الدفاع والامن

بين طهران وتل أبيب… لعبة التوازن الاستراتيجي الصينية في

bbcorp
بين طهران وتل أبيب… لعبة التوازن الاستراتيجي الصينية في

بقلم: أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها

بين طهران وتل أبيب… لعبة التوازن الاستراتيجي الصينية في

منذ عقود، تتقن بكين فناً دبلوماسياً دقيقاً قوامه مد الجسور مع أطراف متصارعة في آن واحد؛ فهي تحافظ على علاقات اقتصادية وتقنية متينة مع إيران وإسرائيل معاً، رغم ما تحمله هذه الازدواجية من تناقض جوهري. وقد وضعت حرب يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران هذا النهج أمام اختبار غير مسبوق، وكشفت أن الصين، رغم صعودها كقوة عظمى ثانية في العالم، لا تزال تتحرك في الإقليم بحذر من يخشى أن يخسر أحد الطرفين دون أن يكسب ثقة الآخر. غير أن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يستوقف صانع القرار العربي هو: لماذا تحرص الصين على هذا الحضور المزدوج أصلاً؟ الإجابة لا تكمن في التجارة أو النفط، بل في مشروع صيني معلن لبلوغ الصدارة العالمية بحلول عام 2049، تُستخدم فيه التكنولوجيا أداةَ نفوذ استراتيجي لا سلعةً اقتصادية عابرة، وليس غاية تنموية بريئة كما يُروَّج لها في كثير من العواصم العربية.

فمنذ المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني عام 2017، أعلن الرئيس “شي جين بينغ” رسمياً خطة “الهدفين المئويين”، وينص ثانيهما على أن تصبح الصين، بحلول عام 2049 (الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية الشعبية)، دولة تتصدر العالم من حيث القوة الشاملة والنفوذ الدولي. وهذا الهدف ليس طموحاً تنموياً محايداً، بل مشروع “نهضة” يسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الدولي لصالح بكين عسكرياً وتكنولوجياً ومعيارياً. ومن هذا المنظور، فإن كل مشروع بنية تحتية أو استثمار تكنولوجي صيني في الشرق الأوسط ليس غاية في ذاته، بل خطوة على طريق هذا الهدف المعلن، تماماً كما لا يخفي الحزب الشيوعي هذا الطموح في وثائقه الرسمية ومؤتمراته الدورية.

تعود العلاقة الصينية الإيرانية إلى عام 1971، وتعمقت استراتيجياً بعد ثورة 1979، حين زوّدت بكين طهران بالسلاح خلال حربها مع العراق، ودعمت برنامجها النووي قبل التراجع تحت ضغط أمريكي في التسعينيات. ومنذ زيارة شي جين بينغ إلى طهران عام 2016، ثم اتفاقية التعاون الشاملة لعام 2021 بقيمة 400 مليار دولار، أصبحت إيران منفذاً نفطياً موثوقاً يوازن النفوذ الغربي. أما العلاقة مع إسرائيل، القائمة منذ 1992 على الابتكار التكنولوجي بدل السلاح، فجعلت الصين ثاني أكبر شريك تجاري لها، باستثمارات في ميناء حيفا وقطار تل أبيب، لكن هذا “الزواج” الاقتصادي تآكل مع تشديد واشنطن الرقابة منذ 2019 واستبعاد الشركات الصينية من الجيل الخامس، حتى بات أغلب الإسرائيليين عام 2024 يرون الصين دولة معادية. وفي حرب 2025، أدانت بكين الضربة الإسرائيلية الأولى ووصفت الرد الإيراني بـ”الدفاع عن النفس”، لكنها تجنبت أي التزام عسكري، مكتفيةً بالدبلوماسية وإجلاء رعاياها، في تعظيم للمكاسب الرمزية مع تقليل المخاطرة إلى أدنى حد ممكن.

ولا يمكن قراءة هذا التوازن دون وضعه في سياق المنافسة الأشمل بين بكين وواشنطن على قيادة النظام الدولي؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى أي تمدد صيني في المنطقة، اقتصادياً كان أم تقنياً، كتهديد استراتيجي لا تجارياً فحسب، ومن هنا ضغطها لإقصاء الشركات الصينية عن الجيل الخامس الإسرائيلي واعتراضها على تشغيل ميناء حيفا القريب من منشآت الأسطول الأمريكي. في المقابل، تستثمر بكين بذكاء في كل شرخ يظهر بين واشنطن وحلفائها لتقديم نفسها كقوة “معيارية” بديلة أقرب لمطالب الجنوب العالمي بشأن السيادة، دون الدخول في مواجهة مباشرة تهدد جسورها الاقتصادية مع أي طرف حتى في ذروة الأزمات.

وتنسجم هذه الحسابات مع عقيدة “الاندماج المدني العسكري” التي تتبناها بكين رسمياً، إذ يمكن لأي ميناء أو شبكة اتصالات أو قاعدة بيانات صينية أن تخدم أغراضاً استخباراتية أو عسكرية عند الحاجة. فحين تبني شركة صينية بنية تحتية رقمية في دولة عربية، فإنها لا “تُنمّي” هذه الدولة بقدر ما تراكم بيانات وتخلق تبعية تقنية طويلة الأمد، عبر معايير كاملة تصدّرها بكين مع تكنولوجيتها، كشبكات الجيل الخامس ومنظومات المدن الذكية والمراقبة، تحت مسمى “طريق الحرير الرقمي”، بما يمنحها موطئ قدم دائماً في القطاعات الحساسة ويقربها خطوة أخرى من هدف الصدارة العالمية لعام 2049.

والأخطر أن “البديل الصيني” قد يكون في حقيقته أشد خطورة مما يُفَرّ منه؛ فإسرائيل من أهم مراكز تصميم الشرائح عالمياً عبر مركز أبحاث إنتل في حيفا، ونمت تجارة أشباه الموصلات بينها وبين الصين 80% عام 2018 وحده، مدفوعة باستثمارات صينية متزايدة في شركات تصميم الشرائح الإسرائيلية، إلى جانب إرث تاريخي من بيع رادارات وأنظمة توجيه صاروخي للصين في الثمانينيات. وأدوات تصميم الشرائح ومعدات تصنيعها الدقيقة لا تزال إلى حد بعيد رهن التراخيص والتقنيات الأمريكية. فالدولة العربية التي تستورد بنية رقمية “صينية” ظناً منها أنها تتحرر من ارتباطاتها الإسرائيلية والغربية، قد تكون في الواقع تشتري منتجاً صينياً في واجهته، أمريكياً إسرائيلياً في نواته، مموَّهاً خلف علامة تجارية صينية تُخفي مصدر مخاطره الحقيقي بدل أن تلغيه.

والمفارقة أن إسرائيل نفسها باتت أشد المحذرين من “اختراق” الصين التقني للعالم، إذ تعتبر مؤسساتها الأمنية أي منتج صيني ذكي منصة تجسس محتملة أو سلاحاً ذا استخدام مزدوج لا سلعة استهلاكية بريئة. ففي نوفمبر 2025، سحب الجيش الإسرائيلي نحو 700 سيارة صينية من ضباطه، ثم حظر سيارات “BYD” الكهربائية من قواعده العسكرية، بعد أن كشف بحث نرويجي مستقل أن نحو 90% من بيانات السيارات الكهربائية الصينية تُرسل فعلياً إلى خوادم داخل الصين، وهو ما يؤكد أن “الاندماج المدني العسكري” الصيني ليس افتراضاً نظرياً،بل واقعاً تختبره إسرائيل بنفسها اليوم.

من هنا، فإن أهم درس لصانع القرار العربي أن أي قرض صيني ميسّر أو مشروع بنية تحتية تكنولوجية مجاني الشروط ليس هدية تنموية خالصة، بل استثمار في نفوذ طويل الأمد يخدم أجندة بكين الجيوسياسية المعلنة لعام 2049 قبل أي شيء آخر. فقبل قبول أي تمويل لمشاريع الموانئ والاتصالات والذكاء الاصطناعي، يجب طرح ثلاثة أسئلة جوهرية، من يملك البيانات الناتجة عن هذه المشاريع؟ من يتحكم بالشيفرة المصدرية للأنظمة التي تدير المرافق الحيوية؟ وهل يمكن الفكاك من هذه المنظومة إذا تغيرت الحسابات السياسية مستقبلاً؟ فتجربة الدول التي وقعت في “فخ الديون” الصينية، وتجربة إسرائيل نفسها حين راجعت صفقاتها التقنية مع بكين تحت ضغط أمريكي، تؤكدان أن العلاقة مع الصين تُقاس بحجم التبعية التي تخلّفها، لا بحجم القرض أو سرعة التنفيذ.

والحل ليس رفض التعاون مع الصين كلياً، فهذا خيار غير واقعي اقتصادياً وسياسياً، بل التعامل معه بعين مفتوحة وأدوات حوكمة واضحة منها التفاوض على شروط تعاقدية تحفظ السيادة الرقمية والبيانات الوطنية، وتنويع مصادر التمويل والتكنولوجيا بدل الاعتماد الأحادي على بكين، وإخضاع كل مشروع بنية تحتية حساسة لتقييم أمن قومي شامل يفصل المنفعة الاقتصادية الآنية عن المخاطر الاستراتيجية المؤجلة، وبناء قدرات وطنية موازية في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. فالصين، كما تُظهر علاقتها المزدوجة مع طهران وتل أبيب، لاعب يخدم مشروعاً حضارياً معلناً لعام 2049 لا شريكاً تنموياً محايداً، يجيد فن الصبر الاستراتيجي ولا يتعجل الأرباح الاقتصادية على حساب أهدافه الكبرى. ومن يتعامل معها بمنطق الصفقة القصيرة الأمد وحده، أو بمنطق الهروب من الغرب وإسرائيل دون تدقيق، سيجد نفسه بعد سنوات أسير شبكة نفوذ ثلاثية الأطراف، صينية أمريكية إسرائيلية ، يصعب الانعتاق منها.

(function(d, s, id){ var js, fjs = d.getElementsByTagName(s)(0); if (d.getElementById(id)) return; js = d.createElement(s); js.id = id; js.src = “//connect.facebook.net/ar/sdk.js#xfbml=1&version=v2.9”; fjs.parentNode.insertBefore(js, fjs); }(document, ‘script’, ‘facebook-jssdk’));

المصدر الأصلي: defensearabia.com — للاطلاع على المادة الأصلية.

مقالات ذات صلة