فحين تُستحضر ذاكرة ضحايا السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من حق العالم أن يتذكّر أيضا أن الفلسطينيين يحملون ذاكرتهم الخاصة؛ ذاكرة لم تبدأ في ذلك اليوم، ولم تنتهِ بعده.
من دير ياسين إلى الطنطورة، ومن أبو شوشة وإيلابون إلى الدوايمة والقبيّة، تتراكم في الذاكرة الفلسطينية أسماء مجازر وعمليات قتل وتهجير تركت آثارها في أجيال متعاقبة. واليوم، تُضاف إلى هذه الذاكرة فصول جديدة من الألم في قطاع غزة.
غزة ليست رقما
خلف كل رقم إنسان، وخلف كل طفل قُتل عائلة، وخلف كل منزل دُمّر قصة وحياة وذكريات. وحين تُختزل المأساة في إحصاءات، يصبح من السهل على العالم أن يعتاد الألم، وأن تتحوّل المأساة الإنسانية إلى مجرّد أرقام في نشرات الأخبار. لكن غزة ترفض أن تكون رقما.
إن الحديث عن الضحايا لا ينبغي أن يكون انتقائيا. فالحزن على المدنيين لا يمكن أن يكون حزنا على بعض الضحايا وصمتا عن آخرين. والذاكرة الإنسانية الحقيقية لا تختار ضحاياها وفقا لهويتهم أو جنسيتهم أو موقعهم السياسي.
ولهذا، فإن الموقف الذي ظهر خلال مباراة إسرائيل وأيرلندا حمل، بالنسبة إلى كثيرين، دلالة تتجاوز كرة القدم. فحين ارتدى لاعبو أيرلندا الشارات السوداء وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف النشيد الإسرائيلي، كانت الصورة تفتح مساحة للتأمل في معنى التضامن الإنساني، وفي قدرة الرياضة، أحيانا، على أن تصبح مرآة لما يحدث خارج الملعب. لم تكن القضية في الشارات وحدها، وإنما في السؤال الذي طرحته: هل يمكن أن نتذكر ضحايا وننسى ضحايا آخرين؟
غزة تقول إن الإجابة يجب أن تكون: لا. فالطفل الفلسطيني الذي فقد حياته تحت أنقاض منزله ليس أقل إنسانية من أي طفل آخر. والأم التي تبحث عن طفلها بين الركام لا يقل ألمها عن ألم أي أم في العالم. والعائلة التي فقدت منزلها وأفرادها وأمانها لا تحتاج إلى تبرير إنسانيتها كي تستحق التعاطف.
إن التضامن مع غزة ليس موقفا ضد شعب أو دين أو قومية، بل هو موقف مع الإنسان، ومع حق المدنيين في الحياة والأمان والكرامة. وهو رفض لتحوّل الحرب إلى مساحة يصبح فيها موت المدنيين أمرا عاديا، أو يصبح الصمت أمام معاناتهم موقفا مقبولا.
واليوم، بعد سنوات طويلة من الصراع، يبقى السؤال الأكبر: متى تصبح حياة الفلسطيني والإسرائيلي متساوية في نظر الضمير الإنساني؟
متى يصبح قتل المدنيين مأساة، بصرف النظر عن هوية الضحية؟
ومتى ندرك أن العدالة لا يمكن أن تبدأ بذاكرة وتنتهي بذاكرة أخرى؟
إن غزة لا تطلب من العالم أن ينسى ضحايا أي طرف، بل تطلب شيئا أبسط وأعمق: ألا يُنسى ضحاياها. أن تُذكر أسماؤهم، وأن تُسمع قصصهم، وأن يُنظر إلى أطفالها باعتبارهم أطفالا قبل أن يكونوا أرقاما في إحصاءات الحرب. وأن تبقى الذاكرة الفلسطينية حاضرة، لا لتوريث الكراهية، وإنما حتى لا يتحوّل النسيان إلى غطاء جديد للعنف.
ربما تنتهي المباريات بعد تسعين دقيقة، وتغادر الجماهير الملاعب، وتعود الأضواء إلى مدنها. لكن في غزة، هناك أمهات لا تنتهي مباراتهن مع الحزن. هناك آباء يبحثون عن أبنائهم، وهناك أطفال لم يعودوا يعرفون شكل الحياة التي كانت قبل الحرب.
ولهؤلاء جميعا، تبقى الرسالة الأهم: لسنا بحاجة إلى ذاكرة تختار من يستحق الحزن؛ نحتاج إلى ذاكرة إنسانية تتّسع للجميع. وغزة تستحق أن تُسمع، وأن تُرى، وأن تُذكر.
غزة ليست رقما… غزة إنسان.
