من بيروت، نقرأ العالم
صحافة

حركة أمل وحزب الله: التباين لا يعني الطلاق… ومن يموّل الضجيج؟

كتب محمد قاسم

ليس جديداً أن تختلف حركة أمل وحزب الله. الجديد هو حجم الضوء المسلّط اليوم على كل اختلاف بينهما، إلى درجة بات معها إشكال محلي أو موقف حكومي مختلف كافياً لإطلاق استنتاجات عن اقتراب نهاية «الثنائي».

آخر الأمثلة جاء من حومين الفوقا في قضاء النبطية، حيث وقع خلاف بين مناصرين من الطرفين على خلفية رفع أعلام، وتطور الأمر إلى تدخل القضاء وإزالة الأعلام موضع النزاع. لكن المصادر التي تناولت الحادثة نفسها أشارت أيضاً إلى حصول اتصالات مع قيادات محلية وحزبية وتعاون لتطويق الإشكال ومنع انتقاله إلى مواجهة أوسع.

وهنا يصبح الفصل ضرورياً بين ثلاثة مستويات مختلفة:

الجمهور، والتنظيم، والقرار السياسي للقيادتين.

فليس كل سجال بين مناصرَين قراراً سياسياً، وليس كل اختلاف في مجلس الوزراء طلاقاً، كما أن الاعتراف بوجود تباينات حقيقية بين أمل وحزب الله لا يعني تلقائياً أن التحالف انتهى.

نعم… هناك تباين

الوقائع تقول إن حركة أمل وحزب الله اتخذا خلال الأشهر الماضية مواقف مختلفة في أكثر من محطة.

في التعامل مع الحكومة مثلاً، تبدو مقاربة الرئيس نبيه بري أكثر تمسكاً بالحفاظ على المؤسسات الحكومية وتجنب الذهاب إلى إسقاط الحكومة، فيما اتخذ حزب الله مواقف أكثر حدة تجاه عدد من سياساتها.

وتحدثت «النهار» عن هذا التباين تحديداً، وعن اختلاف المقاربتين حيال الحكومة والتحركات في الشارع.

هذه وقائع لا تحتاج إلى إنكار.

لكن السؤال الحقيقي ليس:

هل يختلف أمل وحزب الله؟

السؤال هو:

هل وصل هذا الاختلاف إلى قرار سياسي بفك التحالف؟

حتى الآن، لا تكفي الوقائع المنشورة لإثبات ذلك.

حومين ليست حرب إقليم التفاح

خطورة تضخيم حادثة حومين تكمن في اقتطاعها من السياق التاريخي للعلاقة بين الطرفين.

العلاقة بين أمل وحزب الله لم تبدأ أصلاً بلا خلافات.

والطرفان يعرفان جيداً معنى أن يتحول التنافس السياسي إلى مواجهة في الشارع، ويعرف جمهورهما أيضاً الكلفة التي دفعها الجنوب والبيئة الشيعية خلال مراحل الصراع السابقة.

ولهذا فإن طريقة معالجة إشكال حومين تحمل دلالة بحد ذاتها.

وقع الإشكال.

ارتفع التوتر.

دخل القضاء.

حصلت اتصالات.

وتدخلت جهات محلية وحزبية وأمنية لاحتواء الحادث ومنع توسعه.

هذه ليست، بحد ذاتها، صورة طرفين اتخذا قراراً بالذهاب إلى القطيعة.

إنها في الحد الأدنى صورة طرفين يعرفان أن لديهما خلافات ويحاولان منعها من التحول إلى صدام.

أمل ليست حزب الله… وحزب الله ليس أمل

ربما تكون هذه النقطة تحديداً مصدر الالتباس.

التحالف لا يعني التطابق.

حركة أمل لها تاريخها وقيادتها ومؤسساتها وحساباتها السياسية وطريقتها في إدارة العلاقة مع الدولة.

وحزب الله له بنيته وخياراته السياسية والعسكرية ورؤيته الخاصة للصراع الإقليمي.

لذلك ليس مستغرباً أن ينظر الطرفان بطريقة مختلفة إلى حكومة نواف سلام، أو إلى رئاسة الجمهورية، أو إلى التفاوض، أو إلى طريقة إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة.

بل إن بعض المراقبين يرون أن الفوارق اتسعت بالفعل خلال المرحلة الأخيرة، وظهرت بصورة أوضح في العلاقة مع الرئاسة والحكومة وبعض الملفات المرتبطة بالحرب والتفاوض.

هذه قراءة تستحق أن تؤخذ بجدية.

لكن وجود مسافتين سياسيتين لا يعني بالضرورة وجود طريقين متعاكسين.

ما الذي يبقي العلاقة قائمة؟

الجواب لا يحتاج إلى رومانسية سياسية.

هناك مصالح سياسية مشتركة.

وهناك قاعدة اجتماعية متداخلة في مناطق واسعة.

وهناك تمثيل نيابي وبلدي.

وهناك حسابات مرتبطة بالجنوب وبالدولة وبالنظام السياسي اللبناني.

وهناك أيضاً ذاكرة ثقيلة يعرفها الطرفان جيداً.

فكلفة انتقال المنافسة من السياسة إلى الشارع ليست مجهولة.

ولذلك فإن إدارة الاختلاف قد تكون بالنسبة إلى القيادتين أكثر أهمية من إلغاء الاختلاف نفسه.

وهنا يظهر الفرق بين وحدة الموقف ووحدة المسار السياسي.

قد لا يتفق الطرفان على كل موقف حكومي.

وقد تختلف حساباتهما في توقيت خطوة سياسية.

وقد يشتعل سجال بين جمهورهما.

لكن الحكم على مستقبل التحالف يحتاج إلى مؤشرات أكبر بكثير:

فك التنسيق السياسي.

تحالفات انتخابية متعارضة.

مواجهة علنية بين القيادتين.

أو انتقال الخلاف التنظيمي إلى قرار سياسي شامل.

وحتى الآن، لا تكفي المعطيات المنشورة للقول إن ذلك حصل.

والرأي الآخر موجود

في المقابل، سيكون من الخطأ التعامل مع كل ما يحدث باعتباره مجرد «سوء تفاهم».

هناك من يرى أن التمايز أصبح أعمق مما كان عليه سابقاً.

ويستشهد أصحاب هذه القراءة بالمواقف المختلفة تجاه الحكومة، وطريقة التعامل مع الرئاسة، وبعض الخلافات التي ظهرت في البلدات وبين المناصرين، واختلاف السلوك السياسي في محطات حساسة.

هذه مؤشرات تستحق المتابعة.

لكنها شيء، وإعلان وفاة التحالف شيء آخر.

الاختلاف ليس خيانة… والتحالف ليس إلغاءً للآخر

ربما يحتاج جمهور الطرفين نفسه إلى استعادة هذه القاعدة.

ليس كل انتقاد لأمل عداءً للحركة.

وليس كل انتقاد لحزب الله إعلان حرب عليه.

وليس مطلوباً من ابن أمل أن يتحول إلى حزب الله كي يكون حليفاً له، ولا من ابن حزب الله أن يصبح ابن حركة كي يحافظ على التحالف.

التحالف الذي يحتاج إلى إلغاء هوية أحد طرفيه حتى يستمر ليس تحالفاً أصلاً.

القيمة السياسية لأي تفاهم تكمن في قدرته على استيعاب الاختلاف.

وهذا تحديداً ما سيحدد مستقبل العلاقة بين أمل وحزب الله.

ليس عدد الصور المشتركة.

ولا البيانات.

ولا الشعارات.

بل قدرة الطرفين على أن يقولا:

نختلف هنا.

نتفق هناك.

ولا نسمح للخلاف بأن يتحول إلى فتنة بين جمهورين يعيشان في القرى نفسها، والشوارع نفسها، وأحياناً في العائلات نفسها.

ومن يموّل كل هذا الضجيج؟

وهنا لا بد للمتابع أن يتوقف ويسأل.

إذا كانت هناك بالفعل حملات إعلانية رقمية واسعة تستهدف الجمهور اللبناني عبر غوغل وفيسبوك ومنصات أخرى، فمن يمولها؟

وكم تبلغ كلفتها؟

ومن المستفيد منها؟

هذه ليست أسئلة هامشية في بلد يعيش أزمة مالية خانقة.

والتاريخ القريب يؤكد أن المال السياسي والإعلاني ليس تفصيلاً في لبنان. دراسة لـThe Policy Initiative استندت إلى بيانات إبسوس ووثقت إنفاقاً إعلانياً سياسياً كبيراً خلال انتخابات 2022. لكن ذلك لا يثبت وحده من يمول أي حملة رقمية راهنة، ولا حجمها الحقيقي.

ولهذا المطلوب شيء بسيط:

شفافية.

افتحوا سجلات الإعلانات.

أظهروا أسماء المعلنين.

أظهروا حجم الإنفاق.

من دفع؟

ولمن؟

وما الجمهور المستهدف؟

وقتها لا نحتاج إلى نظريات.

الأرقام تتكلم.

«أسرار»… ومصادر… والرواية نفسها؟

اليوم نشرت «النهار» في فقرة «أسرار الآلهة» حديثاً عن تنافس «ثلاثة إلى أربعة أشخاص» على النفوذ في محيط الرئيس نبيه بري، وأن كلاً منهم يأمل في رئاسة حركة أمل إذا تخلى بري عنها.

لكن الأسماء غير موجودة في المادة المنشورة.

ومن هنا يصبح السؤال الصحفي مشروعاً:

من هم؟

وما مصدر المعلومة؟

وما الأدلة على وجود هذا السباق؟

وهل نحن أمام معلومات موثقة أم أمام «أسرار» سياسية ستبقى بلا أسماء؟

وعندما تظهر بالتزامن روايات متشابهة في أكثر من وسيلة إعلامية عن خلاف أمل وحزب الله ومستقبل «الثنائي»، فمن الطبيعي أن يسأل المتابع عن مصدرها.

هل وصلت مؤسسات مختلفة، كل منها عبر مصادرها الخاصة، إلى الاستنتاج نفسه؟

أم أن هناك رواية سياسية واحدة يعاد تدويرها إعلامياً؟

إن «أسرار النهار» تُطبخ في غرفة واحدة ثم يجري توزيعها «دليفري» على MTV والحدث والعربية وغيرها، ولا يحتاج ذلك إلى دليل،

قارنوا العناوين.

قارنوا التوقيت.

قارنوا المصادر.

قارنوا المفردات.

قارنوا الضيوف.

وقارنوا الرواية التي تبدأ في مكان ثم تظهر بصيغ متقاربة في أماكن أخرى.

إذا كان هناك تنسيق، يجب إثباته.

وإذا لم يكن هناك، يجب ألا نخترعه.

وبين بري وحزب الله… الاختبار أكبر من إشاعة

من حق أي مراقب أن يسأل عن مستقبل الثنائي.

ومن حق الصحافة أن تتابع كل تباين.

لكن من واجبها أيضاً ألا تحول كل حادث بلدي إلى «زلزال سياسي»، وكل سجال إلكتروني إلى «انفجار داخل البيئة الشيعية».

هناك اختلافات.

هناك تمايزات.

وهناك جمهور يغضب أحياناً من الطرف الآخر.

لكن هناك أيضاً اتصالات لاحتواء الخلافات، وتنسيق مستمر، ومصالح وقضايا مشتركة.

لذلك قد يكون الوصف الأدق للمرحلة:

الثنائي ليس حزباً واحداً، لكنه أيضاً ليس أمام طلاق مثبت بالوقائع حتى الآن.

وحومين الفوقا قد تكون إنذاراً للطرفين بأن الشارع أسرع اشتعالاً من غرف السياسة.

أما تحويل كل علم يُرفع أو يُنزع، وكل تصريح مختلف، وكل تعليق غاضب على مواقع التواصل إلى إعلان نهاية تحالف عمره عقود…

فهذه ليست قراءة سياسية مكتملة.

هذه نهاية كُتبت قبل أن يكتب أصحاب العلاقة فصلها الأخير.

وإذا أردتم معرفة رأي الجنوب… انزلوا إلى الجنوب

وعلى كل حال، هناك اختبار أبسط من استطلاعات الصالونات و«أسرار» الصحف.

لنطرح فكرة واضحة:

بث مباشر من الجنوب.

من النبطية.

من صور.

من بنت جبيل.

من القرى والبلدات.

من الشارع نفسه.

من دون جمهور منتقى مسبقاً.

ومن دون أسئلة مصممة للحصول على جواب محدد.

اسألوا الناس أمام الكاميرا:

ما رأيكم بحركة أمل؟

ما رأيكم بحزب الله؟

هل تؤيدون استمرار التحالف بينهما؟

هل تختلفون مع أحد الطرفين؟

وهل تريدون أن يستمر هذا التحالف أم ينتهي؟

وليظهر المؤيد.

والمعارض.

والمتردد.

كما هو.

ولا ندّعي أن خمسين مقابلة في شارع تمثل الجنوب كله، لأن القياس العلمي للرأي العام يحتاج إلى عينة ممثلة ومنهجية واضحة.

لكن على الأقل سنسمع الناس أنفسهم.

لا «مصدر مطلع».

ولا «أوساط متابعة».

ولا «شخصيات مقربة».

ولا ثلاثة أو أربعة أشخاص مجهولين يتنافسون في فقرة «أسرار».

الناس.

بالاسم والصورة والصوت.

لأن الحديث عن جمهور كامل من دون سماع هذا الجمهور يبقى ناقصاً، مهما كان اسم الصحيفة أو المحطة.

وإذا كان الثنائي قد فقد جزءاً كبيراً من بيئته، فاستطلاع علمي موثوق سيكشف ذلك.

وإذا كان لا يزال يحتفظ بتأييد واسع، فسيكشفه أيضاً.

لا نحتاج إلى أن نقرر النتيجة مسبقاً.

خلّوا الجنوب يحكي عن حاله.

افتحوا الكاميرا.

انزلوا إلى الناس.

اسألوا المؤيد قبل المعارض، والمعارض قبل المؤيد.

واتركوا الإجابات كما هي.

وبعدها لكل واحد أن يقرأ المشهد كما يريد.

أما نحن…

وبكرا بشوفكم.

amal-berri-lebanon-featured

فريق التحرير
بقلم

فريق التحرير

فريق التحرير في بتوقيت بيروت يتابع الأخبار ويحررها وفق السياسة التحريرية للموقع.

جميع مقالات الكاتب ←