يُعدّ الشاعر الكردي سيدا كلش، من الأصوات التي استخدمت الكلمة للدفاع عن اللغة والهوية والوجود القومي الكردي، مشكلاً حلقة مهمة في مسيرة الأدب الكردي، من خلال جمعه بين أصالة الشعر الكلاسيكي وروح الالتزام الوطني والقومي والثوري، لتصبح أشعاره مرآة لآلام شعبه وآماله، وليبقى حياً في الذاكرة الأدبية للشعب الكردي.
وكتب سيدا كلش عن القضية الكردية ومعاناة الشعب الكردي وما تعرض له من حرمان من الحقوق القومية والثقافية، ودعا إلى التمسك باللغة والهوية لمنع محاولات إنكار وطمس اللغة والهوية الكردية.
كما كتب عن الحب والحرية والعدالة والطبيعة وقيم التضامن الإنساني، متجاوزاً الإطار القومي الضيق في الشعر.
الولادة والنشأة
وُلد الشاعر سيدا كلش، واسمه الحقيقي حسين محمد حسين كلش، عام 1930 في قرية بزكوري التابعة لمنطقة ماردين في شمال كردستان. وانتقلت عائلته إلى روج آفا عندما كان في العاشرة من عمره، حيث استقرت في منطقة الجزيرة التي أصبحت لاحقاً الحاضنة الأساسية لموهبته الأدبية والثقافية.
ونشأ سيدا كلش في بيئة كردية محافظة، غنية بالتراث الشعبي والحكايات والأغاني الفلكلورية، وهو ما ترك أثراً واضحاً في لغته الشعرية وصوره الفنية التي ظلت متجذرة في ثقافة المجتمع الكردي وذاكرته الجماعية.
ودرس العلوم الشرعية على يد علماء الدين، من بينهم الملا عبد الرزاق، خليفة الشيخ أحمد الخزنوي، في قرى مثل كركود وخزنة وتل عربيد وغيرها في ريف قامشلو وعامودا.
وتعلم سيدا كلش اللغة العربية، ثم تعمق في اللغة الكردية من خلال قراءة أعمال شعراء كبار، أمثال ملاي جزيري وأحمدي خاني وعلي ترموكي، بالإضافة إلى جكر خوين، حيث بدأ بقراءة دواوينه منذ أن تعرف إليه عام 1945، وتأثر به تأثراً عميقاً، معتبراً إياه معلماً له في الشعر والثقافة.
وترك سيدا كلش الدراسة الدينية عام 1948، وعمل في الفلاحة، ثم تزوج، ليبدأ كتابة الشعر عام 1950، في فترة كانت الثقافة الكردية تواجه تحديات كبيرة نتيجة سياسات التهميش والإنكار والطمس التي كانت تستهدف اللغة الكردية.
وللوقوف على تفاصيل مشروع إعادة طباعة أعمال الشاعر سيدا كلش، التقت وكالتنا عدداً من الأساتذة والكتاب، إلى جانب عضوة في ديوان الأدب، للتعرف إلى الجهود المبذولة في جمع أعمال الشاعر وإعادة طباعتها من جديد.
سيدا كلش والشعر الكلاسيكي
تقول عضوة ديوان الأدب ناريمان عفدكي إنهم، في سياق محاولاتهم خلال الفترة الأخيرة، المحافظة على إرث الشعراء والكتّاب الذين غادروا الحياة، وجدوا أن أعمال الشاعر الكردي سيدا كلش تستحق إعادة الطبع والنشر، لما تحمله من إرث للذاكرة الأدبية الكردية وللأجيال القادمة.
وتقول ناريمان إن سيدا كلش يُعدّ من الكتّاب الكلاسيكيين، ومن الذين كتبوا الشعر الكلاسيكي، وإنه كان رفيقاً للشاعر جكر خوين، ومتأثراً في كتاباته به، وهو ما يظهر بوضوح خلال أعماله، كما تؤكد أن جكر خوين ساعد سيدا كلش في طباعة أعماله.
وأشارت ناريمان إلى أن لعائلة سيدا كلش دوراً كبيراً في المحافظة على أعماله، فضلاً عن مساعدتهم في تأمين أرشيفه وتقديم المساعدة في مختلف الأمور الأخرى.
ولفتت إلى أن عدداً من أعماله كانت قد طُبعت سابقاً، بالإضافة إلى عمل طُبع عام 1986 في أوروبا، مؤكدةً أن الشاعر جكر خوين ساعد سيدا كلش في طباعة أعماله.
وأضافت ناريمان عفدكي، أن الهدف من المشروع هو جمع هذه الأعمال وإعادة طباعتها في مجلد واحد، لعرضها في المعارض المحلية والعالمية، خاصة في ظل الصعوبات التي يواجهونها في العثور على أعمال الأدباء الكرد الذين بقيت كتبهم موجودة في نسخ محدودة.
مخطوط بخط يد سيدا كلش
ونوّهت ناريمان بوصول نسخة من ديوان الشاعر بخط يده، احتفظ بها نجله، وهي كتيب مكتوب بخط يد الشاعر باللغة الكردية وبالأحرف الآرامية، ويتضمن سيرة عن حياته.
وكانت عملية تحويل النص الكردي المكتوب بالأحرف الآرامية إلى الكردية باللاتينية صعبة، ومن هنا جاء دور جامعات المنطقة، حيث جرى تحويل النص من الأحرف الآرامية إلى الكردية اللاتينية من خلال طالب في قسم الآداب بجامعة روج آفا، بمساعدة الأستاذ بشير ملا نواف وآرشَك برافي، بهدف طباعة هذا العمل بشكل يليق بسيدا كلش وتقديمه للقراء.
ثلاث سنوات من العمل
وتابعت ناريمان أن جمع وترتيب أعمال سيدا كلش للطباعة الجديدة استغرق نحو ثلاث سنوات، موضحةً أن مرحلة جمع المواد كانت من أصعب المراحل، ثم جرى إعداد العمل على الحاسوب ومراجعته وتدقيقه، كون الأعمال كانت بصيغة قوات الدفاع الشعبي، ما تطلب إعادة إعدادها وتحويلها إلى صيغة قابلة للطباعة، إلى جانب تدقيق اللغة ومراجعة النصوص.
وقالت ناريمان إن المشروع يتضمن ثمانية دواوين، بالإضافة إلى كتّاب السيرة الذاتية للشاعر سيدا كلش، المكتوب بخط يده، ليصل العدد الإجمالي إلى تسعة كتب، من المقرر جمعها في مجلد واحد.
وأكدت ناريمان أن المشروع جاهز للطباعة، بما في ذلك الأمور المتعلقة بالتصميم والغلاف، إلا أن الأحداث الأخيرة في المنطقة أدت إلى تأجيل عملية الطباعة، خاصة أن عمليات الطبع تتم في جنوب كردستان أو إيران.
“فتح شيفرة العمل تطلب عملاً وجهداً”
بدوره، يقول أستاذ الأدب الكردي في جامعة روج آفا بشير ملا نواف، بخصوص أعمال سيدا كلش، إن المشروع جاء بمبادرة من ديوان الأدب، حيث تم تكليفهم بتنظيم وتدقيق ومراجعة دواوين سيدا كلش الثمانية التي كانت مطبوعة سابقاً في السويد، بالإضافة إلى كتاب حول سيرته وحياته.
وأشار ملا نواف إلى أن العمل جرى بالتعاون مع الأستاذ آرشك برافي، الذي اهتم بتدقيق اللغة، بينما تولى هو ترتيب الجمل وإعادة صياغتها نتيجة الأخطاء التي ظهرت أثناء تحويلها من صيغة قوات الدفاع الشعبي إلى كلمة، وأن العمل يحمل أهمية كبيرة للقراء، وأن عملية تحويله إلى الكردية اللاتينية استغرقت قرابة أربعة أشهر.
وأوضح أن السيرة الذاتية التي كتبها الشاعر سيدا كلش لم تكن بأسلوب جلادت بدرخان المعتمد على اللاتينية، وإنما كانت بالأحرف الآرامية المستخدمة في جنوب كردستان، وأن “فتح شيفرة العمل تطلب عملاً وجهداً”، وذلك من قبل طالب متخرج من قسم الأدب في جامعة روج آفا، عمل على تحويلها إلى الكردية اللاتينية.
قصة حياته تراجيدية
وتابع بشير ملا نواف بالقول إنهم عندما عملوا على المشروع، لم يكن هدفهم تقييم العمل من الناحية الفكرية أو من ناحية تأسيس الشعر، وأن تركيزهم كان على صياغة الجمل، ونوه إلى أن سيدا كلش كان يعتمد الأسلوب نفسه الذي كان يتبعه الشاعر جكر خوين.
وأكد ملا نواف أن سيرة حياة الشاعر سيدا كلش تصلح لأن تكون مادة لفيلم، وخاصة للأطفال الكرد، نظراً لما تعرض له الكرد من مآسٍ كبيرة آنذاك.
وأضاف: “عندما قرأت سيرته، تأثرت كثيراً بالحقيقة، عندما كان أطفال الكرد يصبحون أيتاماً نتيجة الثورات الكردية في ذلك الوقت بسبب الحروب وسياسات الإنكار المفروضة على الشعب الكردي، فضلاً عن الجوع ولجوئه إلى روج آفا، التي تمثل إحدى الحقائق الكردية المؤلمة”.
ومن أبرز أعمال سيدا كلش هي “نحن والعدو، وطريق الشعب، ومأساة الشعب، وروناهي، والعمل، وحلبجة، وباربنك، وباغستان”.
وفي خضم الحديث عن شخصية سيدا كلش، أوضح بشير ملا نواف أن سيدا كلش شاعر له تأثير يومي خلال الأحداث الجارية، إلى جانب أنه كان يسير على خطى الشاعر جكر خوين.
ونوه ملا نواف إلى نقطة مهمة في مسيرة سيدا كلش، معتبراً أن انتقاله من شمال كردستان إلى روج آفا والتقرب من القضية الكردية أمور ساعدته كثيراً في الأدب، ناهيك عن أنه كان بلا هوية نتيجة سياسة البعث آنذاك، وكان مكتوم القيد.
وأكد أن حياته كانت تراجيدية، حيث عانى الآلام والجوع، فضلاً عن مرضه في الصغر، ونوه إلى حقيقة الإنسان الكردي وكيف يتجاوز جميع الصعوبات، قائلاً: “من هنا تكمن أهمية طباعة أعماله”.
آرشك برافي: أعرفه شخصياً
بدوره، قال أستاذ اللغة الكردية آرشك برافي إن عدداً من أعمال سيدا كلش طُبع عندما كان حياً، وإن أعماله كانت بصيغة قوات الدفاع الشعبي، وعند تحويلها إلى كلمة ظهرت أخطاء جسيمة، فعملوا على تدقيقها لغوياً.
وأوضح أن كونها عبارة عن أشعار لم يكن بمقدورهم العمل على تعديلها، وإنما اقتصر عملهم على تدقيقها، لأن الشعر لا يمكن تعديله، بمعنى أن العملية اقتصرت على الترتيب والتصحيح والجمع.
وعن سيدا كلش، يقول آرشك برافي: “أنا أعرفه شخصياً، حينما كان أستاذاً في لجنة جلادت، وكان شخصاً وطنياً، يعمل لأجل القضية الكردية، وواجه خلال حياته العديد من المآسي”.
شخصية شيوعية وقومية
وفي حديثه عن الطباعة الجديدة لأعمال سيدا كلش، يقول برافي: “في البداية تم تحويل أعماله من الآرامية إلى الكردية اللاتينية، لكن خلال عملية التحويل لاحظوا النقص الحاصل، فضلاً عن الأخطاء اللغوية والقواعدية، لذا حاولوا إتمام الناقص وإعادة تدقيقه.
وأضاف أن بعض التكرارات كانت موجودة في النسخ القديمة، وكان يجب إخراجها من هذه الأعمال، وذلك بالتعاون مع ديوان الأدب.
ووصف برافي سيدا كلش بأنه “شخصية شيوعية وقومية”، حيث كان يحمل الاثنين في شخصيته، فضلاً عن أنه كان يكتب عن الثورات الكردية وعن الفلسطينيين في الوقت نفسه.
وتابع آرشك حديثه عن سيدا كلش، قائلاً إنه كان يحمل رسائل الشيوعية إلى العالمية، والكردية القومية، وكان متأثراً بذلك، وكان شخصاً وطنياً.
ودعا برافي إلى استذكار الكتّاب قبل وفاتهم، وقال: “لكن الآن، وعلى الرغم من وفاتهم، فإن الاهتمام بهم وبأعمالهم عمل مقدس في سبيل الحفاظ على ميراث الكتاب”.
وأضاف أن أشعار سيدا كلش جميلة، وتم تحويل العديد منها إلى أعمال غنائية، سواء من الفرق الفلكلورية أو الفنانين الآخرين.
منوهاً إلى أن سيدا كلش كان له أشعار حول الحب، وكان يكتب في مختلف المجالات، مشيراً إلى أنه لم يهتم بعشق الإله مثل أحمد خاني والآخرين، بل كتب آلام شعبه إلى جانب الحب والمواضيع الأخرى المتنوعة.
وفاته
وتوفي الشاعر سيدا كلش في 18 حزيران عام 2007 بمدينة قامشلو، بعد مسيرة حافلة بالدفاع عن القضية الكردية، في وقت كانت القضية الكردية تمر بأصعب مراحل الإنكار والإبادة.
(ح)
يزور
hawarnews.com




