
موقع الدفاع العربي – 7 سبتمبر 2026: في ظل التحول المتسارع في طبيعة القوة الجوية بالشرق الأوسط، تبدو مسألة امتلاك مصر لمقاتلة من الجيل الخامس أكثر ارتباطًا بحسابات التوازن الإقليمي من كونها مجرد خطوة لتحديث أسطول القوات الجوية. فمع استمرار إسرائيل في توسيع قدراتها عبر مقاتلات F-35I «أدير»، تجد القاهرة نفسها أمام واقع جديد تزداد فيه أهمية الطائرات منخفضة البصمة الرادارية، والاستشعار المتقدم، والقدرة على تنفيذ العمليات في بيئات جوية شديدة التعقيد.
وتشغل إسرائيل حاليًا نحو 50 مقاتلة F-35I ضمن سربين، فيما بدأت في استلام دفعة إضافية من 25 طائرة، كما تتجه خططها إلى التوسع بصورة أكبر، وهو ما قد يرفع إجمالي أسطولها المستقبلي إلى نحو 100 مقاتلة من هذا النوع.
هذه المعطيات تمنح ملف المقاتلة الشبحية أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، خصوصًا أن التفوق الجوي لم يعد يعتمد فقط على عدد الطائرات أو مدى الصواريخ، وإنما على القدرة على اكتشاف الخصم قبل أن يكتشفك، وإدارة المعركة من مسافات بعيدة، واختراق شبكات الدفاع الجوي، ودمج البيانات من مصادر متعددة.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المصري المحتمل بخيارات الجيل الخامس من خارج الولايات المتحدة. فالقاهرة لا تملك حاليًا مقاتلة شبحية في الخدمة الفعلية، بينما تبدو إمكانية الحصول على إف-35 الأمريكية معقدة للغاية في ظل السياسة الأمريكية المتعلقة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي في المنطقة.
وبالتالي، يبرز الخياران الروسي والصيني باعتبارهما المسارين الأكثر واقعية نظريًا إذا قررت مصر الانتقال إلى مرحلة امتلاك مقاتلة شبحية.
سوخوي-57.. الخيار الروسي
على الجانب الروسي، تمثل “سوخوي سو-57 إي” Su-57E أبرز مقاتلة يمكن أن تدخل حسابات القاهرة. فالمقاتلة صممت لتجمع بين خفض البصمة الرادارية والسرعة العالية والقدرة على المناورة، إلى جانب حمل مجموعة متنوعة من الأسلحة جو-جو وجو-أرض.
لكن الطريق الروسي لا يخلو من تحديات. فبرنامج سو-57 لا يزال محدودًا مقارنة بالبرامج الغربية، كما أن الإنتاج والتسليم والعقوبات الدولية تمثل عوامل يجب على أي مشترٍ محتمل وضعها في الاعتبار.
كما أن التجربة المصرية السابقة مع المقاتلات الروسية تجعل القاهرة أكثر دراية بمزايا وقيود هذا المسار. فقد دخلت مصر خلال السنوات الماضية في صفقات كبيرة مع موسكو شملت مقاتلات ومنظومات دفاع جوي، لكنها في الوقت ذاته واجهت ضغوطًا أمريكية كبيرة بسبب بعض تلك الخيارات، وهو عامل قد يكون حاضرًا بقوة عند دراسة أي صفقة مستقبلية لمقاتلة شبحية روسية.
واللافت أن روسيا تسعى بالفعل إلى توسيع سوق “سو-57 إي” التصديرية، فيما أصبحت الجزائر أول دولة يُعلن عمليًا عن تشغيلها للمقاتلة الروسية الشبحية خارج روسيا، ما يثبت أن تصدير هذا النوع من الطائرات لم يعد مجرد مشروع نظري.
ومن المقرر أن تحظى المقاتلة الروسية الشبحية «سو-57 إي» بحضور بارز في معرض العلمين الدولي للطيران 2026 في مصر، حيث تستعد روسيا لعرض النسخة التصديرية من مقاتلتها من الجيل الخامس أمام الوفود والزوار. ويكتسب ظهور الطائرة في مصر أهمية خاصة في ظل الحديث عن اهتمام القاهرة بامتلاك مقاتلة شبحية مستقبلًا، بالتزامن مع التوسع الإسرائيلي في تشغيل مقاتلات F-35I، ما يجعل عرض سو-57 إي فرصة أمام الجانب المصري للتعرف بصورة مباشرة على قدراتها ومقارنتها بالخيارات الأخرى، ولا سيما المقاتلات الصينية الشبحية.
الصين.. البديل الأكثر إثارة
لكن الخيار الصيني قد يكون أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى القاهرة، خصوصًا مع التطور السريع للعلاقات العسكرية بين مصر وبكين.
فخلال الفترة الأخيرة، انتقلت العلاقات الدفاعية المصرية الصينية من مرحلة التعاون المحدود إلى مستوى أكثر وضوحًا، كان من أبرز مظاهره المناورات الجوية المشتركة وظهور مقاتلات صينية متقدمة في مصر. وفي أحدث تدريبات «نسور الحضارة 2026»، شاركت مقاتلات J-16 الصينية إلى جانب مقاتلات رافال المصرية، في مؤشر على اتساع مستوى التعاون العملياتي بين القوات الجوية في البلدين.
وهنا تبرز J-35A باعتبارها إحدى أكثر الطائرات الصينية ارتباطًا بالحديث عن احتياجات مصر المستقبلية. فهذه المقاتلة تنتمي إلى فئة الطائرات الشبحية، وتمثل محاولة صينية لتقديم منصة حديثة قادرة على تنفيذ مهام التفوق الجوي والهجوم مع تقليل احتمالات اكتشافها بواسطة الرادارات.
وقد ظهرت بالفعل تقارير إعلامية خلال السنوات الماضية تتحدث عن اهتمام مصري محتمل بـJ-35، إلا أن هذه التقارير لا تعني وجود عقد نهائي معلن.
والأهم من المقاتلة نفسها هو أن القاهرة وبكين تبنيان تدريجيًا بيئة تعاون عسكري يمكن أن تجعل خيارًا صينيًا أكثر قابلية للنقاش مستقبلًا. فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في سبتمبر 2026 جاءت في وقت تشهد فيه العلاقات العسكرية بين البلدين توسعًا واضحًا، بينما أشارت تقارير حديثة إلى رغبة القاهرة في الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين وموسكو وأوروبا بدل الاعتماد على مصدر واحد للسلاح.
لماذا تحتاج مصر إلى الشبحية؟
المسألة بالنسبة إلى مصر لا تتعلق بالبحث عن طائرة «أقوى» بالمعنى التقليدي، وإنما بالحصول على قدرة نوعية مختلفة.
ففي حال امتلاك مقاتلة شبحية، يمكن للقوات الجوية المصرية تنفيذ مهام استطلاع وهجوم في بيئات عالية التهديد مع تقليل فرص اكتشاف الطائرة، إضافة إلى استخدام المستشعرات المتقدمة لجمع المعلومات وتوفيرها لبقية عناصر القوة الجوية والدفاع الجوي.
وهذا النوع من القدرات يصبح أكثر أهمية كلما توسعت إسرائيل في تشغيل F-35I، خاصة أن الطائرة الإسرائيلية لا تمثل مجرد مقاتلة هجومية تقليدية، بل منصة استشعار وشبكات قادرة على العمل ضمن منظومة أوسع من الطائرات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وبالتالي، فإن امتلاك مصر لطائرة شبحية لن يكون بالضرورة بهدف الدخول في سباق عددي مع إسرائيل، وإنما لتقليص الفجوة النوعية وامتلاك أداة ردع جوية متقدمة قادرة على العمل في ظروف يكون فيها التفوق المعلوماتي والشبحية عاملين حاسمين.
ومع ذلك، فإن اختيار مقاتلة شبحية لن يكون قرارًا بسيطًا. فمصر مطالبة بالموازنة بين الأداء، والتكلفة، والتسليح، ونقل التكنولوجيا، وتوافر قطع الغيار، والتدريب، وإمكانية دمج الطائرة داخل شبكة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي المصرية.
كما أن امتلاك مقاتلة شبحية لا يعني تلقائيًا تحقيق التفوق الجوي. ففعالية هذه الطائرات تعتمد على منظومة متكاملة تشمل الرادارات، وطائرات الإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، والتزود بالوقود جوًا، والاستطلاع الفضائي، والصواريخ بعيدة المدى، وشبكات القيادة والسيطرة.
وهنا تمتلك مصر نقطة قوة مهمة تتمثل في تنوع مصادر تسليحها. فالقوات الجوية المصرية تشغل مزيجًا من رافال الفرنسية، وإف-16 الأمريكية، وميغ-29إم/إم2 الروسية، إلى جانب منظومات أخرى، ما يمنح القاهرة خبرة في إدارة أسطول متعدد المصادر، وإن كان دمج مقاتلة شبحية جديدة سيظل تحديًا تقنيًا وعملياتيًا كبيرًا.
كما تحدثت تقارير في 2026 عن اهتمام مصري بالمشاركة في برنامج المقاتلة التركية الشبحية قآن KAAN، وليس مجرد شراء الطائرة جاهزة. ووفق تقرير نشرته Kathimerini في يوليو/تموز 2026، تحدثت معلومات عن موافقة أنقرة على انضمام مصر كشريك كامل في مشروع KAAN، بما قد يتيح لها المشاركة في التطوير ونقل التكنولوجيا وتصنيع أجزاء من المقاتلة محليًا.
وفي نهاية المطاف، فإن سباق المقاتلات الشبحية في الشرق الأوسط قد يدفع القاهرة إلى إعادة تقييم خياراتها المستقبلية. ومع توسع إسرائيل في تشغيل F-35I، وتزايد التعاون العسكري المصري الصيني، واستمرار روسيا في تسويق Su-57E، أصبحت أمام مصر نافذة جديدة للاختيار بين أكثر من مسار.
وقد لا يكون السؤال الحقيقي هو هل ستحصل مصر على مقاتلة شبحية؟ بقدر ما أصبح: أي مقاتلة ستختار، ومتى، وكيف ستدمجها في منظومة القوة الجوية المصرية؟
وفي حال اتجهت القاهرة بالفعل إلى هذه الخطوة، فإن دخول مقاتلة شبحية روسية أو صينية إلى الخدمة المصرية سيمثل تحولًا نوعيًا كبيرًا في ميزان القوة الجوية، ليس فقط بسبب قدرات الطائرة نفسها، وإنما لأنها ستمنح مصر للمرة الأولى منصة من الجيل الخامس يمكن أن تصبح رأس الحربة في منظومة جوية أكثر تعقيدًا وتنوعًا في مواجهة بيئة إقليمية تتجه بسرعة نحو عصر الطائرات الشبحية.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.
