وتستند أهمية الاتفاقية إلى الثقل العسكري للدول الثلاث. فبحسب الأرقام المتداولة استنادًا إلى بيانات مؤشر «غلوبال فاير باور» لعام 2026، يبلغ مجموع قواتها العاملة نحو 1.4 مليون عسكري، فيما يصل إجمالي أساطيلها الجوية إلى قرابة 3,415 طائرة، وتمتلك مجتمعة نحو 6,046 دبابة، إضافة إلى أكثر من 179 ألف مركبة مدرعة.
وتشكّل السعودية الركيزة الرئيسية للاتفاقية بفضل ثقلها الاقتصادي والاستراتيجي في الخليج، واستثماراتها الكبيرة في تحديث قواتها المسلحة، ولا سيما القوات الجوية والدفاع الجوي. وتمتلك المملكة منظومة دفاعية متعددة الطبقات تجمع بين «باتريوت» و«ثاد»، إلى جانب شبكة من الرادارات ووسائل الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، بما يعزز قدرتها على رصد التهديدات الجوية والتعامل مع طيف متنوع من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز والطائرات المسيّرة. كما تمنحها قدراتها الجوية المتقدمة وخبرتها في تشغيل المنظومات الغربية قاعدة مهمة لتنسيق العمليات الدفاعية مع الشريكين التركي والباكستاني. وتبرز أهمية الدور السعودي أيضًا في قدرته على توفير التمويل والبنية التحتية والدعم اللوجستي اللازم لتطوير التعاون المشترك، بما يسهم في تعزيز حماية المدن والمنشآت الحيوية وقطاع الطاقة، ويدعم بناء منظومة ردع إقليمية أكثر تنسيقًا في مواجهة التهديدات المتصاعدة.
أما تركيا، فتقدم للاتفاقية قاعدة صناعية دفاعية واسعة وخبرة عملياتية في تطوير الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة وأنظمة الاستطلاع والحرب الإلكترونية. وتمتلك القوات الجوية التركية مقاتلات «إف-16»، إلى جانب برامج لتطوير المقاتلات المحلية، فيما تعمل شركاتها الدفاعية على إنتاج منظومات صاروخية ورادارية ودفاع جوي. ويمكن أن يشمل التعاون مع السعودية تبادل الخبرات التقنية، وتطوير أنظمة الاستشعار والقيادة والسيطرة، وتوسيع الإنتاج المشترك، فضلًا عن التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وتضيف باكستان عنصرًا آخر إلى هذا التوازن، بفضل قواتها المسلحة الكبيرة وخبرتها في تشغيل الطائرات المقاتلة، بما فيها «جيه إف-17 ثاندر» و«إف-16»، فضلًا عن امتلاكها قدرات صاروخية تقليدية واستراتيجية. كما تتمتع إسلام آباد بخبرة في تشغيل منظومات دفاعية متنوعة وتطوير صناعات عسكرية محلية، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون في التدريب والصيانة والإنتاج والتطوير التقني. ومع ذلك، فإن طبيعة القدرات الباكستانية الاستراتيجية والنووية تخضع لحسابات وطنية مستقلة، ولا يعني توقيع اتفاقية دفاعية أن استخدامها يصبح تلقائيًا جزءًا من أي استجابة عسكرية مشتركة.
القوة العسكرية المشتركة براً وجواً وبحراً


وفقاً لمؤشر «غلوبال فاير باور» لعام 2026، الذي يصنف القدرات العسكرية لـ145 دولة، تمتلك الدول الثلاث مجتمعة نحو 1.4 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، و3400 طائرة، و6000 دبابة، وأكثر من 340 قطعة بحرية.
ويقيّم المؤشر الإمكانات العسكرية للدول وقدرتها المحتملة على خوض الحروب في البر والجو والبحر، بالاستناد إلى مجموعة من العوامل، تشمل القوى البشرية والمعدات والموارد الطبيعية والقدرات المالية والموقع الجغرافي.
– القوى البشرية: يبلغ إجمالي عدد العسكريين في الخدمة الفعلية لدى الدول الثلاث نحو 1.4 مليون فرد، تدعمهم قوات احتياطية وتشكيلات شبه عسكرية كبيرة. وتأتي باكستان في المرتبة الأولى من حيث عدد القوات العاملة بنحو 660 ألف عسكري، تليها تركيا بـ481 ألفاً، ثم السعودية بـ247 ألف عسكري.
– القوة الجوية: تشغّل الدول الثلاث مجتمعة 3415 طائرة عسكرية، تشمل المقاتلات والمروحيات وطائرات النقل والتدريب. وتمتلك باكستان نحو 1397 طائرة، تليها تركيا بـ1101 طائرة، ثم السعودية بـ917 طائرة.
– القوات البرية: تمتلك الدول الثلاث نحو 6046 دبابة وأكثر من 179 ألف مركبة مدرعة، إلى جانب آلاف منظومات المدفعية وراجمات الصواريخ متعددة الإطلاق. وتتصدر باكستان القائمة بـ2677 دبابة، تليها تركيا بـ2284 دبابة، ثم السعودية بـ1085 دبابة.
– القوة البحرية: تضم الأساطيل البحرية للدول الثلاث مجتمعة 344 قطعة بحرية، من بينها 33 فرقاطة و24 كورفيتاً و22 غواصة. وتتصدر تركيا هذا المجال بـ192 قطعة بحرية، تليها باكستان بـ120 قطعة، ثم السعودية بـ32 قطعة بحرية.
– الإنفاق الدفاعي: تبلغ الميزانيات الدفاعية للدول الثلاث مجتمعة نحو 124.4 مليار دولار سنوياً. وتتصدر السعودية الدول الثلاث بميزانية عسكرية تبلغ 63.9 مليار دولار في عام 2026، تليها تركيا بـ51.4 مليار دولار، ثم باكستان بـ9.1 مليارات دولار، وفقاً لبيانات «غلوبال فاير باور».
قدرات عسكرية متكاملة


وقال أندرياس كريغ، الأكاديمي ومحلل الشؤون الأمنية ومستشار المخاطر السياسية المتخصص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن أهمية الاتفاقية تكمن في إمكانية تكامل القدرات المختلفة للدول الثلاث وتعزيز إحداها للأخرى.
وأوضح أن السعودية تمثل الركيزة المالية والاستراتيجية لهذا التعاون، بفضل قدراتها الاقتصادية الكبيرة وموقعها الجغرافي الحيوي وبنيتها التحتية المتطورة، إلى جانب دورها المحوري في تنسيق الجهود الإقليمية. وفي المقابل، تتيح الشراكة مع تركيا الاستفادة من قاعدة صناعية دفاعية متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الاستشعار والحرب الإلكترونية والمنظومات البحرية، فضلاً عن الخبرات العسكرية والتقنية المكتسبة من عضويتها في حلف الناتو، بما يوسع خيارات التعاون الدفاعي أمام الرياض ويدعم مساعيها لتنويع مصادر التسليح وتعزيز قدراتها العسكرية.
أما باكستان، فتسهم بالقوى البشرية، ومؤسسة عسكرية كبيرة ذات طابع احترافي، وخبرة عملياتية، وقدرات على إنتاج المعدات الدفاعية، فضلاً عن امتلاكها السلاح النووي.
ماذا تعني الاتفاقية لكل دولة؟
بالنسبة للسعودية، تسهم الاتفاقية في تنويع شراكاتها الدفاعية بعيداً عن الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها، من خلال الاستفادة من القدرات العسكرية التركية المتقدمة والردع النووي الباكستاني، في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب.


وتُعد باكستان واحدة من تسع دول تمتلك أسلحة نووية، وكانت قد أجرت أولى تجاربها النووية عام 1998. ويعتمد البلد، الذي يتجاوز عدد سكانه 250 مليون نسمة، بدرجة كبيرة على الصين في وارداته من الأسلحة.
أما تركيا، التي انضمت إلى حلف الناتو عام 1952، فلا تمتلك أسلحة نووية خاصة بها، لكنها تستضيف رؤوساً نووية أمريكية في إطار ترتيبات المشاركة النووية التابعة للحلف.
وقال ديفيد دي روش، المدير السابق لشؤون شبه الجزيرة العربية في وزارة الدفاع الأمريكية، لقناة الجزيرة، إن الاتفاقية تخدم أيضاً مساعي السعودية لتنويع مصادر تسليحها، في ظل عدم القدرة على التنبؤ باستقرار صادرات الأسلحة الغربية، مشيراً إلى قدرة تركيا وباكستان على توريد معدات وذخائر، مثل قذائف المدفعية عيار 155 ملم، بكميات كبيرة.
وبالنسبة إلى تركيا وباكستان، تفتح الاتفاقية أمام صناعتيهما الدفاعيتين المجال للاستفادة من الأسواق والتمويل السعودي، إذ تمتلك الدولتان قدرات تصنيعية تتجاوز ما تستطيع اقتصاداتهما المحلية استيعابه أو دعمه بمفردها.
من جانبه، قال زيد بلباغي، الشريك الإداري في شركة «هاردكاسل أدفايزوري»، لقناة الجزيرة، إن الاتفاقية تنطوي على رهانات مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
وأوضح: «باكستان تتلقى مساعدات أمريكية، والسعودية أكبر مشترٍ أجنبي للمعدات العسكرية الأمريكية، بينما تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، ولذلك فإن حضور الولايات المتحدة في خلفية هذه الاتفاقية يثير اهتماماً كبيراً».
وأضاف كريغ أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بأهمية كبيرة، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والدفاع الصاروخي المتقدم والتكنولوجيا العسكرية عالية المستوى. لكنه أشار إلى أن القوى الإقليمية تسعى إلى تحويل مواردها الذاتية إلى قدرات عملية، بدلاً من الاعتماد على شراء احتياجاتها من واشنطن.
وقال كريغ: «كان النموذج القديم يعتمد بدرجة كبيرة على نظام المحور والأطراف، حيث تقف واشنطن في المركز وتتجه الدول منفردةً إلى الولايات المتحدة للحصول على الأمن. أما ما يتشكل الآن فهو ترابط أفقي بين القوى الإقليمية».
ما الدول الأخرى التي قد تنضم إلى الاتفاقية؟
تُعد مصر الدولة الوحيدة التي طُرح احتمال انضمامها علناً إلى الاتفاقية من جانب إحدى الدول الموقعة عليها.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد وصف مصر بأنها «شريك طبيعي»، معرباً عن توقعه انضمام القاهرة إلى الاتفاقية بعد حل المسائل الفنية العالقة.
وقال كريغ إن الثقل العسكري المصري وموقع البلاد الاستراتيجي وسيطرتها على قناة السويس من شأنها أن تجعل انضمامها إضافة مهمة إلى الاتفاقية.
لكن محللين أشاروا إلى أن القاهرة قد تتحفظ على الالتزامات العسكرية الملزمة وما قد يترتب عليها من تأثير في اتفاقياتها القائمة.
وقال كريم الجندي، من مركز «تشاتام هاوس» للأبحاث، إن مصر قد لا تنضم إلا إذا كانت صياغة الاتفاقية تحمي علاقتها بالمساعدات الأمريكية، ولا تقوض تحالفاتها القائمة ومعاهدات السلام، وتحافظ على حريتها في اتخاذ قرار بشأن توقيت ومكان خوض أي مواجهة عسكرية.





