من بيروت، نقرأ العالم
العرب والعالم

الجنائية الدولية تندد بالعقوبات الأمريكية وتصفها بالاعتداء على سيادة القانون

أعربت المحكمة الجنائية الدولية عن تنديدها الشديد بالقرارات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية وقيود على موظفيها. ووصفت المحكمة في بيان رسمي…

أعربت المحكمة الجنائية الدولية عن تنديدها الشديد بالقرارات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية وقيود على موظفيها. ووصفت المحكمة في بيان رسمي هذه الإجراءات بأنها اعتداء مباشر على سيادة القانون والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القضائي العالمي.

وشددت المحكمة على أن هذه الضغوط تهدف بوضوح إلى ترهيب القضاة والمدعين العامين وعرقلة مسار العدالة الدولية. وأكدت أن التاريخ سيسجل هذه اللحظة كشاهد على محاولة تقويض مؤسسة أُنشئت لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الكبرى من العقاب.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن بلاده ستحظر أي تعاملات مالية أو قانونية مع ما وصفها بـ ‘المحكمة المارقة’. وتأتي هذه الخطوة في إطار تصعيد تقوده إدارة الرئيس دونالد ترمب لتفكيك الهيئة القضائية الدولية التي تتخذ من لاهاي مقراً لها.

وبررت وزارة الخارجية الأمريكية هذه العقوبات برغبة واشنطن في حماية سيادتها ومواطنيها من أي ملاحقات قضائية دولية. واعتبرت الإدارة الأمريكية أن تحركات المحكمة تشكل تهديداً للمصالح القومية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

وفي رد فعل حازم، أكدت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني أن المؤسسة لن تتراجع عن أداء ولايتها القانونية. وقالت أكاني إن المحكمة ستواصل العمل بكل استقلالية وحياد، مستندة فقط إلى الأدلة والقانون لإنصاف ضحايا الجرائم الخطيرة حول العالم.

ووجهت المحكمة نداءً عاجلاً إلى الدول الأعضاء البالغ عددها 125 دولة للوقوف في وجه هذه الضغوط وحماية استقلالية القضاء الدولي. وأشارت إلى أن مصير العدالة الدولية يعتمد الآن على مدى تماسك الدول التي وقعت على نظام روما الأساسي.

وعلى الصعيد الدولي، وصف الاتحاد الأوروبي العقوبات الأمريكية بأنها ‘مؤسفة للغاية’ وتتعارض مع الالتزامات الدولية. وأكدت المفوضية الأوروبية استعدادها لاتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان استمرار المحكمة في أداء مهامها دون عوائق خارجية.

وأعربت بروكسل عن أملها في استغلال مهلة الأشهر الستة التي تسبق دخول العقوبات حيز التنفيذ لفتح قنوات حوار مع واشنطن. وشدد الاتحاد الأوروبي على أنه سيعمل عن كثب مع المحكمة لضمان عدم تأثر تحقيقاتها الجارية بالقرارات الأمريكية.

وفي سياق متصل، أصدر وزراء خارجية كندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا وبريطانيا والدنمارك بياناً مشتركاً. وأعلن الوزراء في بيانهم عن وحدة موقفهم في دعم المحكمة الجنائية الدولية ورفضهم لأي محاولات للتدخل في شؤونها القضائية.

وجددت هذه الدول التزامها الثابت بنظام روما الأساسي، مؤكدة أن استقلال المحكمة ونزاهتها هما حجر الزاوية في مكافحة الإفلات من العقاب. واعتبر البيان أن استهداف المحكمة هو استهداف للقيم المشتركة التي تجمع المجتمع الدولي.

يُذكر أن التوتر بين واشنطن ولاهاي تصاعد بشكل حاد عقب تحقيقات المحكمة في الجرائم المرتكبة بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأتي العقوبات الأمريكية كرد فعل مباشر على مذكرات التوقيف التي صدرت بحق مسؤولين إسرائيليين، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو.

وتتهم واشنطن المحكمة بتجاوز صلاحياتها من خلال ملاحقة مواطني دول ليست أعضاء في نظام روما الأساسي. وتعتبر الإدارة الأمريكية أن التحقيقات المتعلقة بالحرب في قطاع غزة هي تحقيقات مسيسة تستهدف حليفتها الأبرز في الشرق الأوسط.

وتأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 كأول محكمة دولية دائمة قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب. ومنذ ذلك الحين، واجهت المحكمة تحديات سياسية كبرى، لكن العقوبات الأمريكية الحالية تعد الاختبار الأصعب لمستقبلها.

ويرى مراقبون أن هذه المواجهة القانونية والسياسية ستحدد ملامح النظام الدولي في السنوات القادمة. فبينما تحاول واشنطن فرض رؤيتها للسيادة الوطنية، تسعى المحكمة وحلفاؤها الدوليون لتثبيت مبدأ المساءلة العالمية الشاملة.

الخروج من نسخة الجوال