قدّم المنتخب الفرنسي واحدة من أكثر مبارياته إثارة في دوري الأمم الأوروبية، بعدما قلب تأخره أمام بلجيكا إلى فوز كبير بنتيجة 4-1 على ملعب «ستاد دو فرانس»، في مباراة احتاج فيها أصحاب الأرض إلى الدقائق الأخيرة لتفجير كل قوتهم الهجومية.
اللقاء بدا لفترة طويلة وكأنه يسير في اتجاه بلجيكي، خصوصاً بعدما افتتح دودي لوكيباكيو التسجيل للضيوف في الدقيقة 35، لكن فرنسا رفضت الخروج من المباراة، وانتظرت حتى الربع ساعة الأخيرة لتبدأ واحدة من أسرع عمليات العودة في النتيجة خلال هذه الجولة من البطولة.
بلجيكا تتقدم وفرنسا تعاني
دخل المنتخب الفرنسي المباراة في ظل غياب قائده كيليان مبابي، وهو غياب كان واضحاً في المراحل الأولى من اللقاء، خصوصاً على مستوى اللمسة الأخيرة وصناعة الفرص الحاسمة.
ورغم أن فرنسا استحوذت على الكرة لفترات طويلة وحاولت الضغط على الدفاع البلجيكي، فإن الفاعلية الهجومية كانت محدودة.
بلجيكا استغلت هذا الوضع بشكل جيد، وتمكنت من التقدم عبر لوكيباكيو في الدقيقة 35، لتضع المنتخب الفرنسي ومدربه زين الدين زيدان تحت ضغط متزايد.
وبقيت النتيجة على حالها حتى الدقائق الأخيرة، ما جعل المباراة تبدو وكأنها تتجه إلى خسارة فرنسية على أرضها.
الدقيقة 77 تغيّر كل شيء
التحول الحقيقي بدأ في الدقيقة 77.

ديزيريه دوي أطلق تسديدة من خارج المنطقة أعادت فرنسا إلى المباراة وأشعلت المدرجات، لتتحول المباراة بعدها بالكامل.
الهدف لم يكن مجرد تعادل، بل كان نقطة الانطلاق لهجوم فرنسي كاسح.
وبعد دقائق قليلة، استغل ريان شرقي كرة صنعها مايكل أوليسيه ليسجل الهدف الثاني ويضع فرنسا في المقدمة للمرة الأولى.
عند هذه اللحظة انهار التنظيم الدفاعي البلجيكي، وبدأت المساحات تظهر بصورة واضحة أمام لاعبي فرنسا.
أوليسيه يفرض نفسه نجم المباراة
بعد مساهمته في الهدف الثاني، فرض مايكل أوليسيه نفسه الشخصية الأبرز في اللقاء.
اللاعب سجل هدفين متتاليين، ليحسم المباراة بصورة كاملة ويحوّل النتيجة من 0-1 إلى 4-1 خلال نحو ربع ساعة فقط.
أداء أوليسيه أكد مرة جديدة أنه أصبح واحداً من أهم الأوراق الهجومية في المنتخب الفرنسي في المرحلة الجديدة.
وكان اللاعب نفسه قد سجل هدف الفوز المتأخر في المباراة السابقة أمام بلجيكا في بروكسل، التي انتهت 1-0 لصالح فرنسا، قبل أن يعود ليقود المنتخب إلى انتصار أكبر في باريس.
هذا المستوى يمنح زيدان خياراً هجومياً بالغ الأهمية، خصوصاً في المباريات التي يغيب عنها مبابي أو يحتاج فيها المنتخب إلى حلول مختلفة.
البدلاء يصنعون الفارق
أحد أبرز مفاتيح الفوز الفرنسي كان تأثير البدلاء.
ففرنسا لم تكن الطرف الأفضل من حيث الفاعلية طوال المباراة، لكن تغييرات زيدان قلبت شكل اللقاء تماماً.
دوي وشرقي وأوليسيه لعبوا أدواراً مباشرة في تحويل النتيجة، وهو ما أبرز مرة أخرى حجم العمق الذي يمتلكه المنتخب الفرنسي.
رويترز كانت قد أشارت قبل أيام، بعد فوز فرنسا على بلجيكا في المباراة السابقة، إلى أن المنتخب يظهر عمقاً كبيراً في تشكيلته تحت قيادة زيدان، خصوصاً مع إشراك عدد كبير من اللاعبين الجدد وإجراء تغييرات واسعة في التشكيلة دون فقدان القدرة على تحقيق النتائج.
ما حدث أمام بلجيكا أكد هذه الفكرة بصورة أوضح.
المنتخب الفرنسي لم يحتج إلى مبابي وحده، ولم يعتمد على نجم واحد، بل نجح البدلاء في صناعة المباراة وحسمها.
أول فوز لزيدان على أرضه
المباراة حملت أيضاً أهمية خاصة للمدرب زين الدين زيدان.
فالفوز على بلجيكا كان أول انتصار له على أرضه كمدرب للمنتخب الفرنسي.
زيدان كان قد بدأ مهمته مع فرنسا بسلسلة نتائج جيدة خارج الأرض، لكنه تعادل 1-1 مع إيطاليا في أول مباراة له على ملعب ستاد دو فرانس، قبل أن يحقق الفوز الكبير أمام بلجيكا.
هذا الانتصار يحمل قيمة معنوية كبيرة للمدرب، خصوصاً أنه تحقق بعد سيناريو معقد، وبعد تأخر استمر أكثر من 75 دقيقة.
كما أنه يعزز الثقة في المشروع الجديد الذي يقوده زيدان مع المنتخب الفرنسي.
غياب مبابي لم يمنع فرنسا من الانفجار
غياب كيليان مبابي كان من أهم عناوين المباراة قبل انطلاقها.
لكن الطريقة التي فازت بها فرنسا قد تكون أكثر أهمية من النتيجة نفسها.
فالمنتخب أثبت أنه يمتلك القدرة على تسجيل أربعة أهداف حتى في غياب قائده وأحد أهم مهاجمي العالم.
وهذا الأمر سيمنح زيدان هامشاً أوسع في إدارة التشكيلة مستقبلاً، خصوصاً مع ضغط المباريات والبطولات الدولية.
كما أن تألق دوي وشرقي وأوليسيه يعكس ظهور جيل هجومي جديد قادر على تحمل المسؤولية.
بلجيكا دفعت ثمن الغيابات
المنتخب البلجيكي دخل المباراة أيضاً في ظروف صعبة.
فقد افتقد اثنين من أهم لاعبي وسطه، كيفن دي بروين ويوري تيليمانس، بسبب الإيقاف.
دي بروين كان قد لعب دوراً كبيراً في الفوز السابق على تركيا بنتيجة 3-0، حيث سجل هدفين، لكن غيابه أمام فرنسا ترك فراغاً واضحاً في وسط الملعب، خصوصاً بعد اشتداد الضغط الفرنسي في الدقائق الأخيرة.
ورغم أن بلجيكا نجحت في التقدم والمحافظة على تفوقها لفترة طويلة، فإن الفريق فقد السيطرة على المباراة بشكل كامل بعد هدف التعادل.
فرنسا تنفرد بصدارة المجموعة
الفوز رفع رصيد فرنسا إلى 10 نقاط في صدارة المجموعة الأولى من المستوى الأول في دوري الأمم الأوروبية.
وتأتي إيطاليا في المركز الثاني برصيد 7 نقاط، فيما بقيت بلجيكا عند 6 نقاط، بينما تعاني تركيا في المركز الأخير بعد سلسلة نتائج سلبية.
هذه النتيجة تمنح فرنسا أفضلية مهمة في سباق التأهل إلى الأدوار المقبلة.
كما أنها تضع بلجيكا تحت ضغط كبير في الجولات المتبقية، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على المركزين المؤهلين.
مباراة تحولت في ربع ساعة
المفارقة الكبرى في المباراة أن بلجيكا كانت قريبة من تحقيق فوز ثمين خارج أرضها حتى الدقيقة 77.
لكن خلال دقائق قليلة فقط، انتقلت النتيجة من 1-0 للضيوف إلى 4-1 لفرنسا.
هذا التحول يعكس قدرة المنتخب الفرنسي على رفع الإيقاع بصورة مفاجئة، لكنه يكشف أيضاً عن هشاشة بلجيكية واضحة عند التعرض للضغط.
بعد هدف التعادل، لم يتمكن المنتخب البلجيكي من استعادة توازنه أو إبطاء نسق المباراة.
فرنسا استغلت الارتباك بأقصى صورة ممكنة.
رسالة قوية قبل المرحلة الحاسمة
أهمية الفوز لا تتوقف عند النقاط الثلاث.
فالمنتخب الفرنسي أرسل رسالة واضحة بأنه قادر على تغيير المباريات حتى عندما لا يقدم أفضل مستوياته طوال 90 دقيقة.
كما أثبت زيدان أن لديه حلولاً متعددة على مقاعد البدلاء، وهو عنصر بالغ الأهمية في البطولات الدولية الطويلة.
في المقابل، تحتاج بلجيكا إلى إعادة النظر في قدرتها على إدارة الدقائق الأخيرة والحفاظ على التوازن عند التعرض للضغط.
أما النجم الأكبر في باريس، فكان بلا شك مايكل أوليسيه.
هدفان وصناعة هدف في واحدة من أكثر المباريات جنوناً خلال الجولة، وأداء أكد أن اللاعب أصبح عنصراً رئيسياً في المشروع الفرنسي الجديد.
وبعد الفوز 1-0 في بروكسل ثم الانتصار 4-1 في باريس، تبدو فرنسا بقيادة زيدان وكأنها بدأت ترسم ملامح مرحلة جديدة تقوم على العمق الهجومي، سرعة التحولات، وقدرة البدلاء على حسم المباريات.
وإذا استمر هذا المستوى، فقد لا يكون الفوز على بلجيكا مجرد ليلة استثنائية في باريس، بل مؤشراً إلى منتخب فرنسي يتطور بسرعة قبل المواعيد الكبرى المقبلة.





