لطالما شكّلت الحروب والقضايا الأمنية عنصرًا أساسيًا في المشهد الانتخابي لكيان العدو، إذ لم تكن المواجهات العسكرية وحدها مادة للاستثمار السياسي، بل تحوّلت قرارات الحرب والسلم والانسحابات إلى أدوات لاستقطاب الناخبين. ففي انتخابات عام 1999، جعل إيهود باراك الانسحاب من جنوب لبنان أحد أبرز تعهّداته الانتخابية، قبل أن ينفّذه في أيار 2000. وفي محطات لاحقة، حضرت الحروب على لبنان وغزة في حسابات قيادات العدو وصراعاته على السلطة.
واليوم، تعود هذه العلاقة بين الأمن والانتخابات إلى الواجهة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي لكيان العدو، في ظل تداعيات العدوان على مختلف الجبهات، ولا سيما العدوان على إيران، والدعم الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس وزراء كيان العدو بنيامين نتنياهو، وما يرافق ذلك من إعادة رسم للتحالفات السياسية وتصاعد انتقادات المعارضة الساخرة من استراتيجية نتنياهو للأمن القومي.
ومن هنا تبرز الإشكالية الرئيسية: إلى أي مدى يستطيع بنيامين نتنياهو توظيف الحروب وخطاب الأمن القومي والدعم الأميركي لتعزيز موقعه في مواجهة المعارضة خلال الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟ وما التداعيات المحتملة لنتائج هذا الاستحقاق على التوازنات الإقليمية ومستقبل العلاقات مع الدول العربية الموقّعة على الاتفاقيات الإبراهيمية؟
- الخريطة الانتخابية: موازين القوى السياسية والتحالفات وسيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة
تُجرى انتخابات الكنيست السادس والعشرين في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لاختيار 120 نائبًا، وسط منافسة لا تمنح فيها الاستطلاعات الأخيرة أيًّا من المعسكرات الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، والبالغة 61 مقعدًا. ويأتي هذا الاستحقاق للمرة الأولى منذ عملية السابع من أكتوبر2023، وما أعقبه من عدوان على غزة ولبنان وإيران.
وكان الكنيست الخامس والعشرون قد حلّ نفسه رسميًا في 17 تموز/يوليو 2026، بعد إتمام ولايته، لتكون هذه أول انتخابات لا تُجرى مبكرًا منذ عام 1988. وتسبق اقتراعَ الداخل عمليةُ تصويت الدبلوماسيين في البعثات الخارجية، المقررة في 20 تشرين الأول/أكتوبر. وتدخل الحكومة السابعة والثلاثون، برئاسة بنيامين نتنياهو، هذا الاستحقاق بوصفها أول حكومة تُكمل ولايتها منذ انتخابات عام 1973.هذا ما ورد ضمن تقرير لمركز الاتحاد للدراسات والتوثيق تحت عنوان “خارطة التنافس الانتخابي الصهيوني”19/10/2026
يعتمد كيان العدو التمثيل النسبي بقوائم مغلقة ضمن دائرة انتخابية وطنية واحدة، إذ يصوّت الناخب لقائمة حزبية لا لمرشّح بعينه. ويتألف الكنيست من 120 مقعدًا، تُوزَّع نسبيًا بين القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة، فيما تبلغ الأغلبية البرلمانية 61 مقعدًا.

يعرض الجدول أدناه المقاعد الحالية للكتل في الكنيست الخامس والعشرين، وفق القائمة الرسمية للنواب، مقابل نتائج أربعة استطلاعات: استطلاعين أجراهما معهد «كانتر» لصالح قناة «كان 11» بتاريخَي 4 و11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، واستطلاعَي القناة 14 وi24NEWS المنشورَين في 18 من الشهر نفسه. يُظهر الجدول تفاوتًا ملحوظًا في تقديرات قوة الليكود، التي تتراوح بين 20 و29 مقعدًا، بفارق تسعة مقاعد، وهو الأوسع بين الأحزاب الرئيسية الواردة فيه. في المقابل، تتقارب تقديرات “يشار” بين 21 و23 مقعدًا، ما يضعه في منافسة مع الليكود على المرتبة الأولى.
وتتراوح تقديرات “معًا/بيحياد” بين 10 و13 مقعدًا، و”عوتسما يهوديت” بين 7 و10 مقاعد، بما يشير إلى أن قوة المعسكر اليميني تتأثر بنتائج حلفاء الليكود أيضًا. أما “الديمقراطيون”، فتبدو تقديراته أكثر استقرارًا، بين 8 و9 مقاعد، مقابل 6 إلى 9 مقاعد لـ”إسرائيل بيتنا”.
وتبرز أهمية “الاحتياطيون–الاقتصاد” و”عمخا يسرائيل”، إذ يتأرجح كل منهما بين البقاء دون نسبة الحسم والحصول على أربعة مقاعد؛ وهو تفاوت قد يؤثر في توازن المعسكرات وحسابات تشكيل الأغلبية.
وتعبّر هذه النطاقات عن أدنى التقديرات وأعلاها في الاستطلاعات الأربعة الواردة في الجدول، ضمن تواريخ إجرائها، ولا تمثّل توقعًا مضمونًا للنتائج النهائية.

وبعيدًا عن حسابات المقاعد، تبرز طبيعة التحالفات ومدى تماسكها عاملًا مؤثرًا في فرص تشكيل الحكومة. وفي هذا الإطار يرى مراسل قناة المنار في الضفة الغربية ديب حوراني، أنّ لكلٍّ من المعسكرين خصوصيته في السباق الانتخابي الإسرائيلي؛ فمعسكر نتنياهو يتمتّع بانسجام أيديولوجي وسياسي، وتجد مكوّناته في الحفاظ على تماسكه الفرصة الوحيدة لاستمرارها في الحكم.
في المقابل، يوضح أنّ المعسكر المعارض يفتقر إلى هذا الانسجام، وتجمعه معارضة نتنياهو أكثر مما يجمعه برنامج سياسي موحّد. وتتباين داخله المقاربات المتعلّقة بالعلاقة مع الغرب، ولا سيّما الولايات المتحدة، على الرغم من اعتبار هذه العلاقة ركيزة أساسية لبقاء الكيان الصهيوني. ويشير إلى أنّ أحد أبرز التباينات داخل المعارضة يتّصل بالعلاقة مع الأحزاب الدينية؛ إذ تتّخذ القوى العلمانية، مثل «هناك مستقبل» و«إسرائيل بيتنا» و«الديمقراطيون»، مواقف تعرقل مشاركتها في حكومة تضمّ هذه الأحزاب، بينما لا يرى غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت مانعًا من التحالف معها، ولا يشكّلان، وفق تقديره، نقيضًا أيديولوجيًا لتحالف نتنياهو.ويخلص إلى أنّ هذه التباينات لا تلغي تقاطع المعسكرين في المواقف الأساسية تجاه القضايا العربية وإيران.

- نتنياهو بين إخفاقات السابع من أكتوبر وتعثّر أهداف الحروب ومحاولات توظيفها انتخابيًا
يخوض رئيس وزراء كيان العدو، بنيامين نتنياهو، معركة تتداخل فيها التحديات السياسية والقانونية قبيل انتخابات الكنيست المقبلة. وتأتي هذه المعركة في ظل استطلاعات ترجّح تقدّم خصومه، وتزايد الدعوات إلى التحقيق في مسؤوليته عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وبذلك، يتجاوز التحدّي الذي يواجهه نتنياهو حسابات المقاعد والتحالفات الانتخابية، ليشمل مساءلة أدائه الأمني وطريقة تقديمه المعلومات المتصلة بمرحلة ما قبل الهجوم. وتفرض هذه الضغوط تساؤلات حول قدرته على استعادة ثقة الناخبين وتأمين أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة المقبلة.
وفي تطوّر يزيد الضغوط على نتنياهو، طالب حزب “يشار” المعارض، بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف ميارا باستكمال فحص شبهات تتعلق بارتكاب مخالفات جنائية، على خلفية اتهامات بتزويد مراقب الدولة والجمهور بمعلومات كاذبة بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.
وبحسب ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، استند الحزب في مطالبته إلى تحقيق صحفي أفاد بعرض وثائق أمنية سابقة للهجوم بصورة مجتزأة ومشوّهة، عبر حذف تحذيرات وتقديرات وردت فيها، من بينها معطيات تضمّنتها وثيقة استخباراتية أُعدّت قبل الهجوم بأربعة أيام. واستشهد الحزب بالمادة 239 من قانون العقوبات الإسرائيلي، التي قال إنها تقضي بعقوبة تصل إلى السجن ثلاث سنوات لمن يقدّم إفادة كاذبة عن علم. ولم يورد التقرير تعقيبًا لنتنياهو على هذه الاتهامات، أو إعلانًا عن فتح تحقيق جنائي بحقه استجابةً لهذه المطالبة.
وعلى المستوى السياسي، اتخذ زعيم المعارضة يائير لابيد من هذه التطورات مدخلًا لتصعيد انتقاداته لرئيس الحكومة، محذّرًا من أن استمراره في السلطة قد يفضي إلى تكرار هجوم مماثل. كما انتقد تمسّك نتنياهو بتبرير موقفه بالقول إنه لم يُوقظ قبل الهجوم.
وفي سياق الجدل حول مسؤولية نتنياهو عن إخفاقات السابع من أكتوبر، برز تقرير إعلامي عن طلبه حذف فقرة من مقابلة مع مجلة «عولام كاتان»، تضمّنت تأكيده أنه لا يتهرّب من المسؤولية، وأن قراراته وقرارات الآخرين ستُدرس بعد الحرب، مقرونًا بالتشديد على أولوية الانتصار. وإذا صحّت هذه الرواية، فإن حذف الفقرة يشير إلى حرصه على ضبط خطابه العلني بشأن المسؤولية، وتجنّب تثبيت موقف يمكن أن تستند إليه المعارضة في مطالبته بالمحاسبة. كما تكشف الصياغة المنقولة عن ترتيب للأولويات يضع استمرار الحرب وتحقيق النصر قبل مراجعة القرارات، بما يتيح إبقاء النقاش الانتخابي متمحورًا حول قيادته للمواجهة، وتأجيل البحث في الإخفاقات التي سبقتها.
في هذا الإطار يوضح ديب حوراني أنّ نتنياهو يحاول تسويق عمليات التدمير والتطهير العرقي في غزة ولبنان، وما ألحقه من دمار بإيران، أمام المستوطنين الصهاينة في فلسطين المحتلة، بوصفها إنجازات لم تكن لتتحقّق لولا قيادته وعلاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
غير أنّ هذا الخطاب، بحسب حوراني، يصطدم بالإخفاق في تحقيق الأهداف؛ ففي إيران، لم يتمكّن نتنياهو من إسقاط النظام، أو تدمير المشروع الصاروخي، أو قطع صلاتها بحركات المقاومة في المنطقة. أمّا في لبنان، فقد بقي حزب الله حاضرًا، ولم يتمكّن نتنياهو من تجريده من سلاحه، فيما لا يزال يشكّل خطرًا يتحسّب له الصهاينة. وينطبق الأمر نفسه على قطاع غزة، حيث استمرّت المقاومة، ولم يتمكّن الاحتلال من تجريدها من سلاحها.
وعلى الصعيد الداخلي، يشير حوراني إلى انتقادات جدّية تتعلّق بهيمنة الأيديولوجيا الدينية والقومية المتعصّبة، وما تفرضه من تعارض اجتماعي وثقافي مع الأوساط العلمانية، التي تتكوّن أغلبيتها، بحسب توصيفه، من اليهود ذوي الأصول الغربية المتبنّين للثقافة الغربية بمختلف جوانبها. وقد تجلّى هذا التباين في المواجهة حول مشروع «الإصلاحات القضائية» الذي طرحته حكومة نتنياهو، لما ينطوي عليه من مساس بحياة هذه الفئات.
ويضيف أنّ الانتقادات الأشدّ وطأة على نتنياهو تتمحور حول تحميله مسؤولية أحداث السابع من أكتوبر، وعدم إصغائه للتحذيرات الأمنية التي سبقتها، فضلًا عن رفضه تشكيل لجنة تحقيق وطنية في تلك الأحداث. ويؤكّد حوراني أنّ المعارضة وأوساطًا مختلفة داخل الكيان تستخدم الإخفاق في تحقيق أهداف العدوان على إيران لمساءلته والضغط عليه.
غير أنّ توظيف الحروب في تعزيز صورة نتنياهو الانتخابية يواجه تساؤلات بشأن كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى تأثير هذه الكلفة في تقييم الناخبين لأدائه. وفي هذا السياق، يلفت حوراني إلى أنّ الاقتصاد الصهيوني تأثّر بشدّة، ولا سيّما مع تضرّر قطاع السياحة وخروج الاستثمارات وهجرة الكفاءات، خصوصًا في قطاعَي الطب والتكنولوجيا المتقدّمة «الهايتك». ويشير، استنادًا إلى الدراسة، إلى هجرة نحو 200 ألف شخص خلال الأعوام 2023–2025، بينهم أكثر من 1300 طبيب متخصّص، وعدد أكبر من خبراء «الهايتك».
ويُرجع حوراني ذلك إلى سببين رئيسيين: أولهما فقدان الشعور بالأمان نتيجة استمرار الحروب، واستنزاف فئات واسعة من جنود الاحتياط في الخدمة العسكرية، بما أضرّ بأشغالهم وأعمالهم ووظائفهم، وانعكس على الإنتاج والعجلة الاقتصادية. أمّا السبب الثاني، فيتمثّل في «الإصلاحات القضائية» وهيمنة الأيديولوجيا الدينية الإقصائية داخل الكيان.
- استراتيجية نتنياهو للأمن القومي وموقف المعارضة الإسرائيلية منها.
عرض نتنياهو، في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026، عقيدته المحدّثة للأمن القومي، واضعًا في مقدّمتها الانتقال من احتواء التهديدات إلى المبادرة بضربها قبل تفاقمها. وتضمّنت الوثيقة تعزيز الردع والتفوّق العسكري والقدرات الاستخباراتية، وإقامة مناطق عازلة على الحدود عند الضرورة، إلى جانب توسيع التصنيع العسكري المحلي والاستثمار في التكنولوجيا المتقدّمة.
كما ربطت الأمن بتعزيز التماسك الداخلي والاستيطان والتحالفات الإقليمية. وقدّم نتنياهو هذه المبادئ بوصفها استجابة للتحوّلات التي أفرزتها المواجهات الإقليمية، مستندًا إلى ما وصفه بإنجازات عسكرية ضد إيران وحلفائها. غير أنّ طرحها قبيل الانتخابات، وغياب التفاصيل التنفيذية عن بعض بنودها، أثارا انتقادات المعارضة بشأن مضمونها ومدى اتّساقها مع سياسات حكومته.
وقوبلت وثيقة نتنياهو للأمن القومي بانتقادات من قادة المعارضة؛ إذ اعتبر غادي آيزنكوت، في منشور على منصة «إكس» نقلته «تايمز أوف إسرائيل» في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أنّها تتضمّن شعارات تفتقر إلى مضمون استراتيجي، متّهمًا نتنياهو بتوظيف توقيت نشرها انتخابيًا لصرف الأنظار عن الإخفاقات الأمنية وعدم تحقيق أهداف الحرب، ومتعهّدًا بإقرار استراتيجية للأمن القومي خلال 150 يومًا من تولّي حكومة برئاسته السلطة.

ومن جهته، سخر يائير لابيد، في منشور على منصة «إكس» نقلته «تايمز أوف إسرائيل»، من وثيقة نتنياهو، معتبرًا أنّها تبدو كأنّها أُعدّت باستخدام نسخة مجانية من روبوت محادثة للذكاء الاصطناعي، وأنّها تفتقر إلى رؤية استراتيجية متماسكة. وانتقد التناقض بين الدعوة إلى التفوّق العسكري واستمرار إعفاء الحريديم من التجنيد، وبين التشديد على الاستعداد الاستخباراتي ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، فضلًا عن تراجع العلاقات الدولية رغم الحديث عن تعزيز التحالفات.
أمّا نفتالي بينيت، فشدّد، في ردّ نقلته القناة 14 الإسرائيلية في 18 تشرين الأول/أكتوبر، على أنّ السياسة الأمنية تُقاس بنتائجها الميدانية، متّهمًا نتنياهو بتكريس التعايش مع بقاء حماس، وداعيًا إلى توسيع التجنيد وإعلان قطر دولة عدوّة وإبعادها عن غزة والكيان.
وتُظهر هذه الردود أنّ قادة المعارضة ينتقدون طريقة نتنياهو في إدارة الملفات الأمنية والنتائج التي حقّقها، من دون أن يعني ذلك رفضهم استخدام القوة العسكرية. فبعضهم يطرح مواقف أكثر تشدّدًا، ما يشير إلى أنّ تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير نهجها تجاه دول المنطقة.
وفي ما يتعلّق بقدرة المعارضة الإسرائيلية على استثمار التباينات مع واشنطن، يستبعد الدكتور علي الملاح الخبير في الشؤون الأميركية في حديث لموقع المنار الالكتروني من كندا، أن تتمكّن من تحويلها إلى مكسب سياسي مؤثّر، معتبرًا أنّها لا تختلف جوهريًا مع نتنياهو في التوجّهات تجاه غزة وإيران والمنطقة. ويميّز في هذا السياق بين موقف ترامب ومواقف أركان إدارته وأعضاء في الكونغرس، مشيرًا إلى أنّ بعض التباينات تظهر بين هذه الأطراف، ولا تختصر بخلاف مباشر بين الرئيس الأميركي ونتنياهو.
- ترامب ونتنياهو: دوافع الدعم الأميركي وحدود تأثيره الانتخابي
يتخذ الدعم الأميركي لنتنياهو بُعدًا انتخابيًا مباشرًا في الرسالة المنسوبة إلى ترامب عبر منصّة «تروث سوشيل»، التي توجّه فيها إلى الجمهور الإسرائيلي معلنًا تأييده الكامل لإعادة انتخابه. فالرسالة تتجاوز الإشادة بحليف سياسي إلى تقديم نتنياهو بوصفه الضامن للأمن والشريك الذي تفضّله واشنطن، بما يوحي بأن تغييره قد يرتّب كلفة على العلاقة مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يستثمر ترامب المواجهة مع إيران لإبراز صورة نتنياهو قائدًا قادرًا على إدارة الحرب ومواجهة الضغوط، وتحويل هذه الصورة إلى رصيد انتخابي. وهكذا يلتقي الدعم الأميركي مع خطاب نتنياهو القائم على مركزية التهديدات الأمنية، في محاولة لجعل الاقتراع له خيارًا مرتبطًا بحماية الكيان واستمرار دعم واشنطن. غير أن هذا التأييد، على وضوحه، لا يكفي وحده لإثبات قدرته على تغيير اتجاهات الناخبين أو حسم نتائج الانتخابات.( مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير UFEED)
وفي تفسير دوافع هذا الدعم، يرى الخبير في الشؤون الأميركية توفيق طعمة، في حديث من واشنطن لموقع المنار الإلكتروني، أنّ العلاقة الأميركية–الإسرائيلية تستند إلى شراكة استراتيجية ممتدّة منذ عقود، لا تبدّل الخلافات بين الطرفين جوهرها أو تنهي الدعم الأميركي للكيان. غير أنّ تأييد ترامب لنتنياهو قبيل الانتخابات يرتبط، بحسب طعمة، باعتبارات استراتيجية وشخصية وسياسية تتجاوز الإطار العام لهذه العلاقة.
ويوضح طعمة أنّ ترامب يرى في نتنياهو شريكًا في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية في المنطقة، ولا سيّما الملف الإيراني، بما يتيح التنسيق معه في العمليات العسكرية. كما تمنحه العلاقة الشخصية بينهما شريكًا مألوفًا، رغم ما يشير إليه طعمة من تقارير عن توتّرات وخلافات بشأن إيران وقطاع غزة.
ويضيف أنّ هذا الدعم يتيح لترامب تسويق علاقته بنتنياهو بوصفها جزءًا من استراتيجية أميركية أوسع، تشمل احتواء إيران، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ودفع مسارات التطبيع الإسرائيلي. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى توظيف تأييد البيت الأبيض في المعركة الانتخابية، لتأكيد امتلاكه علاقة استثنائية بواشنطن، وتقديم نفسه أمام الناخبين بوصفه قادرًا على ضمان استمرار التنسيق الأمني الأميركي–الإسرائيلي.
أمّا بشأن انعكاس الدعم الأميركي على خيارات الناخبين، فلا يرى طعمة أنّه يضمن بالضرورة تعزيز موقع نتنياهو؛ فقد يشجّع أنصاره المتردّدين على التصويت له، أو يدفع بعض ناخبي اليمين إلى تفضيل الليكود على أحزاب يمينية أصغر، لكنه قد يثير أيضًا حساسية الناخبين الرافضين للتدخّل الخارجي في الانتخابات. ويشير إلى أنّ التأثير المحتمل لهذا الدعم قد يكون أوضح داخل معسكر اليمين منه لدى الأوساط المعارضة لنتنياهو.
في المقابل، يستبعد الدكتور علي الملاح، أن يضيف دعم ترامب وزنًا انتخابيًا كبيرًا لمصلحة نتنياهو، انطلاقًا من أنّ القواعد الانتخابية للرجلين معروفة، وأنّ التأييد الأميركي لنتنياهو قائم منذ ولاية ترامب الأولى، وبالتالي لا يمثّل عنصرًا جديدًا يستطيع تسويقه أمام الناخبين. ويرى أنّ العلاقة بينهما تجمع بين التقارب السياسي والمصالح الشخصية، إلى جانب الالتقاء على التصعيد في المنطقة ومواصلة الحرب في غزة والتهديد باستمرار الحرب على إيران.
- واشنطن وتل أبيب: حدود الدعم وحسابات الحرب وما بعد الانتخابات
يثير دعم ترامب لنتنياهو تساؤلات تتجاوز أثره الانتخابي، لتطال حدود توظيفه في مواصلة الحروب ومدى قدرة واشنطن على التأثير في قرارات حليفها. فبين تقاطع المصالح الاستراتيجية وتباين الحسابات السياسية، يبرز السؤال عن هامش الحركة الذي يمنحه هذا الدعم لنتنياهو، والالتزامات التي يفرضها عليه.
وعن حدود توظيف هذا الدعم في مواصلة الحروب، يوضح طعمة أنّ تأييد ترامب يوفّر لنتنياهو غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا، خصوصًا في المواجهة مع إيران، من دون أن يمنحه حرية مطلقة. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط، تشمل الدعم العسكري والتنسيق السياسي، تتيح لها دفعه نحو وقف الحرب أو القبول بتسويات تتوافق مع مصالحها. ومن هنا، يرى أنّ العلاقة تجمع بين الدعم والضبط، فيما يبقى السؤال الأساسي متعلّقًا بالطرف القادر على تحديد نهاية الحرب وشروطها: واشنطن أم تل أبيب؟
وفي تقديره، تمارس قوى داعمة للكيان وللحرب داخل الولايات المتحدة ضغوطًا على الرئيس الأميركي، بما يعزّز قدرة نتنياهو على الاستمرار في المواجهة وانتزاع الاستجابة لمطالبه. ويذهب طعمة إلى القول إنّ هذه الضغوط تشمل استخدام وسائل ابتزاز وملفات قديمة ضد ترامب. وفي المقابل، يؤكّد أنّ واشنطن تحتفظ بأوراق ضغط عديدة على نتنياهو، ما يجعل العلاقة بينهما محكومة بتبادل الضغوط، مع اختلاف الأدوات التي يمتلكها كلّ طرف.
ويخلص طعمة إلى أنّ دعم ترامب لنتنياهو يتجاوز الموقف الشخصي أو الانتخابي، ليعكس علاقة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاستراتيجية والحسابات السياسية. ويرى أنّ الخلافات المتكرّرة بين الطرفين لا تعني انتهاء التحالف أو توقّف الدعم العسكري والسياسي والمادي الأميركي لكيان العدو، ما دامت لا تمسّ جوهر العلاقة الاستراتيجية بين البلدين.
وبحسب طعمة، فإنّ الاختبار الحقيقي لهذه العلاقة يكمن في قدرة الطرفين على التفاهم بشأن مستقبل الحرب مع إيران، وترتيبات الوضع في غزة، وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، وحدود حرية القرار الإسرائيلي. فبينما يسعى ترامب إلى نتائج تخدم أجندته الأميركية، يعمل نتنياهو على الحفاظ على موقعه السياسي وتحقيق أهدافه الأمنية، ما يجعل مصالحهما قابلة للتلاقي في مرحلة والتباعد في أخرى.
ومن هنا، يطرح طعمة سؤالًا بشأن مرحلة ما بعد الانتخابات: هل يستطيع نتنياهو توظيف علاقته بترامب لتعزيز موقعه السياسي، أم أنّ حاجته إلى الدعم الأميركي ستجعله أكثر اضطرارًا إلى مراعاة أولويات واشنطن؟
- الانتخابات الإسرائيلية والاتفاقيات الإبراهيمية ومستقبل المنطقة.
تتداخل حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة مع رهانات واشنطن على توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية ولا سيما باتجاه السعودية. وبين احتمالات استمرار نتنياهو أو قيام ائتلاف بديل، تبرز سياسات الحكومة تجاه القضية الفلسطينية عاملًا حاسمًا في تحديد فرص التقدّم نحو التطبيع.
وفي ضوء استطلاعات الرأي الحالية، يشير ديب حوراني إلى عجز واضح لدى كلا المعسكرين عن بلوغ أغلبية الـ61 مقعدًا، ما يرجّح، وفق تقديره، تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون عمادها الليكود وحزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت.
ويوضح أنّ الاستطلاعات تمنح «يشار» ما بين 21 و23 مقعدًا، والليكود ما بين 18 و21 مقعدًا. وفي هذه الحالة، يمكن أن تنضمّ الأحزاب الحريدية، مثل «شاس» و«يهدوت هتوراة»، اللذين تمنحهما الاستطلاعات ما بين 7 و8 مقاعد لكلّ منهما، مع إمكان استمالة أعضاء كنيست آخرين من بقية الأحزاب لاستكمال الأغلبية المطلوبة. ويضيف حوراني أنّ هذه الصيغة تمثّل أيضًا مطلبًا أميركيًا.
يتجاوز مستقبل الاتفاقيات الإبراهيمية مسألة بقاء نتنياهو في السلطة أو تبدّل الحكومة الإسرائيلية، ليرتبط بقدرة أيّ قيادة مقبلة على التعامل مع التداعيات السياسية للحرب وموقع القضية الفلسطينية في المعادلة الإقليمية.
وفي مقابل تقدير حوراني بشأن الدور الأميركي في الدفع نحو حكومة وحدة، يستبعد الملاح أن يكون للإدارة الأميركية ثقل مؤثّر في نتائج الانتخابات أو تشكيل الحكومة المقبلة، معتبرًا أنّ نتائج التصويت وتوزيع المقاعد بين القوى المتنافسة سيحدّدان إمكان قيام ائتلاف حاكم أو استمرار التعثّر. ويلفت إلى أنّ خصوصية الاستحقاق الراهن تكمن في إجرائه، إذا حصل، وسط حرب مفتوحة على أكثر من جبهة، مع احتمال اتّساعها.
وفي ما يتّصل بمسارات التطبيع، يرى توفيق طعمة أنّ ترامب يسعى إلى خطوات تساعد على توسيع العلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية، ما قد يدفعه إلى مطالبة نتنياهو بتخفيف التصعيد وتهيئة الظروف لتفاهمات سياسية معها. ويعتبر أنّ استمرار الحروب والاعتداءات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين وسوريا، إلى جانب المواجهة مع إيران، يضيّق هامش الدول العربية للمضيّ في هذا المسار. ومن هنا، يرجّح أن يكون خفض التصعيد وتهيئة الأجواء الإقليمية للتطبيع من بين المطالب الأميركية المقابلة لدعم نتنياهو.
في الخلاصة يسعى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى تحويل الحروب والدعم الأميركي إلى رصيد انتخابي، غير أنّ الإخفاقات الأمنية والكلفة الاقتصادية والاجتماعية تحدّ من قدرته على تسويق نتائجها بوصفها إنجازات. أما تأييد ترامب له فيمنحه ورقة سياسية، لكنه لا يضمن استعادة ثقة الناخبين أو تأمين الأغلبية، إذ تبقى موازين القوى والقدرة على بناء التحالفات حاسمة في تشكيل الحكومة.
في المقابل، تُضعف تباينات المعارضة قدرتها على تقديم بديل متماسك، فيما يجعل تقاطعها معه في توجّهات أمنية أساسية تغيير القيادة غير كافٍ لضمان تحوّل السياسة تجاه المنطقة.
أمّا الدعم الأميركي، فيعزّز موقع نتنياهو ويمنح واشنطن أدوات للتأثير في قراراته، بما يُبقي العلاقة بينهما محكومة بتقاطع المصالح وحدود الاختلاف عليها.
وبذلك، ترتبط التداعيات الإقليمية للانتخابات بسياسات الحكومة المقبلة تجاه الحرب والقضية الفلسطينية، ومدى توافقها مع المساعي الأميركية لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية.
المصدر: موقع المنار


