موقع الدفاع العربي – 31 أغسطس/آب 2026: أشعلت صورة واحدة حالة واسعة من الجدل داخل دوائر التسليح في الشرق الأوسط، بعدما ظهر طيار من القوات الجوية المصرية جالسًا في المقعد الخلفي لمقاتلة J-16 الصينية، وعلى وجهه ابتسامة بدت وكأنها تعبر عن ارتياح طويل الانتظار. فالقصة لا تتعلق فقط بمدى تقدم هذه المقاتلة أو بما تمثله من تكنولوجيا، وإنما بما يعنيه أن يتمكن الطيار المصري أخيرًا من الاقتراب عمليًا من منظومة قتالية مختلفة، ولمس قدراتها واختبارها بصورة مباشرة.
انتشرت الصورة سريعًا على الإنترنت، وكأنها حجر ألقي في مياه راكدة، لتحدث موجات متتالية من التفاعل والجدل داخل دوائر التسليح في الشرق الأوسط. وتظهر الصورة طيارًا من القوات الجوية المصرية يرتدي بزته الجوية الرسمية، جالسًا في المقعد الخلفي لمقاتلة J-16، فيما تعلو وجهه ابتسامة توحي بشيء من الارتياح. ووفق القراءة التي رافقت الصورة، فإن تلك الابتسامة لا تعكس فقط الانبهار بمقاتلة متقدمة، وإنما تعبر أيضًا عن تراكم أكثر من أربعة عقود من التطلعات والآمال، وعن رغبة في امتلاك قدرة قتالية حديثة يمكن التحكم فيها بصورة أكثر استقلالية.
تمتلك القوات الجوية المصرية أسطولًا ضخمًا من مقاتلات F-16 يتجاوز عددها 200 طائرة. غير أن هذا الأسطول ظل، على مدى سنوات طويلة، يواجه قيودًا اعتُبرت بمثابة قيود غير مرئية تحد من إمكاناته القتالية.
فالولايات المتحدة، التي كانت حليفًا لمصر، رفضت لفترة طويلة تزويد القاهرة بصاروخ AIM-120 جو-جو متوسط المدى، وهو السلاح الذي يمنح المقاتلات قدرة حقيقية على الاشتباك خارج مدى الرؤية.
اعتمدت بعض مقاتلات F-16 المصرية على صواريخ AIM-7 Sparrow القديمة، ذات التوجيه الراداري شبه النشط، والتي يبلغ مداها نحو 45 كيلومترًا.
وتتطلب هذه الصواريخ من الطائرة المطلقة إبقاء الهدف تحت إضاءة الرادار لضمان استمرار عملية التوجيه، ما يعني أن الطيار لا يستطيع ببساطة إطلاق الصاروخ ثم الانسحاب فورًا، بل يبقى معرضًا للخطر أثناء مواصلة إضاءة الهدف.
في المقابل، تمتلك مقاتلات F-16I الإسرائيلية، بموجب التراخيص الأمريكية، القدرة على حمل صواريخ AIM-120D التي يتجاوز مداها 160 كيلومترًا.
وهنا لا يتعلق الفارق بمجرد اختلاف بين مكونات أو صواريخ، وإنما بفارق في فلسفة القتال الجوي نفسها. فإحدى المقاتلات تضطر إلى مواصلة إضاءة الهدف بعد إطلاق الصاروخ، بينما تستطيع الأخرى إطلاق سلاحها ثم تغيير اتجاهها والابتعاد عن منطقة الاشتباك.
ويُنظر إلى هذا الفارق باعتباره فجوة تقترب من جيل ونصف في منطق القتال الجوي، وهو فارق بالغ الأهمية في بيئة إقليمية معقدة مثل الشرق الأوسط.
وحتى عندما اتجهت مصر إلى فرنسا للحصول على مقاتلات رافال المتقدمة، وفقا لوسائل الإعلام الصينية، فإن الصفقة، التي وصلت إلى 43 مقاتلة، لم تحل المشكلة بالكامل، إذ تأخر وصول صواريخ Meteor بعيدة المدى المخصصة لها، لأسباب وصفت بأنها صعبة التجاوز.
وبحسب زعمها، يحتوي صاروخ Meteor بعيد المدى على عدد كبير من المكونات الأمريكية، الأمر الذي جعل فرنسا غير قادرة على توفيره لمصر، لتضطر المقاتلات المصرية إلى الاعتماد بصورة أكبر على صواريخ MICA التي يتراوح مداها بين 50 و80 كيلومترًا.
وهكذا، فإن امتلاك مقاتلة حديثة ومتطورة لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة قتال جوي بعيدة المدى إذا لم تتوافر لها الذخائر المناسبة.
وهكذا، فإن الإنفاق العسكري الكبير، واستثمار مليارات الدولارات في شراء مقاتلات حديثة، لم يكن يعني بالضرورة امتلاك منظومة قتالية متكاملة. فالمقاتلة قد تكون متقدمة من الناحية التقنية، لكن غياب التسليح المناسب يحد بصورة كبيرة من قدرتها على استثمار كامل إمكاناتها.
في عام 2020، حاولت مصر كسر هذا الجمود من خلال التوجه إلى روسيا والحصول على مقاتلات سوخوي-35. إلا أن الخطوة واجهت اعتراضًا أمريكيًا علنيًا، تمثل في التهديد بقطع إمدادات قطع الغيار الخاصة بأسطول إف-16 المصري في حال مضت القاهرة في خيارها الروسي، وفق ادعاء وسائل إعلام صينية.
وعلى مدى أكثر من 40 عامًا، وجدت القوات الجوية المصرية نفسها عالقة بين منظومات التسليح الشرقية والغربية، في وضع جعل قدرتها على المناورة الاستراتيجية أكثر صعوبة. ومن هنا اكتسبت صورة الطيار المصري داخل قمرة J-16 أهمية رمزية لدى مؤيدي تنويع مصادر التسليح، باعتبارها تعبيرًا عن ظهور خيار إضافي يمكن أن يخفف من تأثير القيود التي فرضتها منظومات التسليح الغربية.
وصول القوة الجوية الصينية إلى مصر
تأتي الصورة في سياق تدريبات «نسور الحضارة-2026» المشتركة، التي بدأت في الساعات الأولى من يوم 21 أغسطس 2026 في إحدى القواعد الجوية المصرية.
وشاركت الصين في التدريب بتشكيلة جوية متقدمة ضمت مقاتلات J-16 متعددة المهام، وطائرات التزود بالوقود جوًا YY-20A، وطائرة الإنذار المبكر والتحكم KJ-500، وطائرة الحرب الإلكترونية Y-9LG.
قطعت هذه القوة مسافة تزيد على 6,000 كيلومتر، وعبرت قارتين وأربع دول، قبل أن تصل إلى مصر بعد رحلة جوية استغرقت قرابة 9 ساعات.
وكان وجود هذه التشكيلة المتكاملة أكثر أهمية من مجرد مشاركة عدد من المقاتلات في تدريب مشترك، إذ إن الجمع بين المقاتلات وطائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود يتيح إظهار مفهوم متكامل للعمليات الجوية الحديثة.
وفي هذا السياق، أُتيح للطيار المصري الجلوس في المقعد الخلفي لمقاتلة J-16، بما سمح له بالاقتراب بصورة مباشرة من قدراتها والتعرف عليها من داخل الطائرة، وهي تجربة عملية تختلف جذريًا عن مشاهدة المواصفات الفنية أو المواد الدعائية.
فبدل الاكتفاء بعرض الطائرة على الأرض، فإن نقلها إلى قاعدة العميل المحتمل وإتاحة الفرصة للعاملين على الأرض والطيارين للتعرف عليها وتجربتها يمثل، من منظور تسويقي وعسكري، وسيلة مباشرة لبناء التصور حول قدراتها.
صدمة مايو 2025 وتعاظم الاهتمام بالخيارات البديلة
وزادت إحدى المواجهات التي وقعت في مايو 2025 من هذه المخاوف، بعدما أظهرت بعض مقاتلات رافال أداءً وُصف بأنه غير مقنع، الأمر الذي دفع الجانب المصري إلى إعادة التفكير في حقيقة أن المقاتلة المتقدمة لا تستطيع وحدها تغيير ميزان القوة إذا لم تحصل على الذخائر والدعم العملياتي المطلوبين.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، أعلن رئيس أركان القوات الجوية المصرية محمود فؤاد عبد الجواد أن مصر تدرس بصورة جادة إدخال المقاتلة الصينية J-10CE إلى الخدمة.
وهنا تبرز أهمية التدريبات الصينية المصرية الأخيرة، لأنها لا تقدم مجرد عرض جوي، بل تضع الطائرات الصينية ومنظومات الدعم المرتبطة بها أمام الطيارين والعسكريين المصريين في بيئة عملياتية فعلية.
تختلف هذه المقاربة عن نمط التسويق التقليدي الذي يعتمد على تقديم الطائرة ومواصفاتها ثم انتظار المفاوضات والعقود. ففي هذه الحالة، وصلت قوة جوية صينية متكاملة إلى مصر، وأتاحت للجانب المصري فرصة مشاهدة قدراتها والتعامل معها عن قرب.
ولم يقتصر الأمر على السماح للطيارين المصريين بالتعرف على J-16 وتجربة مقصورتها، بل امتد إلى مراحل أكثر تقدمًا من التدريب، بما في ذلك سيناريوهات القتال الجوي.
وفي 23 أغسطس، جرى تنفيذ أولى مراحل التدريب، وكانت عبارة عن اشتباك جوي 1 ضد 1 بين مقاتلات من طرازات مختلفة.
وشهد المجال الجوي تدريبات تحاكي الاشتباكات بين J-16 ورافال، مع تنفيذ مواجهات على مسافات قريبة ومتوسطة، وبما يتوافق مع معايير التدريب الواقعي لمحاكاة ظروف المعركة.
وبحسب المشاركين، ستبدأ التدريبات من سيناريوهات بسيطة مثل 1 ضد 1 و2 ضد 2، قبل الانتقال تدريجيًا إلى إظهار منظومة التعاون والتنسيق الجوي الشاملة.
وهذه النقطة تحديدًا تبرز قيمة التشكيلة الصينية المشاركة، لأن القوة لا تعتمد على J-16 وحدها، وإنما تضم إلى جانبها KJ-500 للإنذار المبكر والسيطرة، وY-9LG للحرب الإلكترونية، وYY-20A للتزود بالوقود جوًا.
إن دمج هذه المنظومات مع المقاتلات يسمح برفع كفاءة الطائرات المقاتلة بصورة كبيرة، ويقدم للجانب المصري نموذجًا عمليًا لكيفية إدارة العمليات الجوية الحديثة باعتبارها شبكة متكاملة، وليس مجرد مقاتلات منفردة.
صورة رافال وJ-16 على المدرج
في 22 أغسطس، نشرت وزارة الدفاع المصرية صورًا رسمية ظهرت فيها مقاتلة رافال إلى جانب مقاتلة J-16 متوقفتين على المدرج نفسه.
وفي الأيام التالية، دخلت المقاتلتان المجال الجوي ضمن تدريبات تضمنت اختبارًا لقدراتهما وتكتيكاتهما، في مواجهة تعكس مقارنة عملية بين مدرستين مختلفتين في تطوير القوة الجوية.
وأصبحت الصورة التي تجمع الطائرتين جنبًا إلى جنب أكثر من مجرد صورة عسكرية عابرة، إذ رأى فيها البعض مؤشرًا على تغير تدريجي في البيئة التي حكمت خيارات التسليح المصرية لعقود.
فوجود مقاتلة صينية متقدمة داخل قاعدة جوية مصرية، إلى جانب مقاتلة فرنسية متقدمة تستخدمها مصر بالفعل، يرسل رسالة واضحة بأن القاهرة تمتلك خيارات متعددة، وأن الاعتماد على مصدر واحد للتسليح لم يعد الخيار الوحيد المتاح.
كما أن وجود J-16 في هذا السياق يوفر، بالنسبة للدول التي تواجه مشكلات مشابهة في قطع الغيار والذخائر أو القيود المفروضة على استخدامها، مسارًا بديلًا محتملًا لتطوير قدرات القتال الجوي والدفاع عن المجال الجوي.
وفي النهاية، فإن صورة الطيار المصري وهو يجلس في المقعد الخلفي لمقاتلة J-16 تحمل، بالنسبة لأنصار تنويع مصادر التسليح، دلالة تتجاوز مجرد تجربة طائرة جديدة. فبالنسبة لهم، اللحظة التي وضع فيها الطيار يده على أدوات التحكم ترمز إلى الرغبة في التحرر من قيود الماضي، وإلى تطلع نحو امتلاك خيارات أوسع وقدرة أكبر على التحكم في مستقبل القوة الجوية المصرية.
إنها، في هذا السياق، ليست مجرد صورة لطيار داخل مقاتلة، بل لقطة تختزل أكثر من 40 عامًا من محاولات تطوير القوة الجوية المصرية، وما رافقها من قيود على الذخائر وقطع الغيار ومصادر التسليح، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام احتمال دخول خيارات صينية أكثر حضورًا في مستقبل القوات الجوية المصرية
/* Shares”}};
/* ))> */
المصدر الأصلي:
www.defense-arabic.com
تاريخ النشر لدى المصدر:
2026-08-31 23:56:00
كاتب المصدر:
نور الدين
وقد يخضع النص للترجمة أو المعالجة التقنية اللازمة للعرض والنشر.



