السياسات
قد تدفع هذه الظروف نسبة كبيرة من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك جزء منها، ما سينعكس على الاقتصاد المحلي الذي يعتمد بصورة أساسية على الزراعة.
في مدينة تل تمر بمحافظة الحسكة، يواجه المزارعون مع اقتراب الموسم الزراعي الجديد، جملة من التحديات المرتبطة بتأخر صرف مستحقات الموسم الماضي، وارتفاع أسعار المحروقات والبذار ومستلزمات الإنتاج، وسط مخاوف من تقلّص المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج الزراعي، في منطقة تشكل الزراعة وتربية المواشي عماد اقتصادها المحلي.
وتأتي هذه التحديات بعد موسم زراعي وصفه مزارعون بـ “فوق الممتاز”، وشكّل بالنسبة لهم فرصة لتعويض جزء من خسائر سنوات الحرب وتأمين احتياجات الموسم الجديد، إلا أن تأخر صرف المستحقات لأكثر من شهرين، ومن ثم دفعها على دفعات، تزامن مع ارتفاع حاد في تكاليف الزراعة، ما حدّ من قدرة المزارعين على إعادة استثمار عائدات محاصيلهم.
المزارع حسن شندي من أهالي مدينة تل تمر، قال إن الموسم الماضي كان فرصة كبيرة لمزارعي المنطقة، واصفاً أيام الحصاد بأنها كانت أشبه بـ “أعراس في المنطقة”، لما حمله الموسم من أمل بعد سنوات من المعاناة.
قيمة المستحقات المالية أقل من تكاليف الانتاج
لكن، بحسب شندي، فإن فرحة الحصاد لم تدم طويلاً، إذ اضطر المزارعون إلى انتظار أكثر من شهرين للحصول على مستحقاتهم، فيما جرى صرفها على دفعات متباعدة، وأشار إلى أن المزارعين كانوا يأملون، رغم التأخير، في استخدام تلك الأموال لتسديد الديون وتأمين متطلبات الموسم الجديد، إلا أن ارتفاع أسعار المحروقات جعل قيمة المستحقات أقل من تكاليف الإنتاج المطلوبة.
وأكد شندي” أن ارتفاع أسعار المحروقات شكّل صدمة كبيرة للمزارعين، موضحاً أن تكاليف حراثة الأرض ارتفعت إلى مستويات لم يعد معها العائد المتوقع كافياً لتغطية النفقات.
وقال” إن المزارع بات أمام خيار صعب، فالأموال التي يحصل عليها عن محصول العام الماضي قد لا تكفي حتى لشراء بذار الموسم الجديد وتأمين المحروقات اللازمة للحراثة.
تربية المواشي تعاني
ولا تقتصر المشكلة، وفق شندي، على الأراضي الزراعية ذات الإنتاجية الجيدة، بل تمتد إلى الأراضي المتوسطة والضعيفة، التي قد يضطر أصحابها إلى تركها دون زراعة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بالعائد المتوقع منها.
وفي السياق ذاته، ربط المزارع برجس عزيز إبراهيم من مدينة تل تمر بين أزمة الزراعة وتربية المواشي، مؤكداً أن القطاعين مرتبطان بشكل مباشر، وأن ارتفاع تكاليف المحروقات ينعكس على كليهما.
وقال إبراهيم: “المواشي والزراعة مرتبطة مع بعضها البعض”، موضحاً أن المزارع الذي يملك أراضي ومواشي يحتاج إلى المحروقات لتشغيل آلياته الزراعية، كما يحتاج إلى تأمين الأعلاف لمواشيه، في وقت لم تعد فيه تكاليف الإنتاج تسمح له بتحمل الأعباء المتزايدة.
وأشار إلى “أن المزارعين يناشدون منذ سنوات بدعم الزراعة، إلا أن ارتفاع أسعار المحروقات والبذار وبقية المستلزمات جعل المزارع أمام عجز متزايد عن تأمين احتياجاته.
وكشف إبراهيم عن حجم التراجع الذي يفكر فيه شخصياً، قائلاً: “أنا كنت أزرع خمسة إلى ستة آلاف دونم، إلا أنه في الموسم الجديد لن أزرع عشرة دونمات”، في حال استمرار أسعار المحروقات وتكاليف الإنتاج على وضعها الحالي.
وأضاف أن تشغيل الجرار الزراعي بات يشكل عبئاً كبيراً على المزارع، موضحاً أن الجرار يحتاج يومياً إلى كمية من المازوت، ما يجعل تأمين المحروقات من أبرز العقبات أمام بدء الموسم.
وبين تأخر المستحقات وارتفاع المحروقات وغلاء البذار ومستلزمات الإنتاج، يجد مزارعو تل تمر أنفسهم أمام موسم جديد لا يملكون فيه القدرة ذاتها على زراعة المساحات التي كانوا يستثمرونها في السابق، الأمر الذي يهدد بتراجع الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية معاً.
ويطالب المزارعون بتأمين مستحقاتهم في مواعيدها، وتوفير المحروقات والبذار ومستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، إلى جانب وضع آليات دعم حقيقية للقطاع الزراعي، بما يتيح لهم مواصلة استثمار أراضيهم والحفاظ على الإنتاج.
وطرحت وزارة الطاقة في الحكومة الانتقالية السورية، في 17 أيلول الجاري، ثلاثة أنواع من مادة المازوت بأسعار جديدة.
وحُدد سعر لتر المازوت المدعوم بـ 115 ليرة سورية جديدة، بما يعادل 11,500 ليرة سورية قديمة، على أن يخصص لأغراض التدفئة والزراعة والفئات المشمولة بالدعم.
ورغم قرار وزارة الطاقة في الحكومة الانتقالية طرح ثلاثة أنواع من مادة المازوت بأسعار جديدة، لا تزال الفئتان المخصصتان للتدفئة والزراعة والنقل العام غائبة عن محطات الوقود والأسواق.
(م)
يزور
