
واشنطن | 16 سبتمبر 2026
يبدو أن مضيق هرمز يمتلك نسختين هذه الأيام: واحدة جغرافية تقع بين إيران وعُمان وتعبرها السفن فعلياً، وأخرى سياسية تقع في مكان ما بين البيت الأبيض والميكروفون.
في النسخة الثانية، الأمور تسير على ما يرام.
نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس أعلن أن حركة المرور عبر مضيق هرمز استعادت «أكثر من 50% من مستوياتها الطبيعية»، في الوقت الذي تصف فيه بيانات تتبع السفن صورة مختلفة جذرياً لبعض الأيام الأخيرة.
وربما تكمن المشكلة في أن السفن لم تحصل بعد على نسخة من تصريح فانس.
ففي 15 سبتمبر، نقلت رويترز عن بيانات Kpler أن أربعة سفن سلع فقط عبرت المضيق في يوم واحد، بعد عشرة في اليوم السابق، مقارنة بمتوسط يقارب 125 عبوراً يومياً قبل الحرب.
إذا كانت هذه هي الـ«50%»، فقد يكون لدى واشنطن نوع جديد من الرياضيات لم يصل بعد إلى بقية العالم.
المرحلة الأولى انتهت… بقرار إداري
فانس لم يكتفِ بالملاحة.
بحسب تصريحاته لصحيفة نيويورك بوست، فإن الحرب تمر بمرحلتين أساسيتين، وقد «انتهت» المرحلة الأولى، التي وصفها بأنها تدمير البرنامج النووي الإيراني والقوات العسكرية التقليدية والقدرة الإيرانية على إحداث تأثير.
ثم تأتي المرحلة الثانية: منع إيران من إعادة بناء تلك القدرات مع الحفاظ على الاستقرار العالمي.
بهذه البساطة.
المرحلة الأولى: انتهت.
المرحلة الثانية: بدأت.
البحر: مضطرب.
السفن: قليلة.
الحرب: مستمرة.
لكن الجدول الزمني في واشنطن منظم جداً.
ويبدو الأمر كأن الصراع أصبح مشروعاً حكومياً يمكن تحديث حالته من In Progress إلى Completed بينما لا تزال الصواريخ والسفن وشركات التأمين تحاول معرفة ما يحدث على الأرض وفي البحر.
«لا نقوم بعمليات عدوانية»
الأكثر إثارة في تصريحات فانس قوله إن الولايات المتحدة «لا تشارك في عمليات عدوانية».
وهنا يحتاج القارئ ربما إلى قاموس جيوسياسي حديث.
ففي القاموس التقليدي، عندما تكون دولة طرفاً في حرب وتستخدم قواتها العسكرية وتضرب أهدافاً في دولة أخرى، فإن وصف العمليات يعتمد على طبيعتها وأهدافها وسياقها القانوني والعسكري.
أما في قاموس واشنطن الجديد، فقد يصبح السؤال مختلفاً:
هل العملية هجومية؟
الجواب: لا.
وماذا تفعل الطائرات؟
عمليات غير هجومية تتجه نحو الهدف بسرعة عالية.
والصواريخ؟
رسائل دبلوماسية ذات محرك صاروخي.
هرمز الذي يعيش في واشنطن
المشكلة الحقيقية ليست في العبارة الساخرة، بل في الرقم.
إذا كان المستوى الطبيعي يقارب 125 عبوراً يومياً، فإن العودة إلى أكثر من 50% تعني، وفق المعنى الحسابي المباشر، مستوى يتجاوز تقريباً 62 عبوراً يومياً.
لكن بيانات Kpler التي نقلتها رويترز سجلت في بعض الأيام الأخيرة أرقاماً أحادية.
قد تكون إدارة فانس تستخدم تعريفاً مختلفاً لحركة المرور، أو نافذة زمنية مختلفة، أو فئة مختلفة من السفن. وهذا احتمال يجب أخذه في الاعتبار قبل مقارنة رقمين لا يقيسان الشيء نفسه.
لكن حتى تقدم الإدارة تفسيراً واضحاً لطريقة احتساب «50%»، تبقى المفارقة قائمة:
فانس يقول إن نصف حركة هرمز تقريباً عادت، بينما تظهر بعض بيانات الملاحة أن المضيق في أيام معينة بالكاد يتذكر شكل الازدحام.
الحرب ستتغير بعد بضعة أشهر
ثم جاءت البشرى الاستراتيجية الأخرى.
فانس يتوقع أن تدخل الحرب «مرحلة مختلفة تماماً في غضون بضعة أشهر»، في سياق حديثه عن احتمال هدوء الصراع بعد الانتخابات النصفية.
وهنا يتحول المشهد إلى كاريكاتير كامل:
ناقلات النفط تنتظر.
شركات التأمين تحسب المخاطر.
أسعار الشحن تراقب الصواريخ.
والسياسي الأميركي ينظر إلى التقويم ويقول:
اصبروا قليلاً… لدينا انتخابات.
قد تتغير الحرب فعلاً خلال أشهر؛ الحروب تتغير باستمرار. لكن ربط التحولات العسكرية الكبرى بإيقاع سياسي داخلي يفتح سؤالاً مشروعاً حول مقدار ما في هذه التصريحات من توصيف للواقع، ومقدار ما فيها من إدارة للرواية السياسية أمام الجمهور الأميركي.
عاجل من كوكب واشنطن
ولو تحولت تصريحات فانس إلى نشرة ساخرة، فقد تبدو هكذا:
عاجل: المرحلة الأولى من الحرب انتهت، يرجى إبلاغ إيران.
عاجل: الملاحة في هرمز تجاوزت 50%، يرجى إبلاغ أنظمة AIS.
عاجل: الولايات المتحدة لا تنفذ عمليات عدوانية، والصواريخ الموجودة في السماء مجرد سوء تفاهم جوي.
عاجل: المرحلة المقبلة ستختلف خلال بضعة أشهر، ونرجو من الحرب الالتزام بالجدول الانتخابي.
في النهاية، قد يكون فانس يملك بيانات أو تعريفاً مختلفاً لمفهوم «عودة حركة الملاحة»، وهذا يحتاج إلى نشر تفاصيله حتى تصبح المقارنة عادلة.
أما إلى أن يحدث ذلك، فهناك مضيقان لهرمز:
مضيق تعبره السفن، ومضيق تعبره التصريحات.
ويبدو حتى الآن أن حركة المرور في الثاني أكثر كثافة بكثير.
المصادر: تصريحات جيه. دي. فانس لصحيفة نيويورك بوست، وبيانات Kpler وتقارير حركة الملاحة التي نقلتها رويترز في سبتمبر 2026.
