



موقع الدفاع العربي – 6 سبتمبر 2026: أثارت التقارير التي تحدثت عن توجه مصر لشراء 24 مقاتلة «رافال» فرنسية إضافية تساؤلات عديدة، خصوصًا بعد المناورات الجوية المصرية–الصينية التي شهدت مشاركة مقاتلات صينية متقدمة، وعلى رأسها «J-16»، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والحرب الإلكترونية.
للوهلة الأولى، قد يبدو المشهد متناقضًا: لماذا تواصل القاهرة تعزيز أسطول «رافال» الفرنسية، في الوقت الذي توسع فيه تعاونها العسكري مع الصين وتختبر قدرات مقاتلاتها وأنظمتها الجوية؟
لكن قراءة القرار المصري من زاوية أوسع تكشف أن اختيار المقاتلة لا يرتبط بالضرورة بتقييم مباشر لمن يتفوق على الآخر في المناورات، وإنما بمجموعة أكثر تعقيدًا من الاعتبارات السياسية والاقتصادية واللوجستية والاستراتيجية.
في أواخر أغسطس 2026، اختتمت مصر والصين تدريبات جوية مشتركة واسعة النطاق، شاركت فيها مجموعة من أبرز المنصات الجوية لدى البلدين.
الجانب الصيني دفع بمقاتلات «J-16»، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر والتحكم «KJ-500»، وطائرات النقل والتزود بالوقود «Y-20»، وطائرات الحرب الإلكترونية «Y-9LG»، في تشكيل يعكس مفهوم العمل الجوي الشبكي المتكامل.
في المقابل، شاركت القوات الجوية المصرية بعدد من مقاتلاتها، بما في ذلك «رافال» و«ميغ-29»، لتوفير بيئة تدريبية تجمع بين مدارس قتالية مختلفة.
وتكتسب هذه المناورات أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على تدريب مقاتلات ضد مقاتلات، بل تتيح للقاهرة اختبار كيفية دمج الطائرات المقاتلة مع منصات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود، وهو ما يمثل جوهر العمليات الجوية الحديثة.
وترددت عبر وسائل إعلام ومصادر غير رسمية مزاعم عن تحقيق المقاتلات الصينية نتائج لافتة في بعض سيناريوهات القتال الجوي، بما في ذلك حديث عن تفوق «J-16» على «رافال» بنتيجة 7 مقابل 1 في إحدى المواجهات.


لكن هذه الأرقام لم تُؤكد رسميًا، كما أن نتائج المناورات لا يمكن اعتبارها حكمًا نهائيًا على القدرات القتالية لطائرتين، لأن النتيجة تتأثر بقواعد الاشتباك، ونوعية الأسلحة المستخدمة، ومستوى المعلومات المتاحة لكل طرف، وتكتيكات الطيارين، وطبيعة السيناريو التدريبي.
ومع ذلك، فإن مشاركة هذه المنظومة الصينية المتكاملة تعكس بوضوح تنامي مستوى التعاون العسكري بين القاهرة وبكين.
الإجابة عن سبب استمرار مصر في شراء «رافال» تبدأ من واقع القوات الجوية المصرية نفسها. فالقاهرة تمتلك أسطولًا متنوعًا للغاية يضم مقاتلات أمريكية وفرنسية وروسية، من بينها نحو 220 مقاتلة «F-16»، إضافة إلى 54 «رافال» ونحو 40 إلى 50 مقاتلة «MiG-29M/M2».
لكن ضخامة العدد لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الطائرات تتمتع بالمستوى نفسه من الحداثة أو الجاهزية.
فجزء كبير من مقاتلات «F-16» المصرية يعود إلى عقود سابقة، وبعض الطائرات الأقدم دخل الخدمة منذ عقود طويلة، ما يجعل تحديثها والمحافظة على جاهزيتها تحديًا مستمرًا.
كما أن القيود الأمريكية السابقة على تسليح «F-16» المصرية بأسلحة جو-جو بعيدة المدى حدّت من إمكاناتها في بعض سيناريوهات القتال الجوي.
وفي هذا السياق، وافقت الولايات المتحدة في 2025 على صفقة بقيمة تقارب 4.67 مليار دولار تتضمن صواريخ «AIM-120C-8» لصالح مصر، ضمن حزمة مرتبطة أيضًا بمنظومة «ناسامس».
لكن من المهم تصحيح بعض الطروحات المتداولة: القول إن هذه الصواريخ لا يمكن استخدامها على «F-16» بسبب عدم توافقها مع الطائرة هو تبسيط غير دقيق؛ فـ«AIM-120» صاروخ مصمم أساسًا للعمل من منصات جوية من بينها «F-16»، بينما ترتبط بعض تفاصيل الصفقة المصرية بأنظمة الدفاع الجوي «NASAMS» ومتطلبات تسليحها.


وهنا تظهر إحدى أهم مزايا خيار «رافال». فمصر كانت أول دولة أجنبية تتعاقد على المقاتلة الفرنسية عام 2015، عندما طلبت 24 طائرة، ثم وقعت في 2021 عقدًا إضافيًا للحصول على 30 مقاتلة أخرى.
وبذلك أصبح لدى القوات الجوية المصرية بنية تحتية وخبرة تشغيلية متراكمة مع الطائرة، تشمل تدريب الطيارين، وعمليات الصيانة، والمعدات الأرضية، وقطع الغيار، وسلاسل الإمداد، والبنية الخاصة بالأسلحة والتشغيل.
ولهذا فإن شراء 24 مقاتلة إضافية لا يعني إنشاء منظومة جديدة من الصفر، بل توسيع منظومة موجودة بالفعل.
وهذه النقطة شديدة الأهمية عند مقارنة «رافال» بأي مقاتلة جديدة تمامًا على القوات الجوية المصرية.
فإدخال مقاتلة صينية جديدة، على سبيل المثال، لن يقتصر على شراء الطائرات والصواريخ، بل سيحتاج إلى بنية تدريب وصيانة وقطع غيار ومعدات أرضية وأنظمة دعم وبرامج تشغيلية جديدة.
والقوات الجوية المصرية تدير أصلًا مزيجًا معقدًا من المنظومات الأمريكية والفرنسية والروسية، ما يجعل إضافة منظومة رابعة قرارًا يحتاج إلى دراسة دقيقة من الناحية اللوجستية.
التكلفة أيضًا ليست سعر الطائرة وحده، فشراء مقاتلات جديدة يتطلب ذخائر، وتدريبًا، ودعمًا فنيًا، وقطع غيار، ومنشآت، وأجهزة محاكاة، ومعدات صيانة، وعقود دعم طويلة الأمد.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الحصول على عشرات المقاتلات الصينية الحديثة مع كامل حزمة الدعم والتسليح قد يصل إلى مليارات الدولارات.
وفي المقابل، فإن عقد «رافال» الثاني لمصر، والخاص بـ30 طائرة، بلغت قيمته نحو 3.75 مليار يورو.
لكن العامل الحاسم بالنسبة للقاهرة ليس السعر المجرد، بل تكلفة إدخال المنظومة إلى الخدمة.
فعندما تكون لديك بالفعل بنية تشغيلية كاملة لطائرة معينة، فإن شراء دفعة إضافية منها يكون في كثير من الحالات أكثر سهولة من إنشاء منظومة جديدة بالكامل، حتى لو كانت الطائرة الجديدة منافسة أو أقل سعرًا على الورق.
ولا يمكن تجاهل العامل الإقليمي في أي تحليل للقوة الجوية المصرية. فمنذ توقيع معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979، حافظت القاهرة على علاقة معقدة تجمع بين السلام الرسمي والتنافس الاستراتيجي والحساسيات الأمنية.
لكن هذا لا يعني أن القاهرة تستعد لخوض حرب مع إسرائيل. على العكس، تبدو السياسة المصرية أكثر ارتباطًا ببناء قدرة ردع وحماية للمجال الجوي والمصالح الوطنية، مع الحفاظ على هامش واسع من المناورة السياسية.
وهنا يمكن فهم تنويع مصادر التسليح المصري.
القاهرة تتعاون مع الولايات المتحدة، وتشتري من فرنسا، وتطور علاقاتها العسكرية مع الصين، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات دفاعية مع روسيا.
هذه السياسة لا تعني بالضرورة الانحياز إلى محور واحد، بل تعكس محاولة مصر الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي وتقليل اعتمادها الكامل على مورد واحد.


ومن منظور سياسي، تبدو «رافال» خيارًا أقل حساسية من إدخال مقاتلة صينية جديدة بأعداد كبيرة إلى الخدمة.
فالعلاقات الدفاعية بين مصر وفرنسا تمتد لسنوات طويلة، وكانت القاهرة أول مشترٍ أجنبي لـ«رافال»، كما تطور التعاون بين البلدين خلال السنوات الماضية إلى مستوى استراتيجي أوسع.
وبالتالي، فإن شراء دفعة جديدة من «رافال» لا يمثل انقلابًا في السياسة الخارجية المصرية، بل استمرارًا لمسار قائم بالفعل.
أما الحصول على عشرات المقاتلات الصينية، وخصوصًا إذا تعلق الأمر بطائرات متقدمة مثل «J-10CE» أو مقاتلات شبحية من فئة «J-35»، فسيمثل خطوة أكثر تأثيرًا على توازنات القاهرة مع واشنطن وشركائها الإقليميين.
وهنا تظهر براعة السياسة المصرية في توزيع المخاطر.
القاهرة تستطيع توسيع التعاون العسكري مع الصين من خلال المناورات والتدريب ونقل الخبرات والتعاون الصناعي، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانتقال فورًا إلى صفقة ضخمة للمقاتلات.
كما أن وجود «J-16» و«KJ-500» وطائرات الحرب الإلكترونية والتزود بالوقود الصينية في مصر لا يعني تلقائيًا أن القاهرة ستتعاقد على هذه المنظومات.
بل إن المناورات نفسها قد تكون وسيلة لاختبار التكامل العملياتي وفهم العقيدة القتالية الصينية، إلى جانب توسيع الخيارات المتاحة أمام القوات المسلحة المصرية.
ومن هذه الزاوية، فإن التعاون مع الصين يمكن أن يكون له قيمة استراتيجية حتى في حال عدم شراء المقاتلة الصينية.
فمصر تحصل على فرصة للاطلاع على أساليب تشغيل منظومات جوية مختلفة، بينما تحصل الصين على فرصة لاختبار منصاتها في بيئة عملياتية مختلفة جغرافيًا ومناخيًا وتكتيكيًا.
إذا اكتملت صفقة الـ24 مقاتلة الإضافية، فسيرتفع إجمالي «رافال» المصرية إلى 78 طائرة.
وهذا سيجعل مصر واحدة من أبرز مشغلي المقاتلة الفرنسية خارج فرنسا، ويمنحها كتلة تشغيلية كبيرة تسمح بتوزيع الطائرات بين مهام الاعتراض والضربات بعيدة المدى والاستطلاع والعمليات البحرية، بحسب منظومة التسليح المتاحة.


كما أن توحيد جزء أكبر من الأسطول حول منصة واحدة يخفف بعض أعباء التدريب والصيانة وقطع الغيار مقارنة بإدخال نوع جديد بالكامل.
لكن ذلك لا يعني أن مصر أغلقت الباب أمام الصين.
على العكس، استمرار المناورات المصرية–الصينية، والتدريبات التي تشمل طائرات متقدمة ومنظومات إنذار مبكر وتزود بالوقود وحرب إلكترونية، يشير إلى أن القاهرة تريد الاحتفاظ بخيارات متعددة.
وفي النهاية، فإن قرار مصر المحتمل بشراء 24 مقاتلة «رافال» إضافية لا ينبغي قراءته باعتباره رفضًا للطائرات الصينية، ولا باعتباره دليلًا على أن مقاتلة معينة تفوقت على أخرى في مناورة.
القرار، في حال تأكد، سيكون نتيجة مزيج من الاعتبارات: الجاهزية، والبنية التحتية القائمة، والتكلفة، والتدريب، وسلاسل الإمداد، والسياسة الخارجية، وتوازن العلاقات مع القوى الكبرى.
وفي الشرق الأوسط، لا تحسم صفقات السلاح المواصفات الفنية وحدها.
فالمقاتلة الأفضل على الورق قد لا تكون الخيار الأفضل لدولة تمتلك بالفعل بنية تشغيلية مختلفة، أو ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية معقدة، أو تسعى إلى الحفاظ على توازن بين عدة قوى دولية.
أما بالنسبة لمصر، فإن الجمع بين «رافال» الفرنسية، و«F-16» الأمريكية، و«MiG-29» الروسية، والتعاون العسكري المتزايد مع الصين، يعكس استراتيجية واضحة تقوم على تنويع مصادر القوة بدل الارتهان لمورد واحد.
وإذا اكتملت صفقة الـ24 مقاتلة، فإن وصول أسطول «رافال» إلى 78 طائرة سيمنح القوات الجوية المصرية قوة إضافية معتبرة، في وقت تستمر فيه القاهرة في اختبار خيارات أخرى، بما فيها الطائرات الصينية الأكثر تقدمًا.
إن الرسالة الأهم ليست أن مصر اختارت فرنسا بدل الصين، بل أن القاهرة لا تريد حصر مستقبل قوتها الجوية في خيار واحد، وإنما تسعى إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات والاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة، بحيث تستطيع اختيار المنصة المناسبة لكل مرحلة وفقًا لمتطلبات الأمن والسياسة والاقتصاد.
وبالنسبة لمصر، فإن 78 مقاتلة «رافال» — إذا اكتملت الصفقة — ستشكل قوة جوية كبيرة لا يمكن تجاهلها في المنطقة، بينما سيظل التعاون مع الصين ورقة استراتيجية مهمة يمكن للقاهرة تطويرها تدريجيًا وفقًا لحساباتها ومصالحها.
المصدر الأصلي: www.defense-arabic.com — للاطلاع على المادة الأصلية.



