من بيروت، نقرأ العالم
عين على العدو

رسائل الطمأنة وقنوات التفاوض.. هكذا أخفت حماس استعداداتها لهجوم 7 أكتوبر؟

وبحسب الدراسة التي أعدّها المقدم في الاحتياط يوناثان داحوح هاليفي، ونشرها مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، استمرت التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية حتى مساء السادس من…

وبحسب الدراسة التي أعدّها المقدم في الاحتياط يوناثان داحوح هاليفي، ونشرها مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، استمرت التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية حتى مساء السادس من أكتوبر في تلقي مؤشرات تفيد بأن الأوضاع في قطاع غزة تسير بصورة اعتيادية، رغم وجود مؤشرات أخرى على استعدادات عسكرية محتملة، في إخفاق كشف، وفق الرواية الواردة في الدراسة، عن قدرة حماس على استثمار التناقض بين المعلومات المتاحة والتقديرات التي بنتها الأجهزة الأمنية.

وتعيد الدراسة، التي تناولتها وسائل إعلام عبرية، بناء مسار الخداع منذ عام 2022، حين سعت حماس، وفق استنتاجات معدّها، إلى ترسيخ انطباع لدى الاحتلال بأن سياسة التهديد العسكري والتسهيلات الاقتصادية التي اتبعها تجاه قطاع غزة أسهمت في احتواء المواجهة، وأن الحركة باتت أكثر انشغالاً بإدارة شؤون القطاع وتحسين الظروف المعيشية لسكانه.

عملاء مزدوجون ومعلومات مضللة

وتشير الدراسة إلى أن إحدى حلقات الخداع ارتبطت بشبكة تجسس إسرائيلية قالت الحركة إنها اكتشفتها عام 2017، قبل أن تتمكن من تجنيد بعض أفرادها وتحويلهم إلى عملاء مزدوجين يعملون بتوجيه منها، وفق شهادة لقيادي في الجناح العسكري لحماس استند إليها هاليفي.

وفي موازاة ذلك، أظهرت التحقيقات الإسرائيلية في إخفاقات السابع من أكتوبر وجود مؤشرات سبقت الهجوم، لكنها لم تؤدِّ إلى تغيير التقدير العام بشأن نية حماس شن هجوم واسع.

وبحسب ما أوردته الدراسة عن تحقيق جيش الاحتلال، ظهرت في السادس من أكتوبر مؤشرات على استعدادات محتملة للهجوم، تزامناً مع إشارات أخرى عززت الاعتقاد بأن الوضع لا يستدعي رفع مستوى التأهب. كما نقلت عن تحقيق جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” أن مصادر استخباراتية بشرية قدمت معلومات تفيد بأن نشاط الحركة يجري بصورة اعتيادية.

وتستند الدراسة كذلك إلى تصريحات سابقة لقيادات في حماس أقرت باستخدام التضليل ضمن التحضير للهجوم. ففي مقابلة أُجريت أواخر عام 2023، قال القيادي خالد مشعل إن الحركة مارست تضليلاً استراتيجياً وتكتيكياً، شمل تمرير رسائل أوحت بأن قطاع غزة منشغل بأزماته الداخلية، وبالحصول على الوقود والكهرباء والمساعدات، والسعي إلى تحسين الظروف المعيشية في ظل الحصار.

ووفق مشعل، ساهم عدم رد الحركة على التصعيد الإسرائيلي في القدس المحتلة والمسجد الأقصى خلال شهر رمضان عام 2023 في تعزيز هذا الانطباع لدى الاحتلال. فقد دفع غياب الرد، رغم تصاعد الاعتداءات، إلى الاعتقاد بأن حماس لا تسعى إلى مواجهة جديدة، وأن أولوياتها تتركز في إدارة القطاع.

وتربط الدراسة استراتيجية الخداع التي تتحدث عنها بالتجربة المصرية في حرب أكتوبر عام 1973، إذ قال مشعل إنه استلهم منها بعض الأفكار المتعلقة بإخفاء النوايا العسكرية وإبقاء الخصم أسير تقدير خاطئ للموقف.

وبحسب التصريحات التي نقلتها الدراسة، رأى مشعل أن التضليل الفعّال لا يعتمد على تقديم معلومة كاذبة بصورة مباشرة فحسب، بل على بناء انطباع عام يجعل الخصم يستنتج أن المواجهة غير وشيكة. وشمل ذلك، وفق الرواية ذاتها، إخفاء التحضيرات العسكرية والاستفادة من شبكة الأنفاق.

وفي سياق متصل، أوردت الدراسة تصريحات للمعلق السياسي عصام شاور، أشار فيها إلى أن حماس تابعت أسلوباً مشابهاً من التضليل قبل أشهر من هجوم أكتوبر، عندما نفذ الاحتلال عملية “الدرع والسهم” ضد حركة الجهاد الإسلامي في مايو/أيار 2023.

وقال شاور، بحسب ما نقلته الدراسة، إن الاحتلال أبلغ حماس قبل العملية بيوم بأنه سيسمح بتحويل المنحة المالية القطرية لصرف رواتب موظفي القطاع العام، وهو ما اعتبره مثالاً على استخدام التسهيلات الاقتصادية في سياق التمهيد لعملية عسكرية.

كما نقلت الدراسة عن صحفيين فلسطينيين حديثهم عن مسارين متوازيين للخداع: الأول تمثل في تعزيز الاعتقاد بأن أي مواجهة مقبلة ستتركز على الأنفاق، والثاني في ترسيخ القناعة بأن سياسة التهديدات والتسهيلات الاقتصادية نجحت في احتواء حماس والحد من رغبتها في التصعيد.

قناة اتصال قبل الهجوم

وتفرد الدراسة مساحة واسعة لقناة الاتصالات التي تولّاها وزير شؤون الأسرى الفلسطيني السابق سفيان أبو زايدة، الذي تقول إن اتصالاته مع حماس ومسؤولين إسرائيليين ربما أسهمت في تعزيز الاعتقاد بإمكانية التوصل إلى صفقة تبادل أسرى.

ووفق رواية هاليفي، أجرى أبو زايدة اتصالات مع قيادات في حماس بشأن اتفاق محتمل لتبادل الأسرى، والتقى القيادي غازي حمد في غزة، الذي أبلغه بأن يحيى السنوار وافق على المضي في الاتفاق. وبعد عودته إلى الجانب الإسرائيلي، تواصل أبو زايدة مع ضابط متقاعد في “الشاباك”، ما أتاح ترتيب لقاءات مع مسؤولين في الجهاز.

وتشير الدراسة إلى أن أبو زايدة التقى السنوار في غزة في يوليو/تموز 2022، حيث بحث معه أولويات الحركة بشأن اتفاق محتمل للإفراج عن الأسرى. ويرى هاليفي أن هذه الاتصالات دفعت الجانب الإسرائيلي إلى التعامل بجدية أكبر مع إمكانية التوصل إلى اتفاق، لافتاً إلى أن رئيس “الشاباك” آنذاك رونين بار التقى أبو زايدة شخصياً للاستماع إلى مطالب حماس.

وبحسب ما أورده معدّ الدراسة عن رواية أبو زايدة، طلب بار منه نقل رسالة إلى السنوار تفيد باستعداد الاحتلال للمضي في إجراءات اقتصادية واسعة في القطاع. وتطورت الاتصالات، وفق الرواية نفسها، إلى مناقشة أسماء الأسرى الذين يمكن الإفراج عنهم، مع تبادل مسودات لاتفاق محتمل.

وتكتسب هذه القناة أهمية خاصة في الدراسة بسبب استمرار الاتصالات حتى الأسابيع التي سبقت الهجوم، إذ تشير إلى أن أبو زايدة التقى السنوار مجدداً في 14 سبتمبر/أيلول 2023، بعد يومين من المناورة العسكرية السنوية الكبرى لحماس.

وخلال اللقاء، أملى السنوار، وفق ما أورده هاليفي، رسالة إلى الجانب الإسرائيلي تفيد بأن الحركة ستقدم قبل نهاية سبتمبر أوراقاً من شأنها إحداث “زلزال” في المفاوضات، داعياً إلى الاستعداد لإفراغ السجون في إطار اتفاق محتمل. وطلب منه نقل الرسالة إلى مسؤولي “الشاباك” الذين يتواصل معهم.

وبحسب الدراسة، كان من المقرر عقد لقاء جديد بين أبو زايدة والسنوار في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، أي بعد يوم من هجوم السابع من أكتوبر. وتوجه أبو زايدة إلى الجانب الإسرائيلي لنقل الرسالة، قبل أن يعود إلى غزة في الخامس من أكتوبر استعداداً للقاء المرتقب.

ويذهب هاليفي إلى احتمال أن تكون هذه الاتصالات قد ساهمت في إبقاء الجانب الإسرائيلي منشغلاً بتقديرات تتعلق بصفقة تبادل وتسهيلات اقتصادية، بينما كانت الحركة تستعد للهجوم. غير أن هذا الاستنتاج يظل تفسيراً يقدمه معدّ الدراسة لمسار الاتصالات، ولا يكفي وحده لإثبات أن جميع تفاصيل المفاوضات كانت جزءاً من خطة تضليل متكاملة.

حسابات حماس

وفي جانب آخر، تناولت الدراسة متابعة حماس للأزمة السياسية الداخلية في “إسرائيل” خلال عام 2023، ولا سيما الاحتجاجات على خطة إضعاف القضاء وإعلانات جنود الاحتياط رفضهم مواصلة الخدمة التطوعية.

وبحسب هاليفي، أظهرت وثائق وتصريحات ومنشورات لمسؤولين في حماس أن الحركة تابعت هذه التطورات، واعتبرتها عاملاً مؤثراً في قدرة جيش الاحتلال وفي صورة الردع الإسرائيلي.

ونقلت الدراسة عن تقرير نشرته صحيفة “معاريف” العبرية أن الاستخبارات العسكرية التابعة لكتائب القسام أوصت السنوار، في يوليو/تموز 2023، بتأجيل المواجهة العسكرية إلى حين تعمّق الأزمة الداخلية الإسرائيلية. ووفق التفسير الذي طرحه هاليفي، عززت التطورات اللاحقة تقدير قيادة حماس بأن الانقسام الداخلي الإسرائيلي أوجد فرصة يمكن استغلالها.

وطرحت “معاريف”، في السياق نفسه، تساؤلات بشأن ما إذا كانت قناة الاتصالات التي أدارها أبو زايدة قد تداخلت مع حسابات السنوار المتعلقة بتوقيت الهجوم، وما إذا كانت المفاوضات قد أسهمت في تعزيز التقديرات الإسرائيلية الخاطئة.

وتقدم الدراسة، في مجملها، رواية إسرائيلية عن إخفاقات التقدير الاستخباراتي قبل السابع من أكتوبر، تربط بين المعلومات البشرية المضللة، والرسائل السياسية، والمفاوضات الاقتصادية ومفاوضات الأسرى، ومتابعة الانقسام الداخلي الإسرائيلي. وتبقى هذه الرواية، بما تتضمنه من استنتاجات بشأن دوافع الحركة وأهداف اتصالاتها، منسوبة إلى معدّ الدراسة والمصادر التي استند إليها.

الخروج من نسخة الجوال