادة الصينيون فرصتهم بصبر، وهم يراقبون دونالد ترمب يهين رؤساء الدول الأخرى، بمن في ذلك الحلفاء، بصورة كاريكاتيرية؛ ليقينهم بأن هذا النهج من شأنه أن يسرّع من وتيرة لحاق الصين بالركب الأمريكي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر الأصلي: www.aljazeera.net — للاطلاع على المادة الأصلية.

Exit mobile version