وكسب صفقة جافلين دلالة خاصة بالنسبة إلى مصر، بالنظر إلى أن هذا الصاروخ كان لسنوات من بين المنظومات الأمريكية المتقدمة التي لم تكن ضمن الأسلحة المتاحة للقاهرة، في ظل اعتبارات سياسية وقيود تتعلق بنقل بعض القدرات العسكرية الحساسة. ومن ثم، فإن موافقة واشنطن على بيع مصر ما يصل إلى 2,020 صاروخًا من طراز FGM-148F ، إلى جانب 200 وحدة إطلاق خفيفة LWCLU ، وبقيمة إجمالية تقدر بنحو 832 مليون دولار، تعكس توسعًا واضحًا في مستوى ونوعية التجهيزات العسكرية الأمريكية التي يمكن أن تحصل عليها القوات المسلحة المصرية.
ولا تتوقف أهمية التطور عند جافلين نفسه، فالقاهرة تعمل منذ سنوات على توسيع قاعدة مورديها العسكريين وعدم الاعتماد على مصدر واحد للتسليح. وفي المقابل، شهد التعاون المصري الصيني زخمًا متزايدًا، بالتزامن مع تقارير عن محادثات وصفقات محتملة للحصول على مقاتلات صينية متطورة، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى العلاقة الدفاعية بين مصر والولايات المتحدة ويجعل الحفاظ على موقع واشنطن كمورد رئيسي للتجهيزات المتقدمة للقاهرة أكثر أهمية.
وفي هذا السياق، يبرز ملف AIM-120 AMRAAM باعتباره أحد الأسلحة التي قد تكتسب أهمية متزايدة في حال مضي مصر قدمًا في برنامج إف-16 بلوك 70/72. ويختلف الأمرام عن جافلين من حيث المهمة، فهو صاروخ جو-جو بعيد المدى مصمم للاشتباك مع الطائرات المعادية خلف مدى الرؤية (BVR)، ويستخدم باحثًا راداريًا نشطًا في المرحلة النهائية من الاشتباك، ما يسمح للمقاتلة بإطلاق الصاروخ ثم تقليل اعتمادها على التوجيه المستمر أثناء الجزء الأخير من مساره.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال عند النظر إلى التطور الكبير الذي تمثله إف-16 بلوك 70/72 مقارنة بالإصدارات الأقدم من المقاتلة. فالنسخة الحديثة تتضمن رادار AN/APG-83 AESA ، ونظامًا متطورًا لإدارة المهام، وتحسينات في الحرب الإلكترونية والاتصالات ومعالجة البيانات، إلى جانب تحديثات في قمرة القيادة وأنظمة عرض المعلومات.
وفي حال اقترنت مقاتلات إف-16 بلوك 70/72 المصرية مستقبلًا بحزمة تسليح تضم AIM-120 AMRAAM ، فسيعني ذلك تعزيز قدرة القوات الجوية المصرية في القتال الجوي بعيد المدى وخلف مدى الرؤية BVR ، بما يضيف مستوى جديدًا إلى القدرات القتالية لطائرات إف-16 المصرية. وهنا تكمن أهمية AMRAAM ، إذ إن امتلاك المقاتلة الحديثة وحده لا يعكس كامل إمكاناتها القتالية ما لم يقترن بتسليح يسمح باستغلال قدراتها في الاشتباك الجوي بعيد المدى.
وكشفت تقارير حديثة أن مصر قدمت بطلب رسمي إلى الولايات المتحدة للحصول على مقاتلات جديدة من طراز إف-16 بلوك 70/72 خلال معرض العلمين الدولي للطيران 2026، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من مساعي القاهرة لتجديد جانب من أسطولها القديم من مقاتلات إف-16. ووفق التقارير، جرى تقديم الطلب بصورة غير معلنة خلال فعاليات المعرض، بينما لم يصدر حتى الآن إعلان أمريكي رسمي عن إخطار الكونغرس بصفقة مصرية بهذا الخصوص.
وتزامن ذلك مع حضور قوي لشركة “لوكهيد مارتن” في معرض العلمين، حيث عرضت للمرة الأولى في مصر جهاز محاكاة تفاعليًا لقمرة قيادة إف-16 بلوك 70/72، إلى جانب مشاركة مقاتلات إف-16 ضمن العرض الأمريكي، ما يعكس استمرار طرح المنظومة أمام الجانب المصري في إطار التعاون الدفاعي بين القاهرة وواشنطن.
ويكتسب العامل الصيني أهمية خاصة في هذا المشهد. فالتقارب العسكري المصري الصيني، إلى جانب الأنباء المتعلقة باحتمال حصول القاهرة على مقاتلات صينية متطورة، قد يدفع الولايات المتحدة إلى جعل عروضها الدفاعية أكثر جاذبية، خصوصًا في المجالات التي تمتلك فيها واشنطن تقنيات متقدمة وتاريخًا طويلًا من التعاون مع القوات المسلحة المصرية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن صفقة جافلين أو احتمال حصول مصر على الأمرام جاءا كرد مباشر على التقارب المصري الصيني. لكن تزامن هذه التطورات يسلط الضوء على المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة ومصادر التسليح الأخرى على موقع داخل منظومة التسليح المصرية.
ويختلف ملف الأمرام أيضًا عن جافلين من حيث دلالته التقنية والسياسية، إذ إن السماح بتزويد مصر بصاروخ جو-جو أمريكي متقدم، بالتزامن مع مقاتلات إف-16 بلوك 70/72، سيكون تطورًا مهمًا في مستوى القدرات القتالية التي يمكن أن تحصل عليها القاهرة من واشنطن. كما سيمنح ذلك مصر قدرة أكثر تطورًا على خوض الاشتباكات الجوية بعيدة المدى، بالاستفادة من رادار AESA وقدرات معالجة المعلومات والربط بين المستشعرات والأسلحة.
يختلف مدى صاروخ AIM-120 AMRAAM باختلاف النسخة وظروف الإطلاق، في وقت لا تكشف الولايات المتحدة عادةً عن المدى الأقصى الدقيق للنسخ الأحدث. وتشير التقديرات المتداولة إلى أن مدى الاشتباك للنسخ المتقدمة، مثل AIM-120D ، قد يصل إلى نحو 160–180 كيلومترًا أو أكثر في ظروف مواتية، بينما تُقدَّر قدرات نسخ أقدم مثل AIM-120C-7/C-8 بنحو 105–120 كيلومترًا.
ولا يمثل المدى النظري للصاروخ بالضرورة المسافة التي يمكن عندها تحقيق إصابة فعالة؛ إذ يتأثر المدى العملياتي الفعلي بعوامل عديدة، أبرزها ارتفاع وسرعة الطائرة عند الإطلاق، واتجاه الهدف، وسرعته، وقدرته على المناورة، والظروف الجوية والإلكترونية. كما يمنح إطلاق الصاروخ من ارتفاع وسرعة أكبر طاقة حركية إضافية تساعد على زيادة المسافة التي يمكنه قطعها، ولذلك تُعد منطقة الاشتباك الفعالة مؤشرًا أكثر أهمية من مجرد المدى الأقصى المعلن أو المقدر.
ولا تستمد صفقة جافلين أهميتها من حجمها فحسب، بل من توقيتها أيضًا، إذ تأتي في مرحلة تعمل فيها مصر على إعادة ترتيب مزيج مصادر تسليحها وتوسيع خياراتها الدفاعية، بالتزامن مع تنامي التعاون العسكري المصري الصيني، وهو تطور تتابعه واشنطن عن كثب. وفي حال تزامنت هذه الخطوة مع إحراز تقدم لاحق في مسار الحصول على مقاتلات إف-16 بلوك 70/72، ثم موافقة الولايات المتحدة على تسليحها بصواريخ AIM-120 أمرام، فإن ذلك قد يشير إلى توسع ملحوظ في نطاق ونوعية الأسلحة الأمريكية المتقدمة التي يمكن أن تصبح متاحة للقوات المسلحة المصرية، بما يتجاوز مجرد إضافة منظومة جديدة مضادة للدروع إلى الترسانة المصرية.
