وجاء وصول الغواصة بعد رحلة بحرية استغرقت 23 يومًا وقطعت خلالها نحو 3,792 ميلًا بحريًا، أي قرابة 8,000 كيلومتر، انطلاقًا من مدينة كيل الألمانية، مرورًا بقناة كيل والقناة الإنجليزية ومضيق جبل طارق وصولًا إلى البحر المتوسط ثم حيفا. وكانت الرحلة محاطة بإجراءات أمنية مشددة، إذ رافقت الشرطة الألمانية الغواصة خلال عبورها قناة كيل في الأول من سبتمبر/أيلول، مع مشاركة مئات العناصر وزوارق أمنية واستخدام إجراءات مضادة للطائرات المسيّرة.
وتُعد «دركون» أكبر وأثقل غواصة دخلت الخدمة الإسرائيلية حتى الآن، إذ يبلغ طولها نحو 74 مترًا ووزنها في حالة الغوص نحو 2,600 طن وفق أحدث التقارير، بينما تضع بعض المصادر التقديرات عند نحو 73 مترًا و2,400 طن. ويجعلها ذلك أكبر من غواصتي Dolphin II السابقتين، Tanin و Rahav ، كما أنها أكبر بنحو 30% من غواصات Dolphin الأصلية.
وبُنيت الغواصة في ألمانيا بواسطة شركة Thyssenkrupp Marine Systems (TKMS)، ضمن برنامج استمر لأكثر من 12 عامًا بين التخطيط والبناء والاختبارات والتجهيز. وتقدر قيمة الغواصة بنحو 550 مليون يورو، أي حوالي 634 مليون دولار، وفق تقارير ألمانية وإسرائيلية نقلت عن مصادر متخصصة في القطاع البحري.
وتتميز «دركون» بنظام دفع هجين يجمع بين محركات الديزل والكهرباء وخلايا الوقود العاملة بنظام الدفع المستقل عن الهواء AIP. ويسمح هذا النظام للغواصة بتوليد الطاقة وشحن البطاريات أثناء بقائها تحت الماء من دون الحاجة إلى الصعود إلى السطح أو استخدام أنبوب التنفس، ما يطيل فترة بقائها في الغوص ويقلل فرص اكتشافها. وقالت البحرية الإسرائيلية إن نظام AIP يمثل أحد العناصر الرئيسية التي تمنح الغواصة قدرة أكبر على تنفيذ عمليات سرية لفترات طويلة.
وتحمل الغواصة 10 أنابيب لإطلاق الأسلحة في المقدمة، منها 6 أنابيب بقطر 533 ملم و4 أنابيب بقطر 650 ملم. ويمكن للأنابيب الأكبر حجمًا التعامل مع أسلحة ومعدات أثقل، فيما تشير مصادر متخصصة إلى إمكانية استخدام منظومة التسليح لحمل الطوربيدات والصواريخ والألغام، إضافة إلى معدات العمليات الخاصة والمركبات غير المأهولة تحت الماء.
لكن أكثر ما يميز «دركون» بصريًا هو الشراع الكبير والممتد بصورة غير معتادة مقارنة بالغواصات السابقة من الفئة نفسها. وقد أدى هذا التصميم إلى تكهنات واسعة حول طبيعة الأنظمة الموجودة بداخله، خصوصًا احتمال وجود خلايا إطلاق عمودية VLS تسمح بإطلاق صواريخ من داخل الغواصة.
ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية إسرائيلية أو ألمانية تؤكد وجود منظومة VLS أو عدد خلايا الإطلاق أو نوع الصواريخ التي يمكن أن تحملها «دركون». وتشير تحليلات متخصصة إلى أن المساحة الإضافية يمكن أن تكون مخصصة للصواريخ، أو أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أو معدات الاتصالات والحرب الإلكترونية، أو أنظمة إطلاق المركبات غير المأهولة.
كما ارتبطت غواصات Dolphin الإسرائيلية منذ سنوات بتقارير تتحدث عن دور محتمل في الردع النووي البحري الإسرائيلي. فقد أشار معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI» إلى تقارير غير مؤكدة تفيد بأن بعض غواصات Dolphin قد تكون قادرة على إطلاق نسخة بحرية من صاروخ Popeye تحمل رؤوسًا نووية، مع تأكيد أن هذه المعلومات غير مثبتة علنًا، بينما نفت الحكومة الألمانية أن تكون الغواصات مزودة بقدرة على حمل رؤوس نووية.
وتشير بعض التحليلات إلى احتمال أن تؤدي «دركون» دورًا ضمن قدرة إسرائيل على تنفيذ ضربة نووية ثانية، إلا أن هذه الفرضية تظل غير مؤكدة، في ظل التكتم الإسرائيلي على طبيعة تسليح الغواصة وقدراتها الاستراتيجية.
وتحتفظ البحرية الإسرائيلية حاليًا بست غواصات، ثلاث منها من الجيل الأول Dolphin I وثلاث من الجيل الثاني Dolphin II AIP ، فيما يجري العمل على الجيل التالي من الغواصات الإسرائيلية، المعروف باسم «داكار» Dakar. ومن المقرر أن يبدأ تسليم أول غواصات «داكار» في 2031، لتتولى تدريجيًا استبدال الغواصات الثلاث الأقدم.
ولا تمثل «دركون» مجرد غواصة جديدة ضمن الأسطول، بل تُعد حلقة انتقالية بين Dolphin II والجيل المستقبلي من غواصات «داكار»، مع تصميم أكبر ومساحة داخلية إضافية وأنظمة جديدة لم تكشف إسرائيل تفاصيلها حتى الآن. وقد وصف الجيش الإسرائيلي الغواصة بأنها مزودة بـ«تقنيات فريدة ومتقدمة» توسع المرونة العملياتية للبحرية، من دون الكشف عن طبيعة هذه الأنظمة.