قليلون هم الذين يمتلكون شجاعة مراجعة أفكارهم وكتاباتهم، ولا سيما أولئك الذين أسهموا في صياغة نظريات سياسية تحولت إلى مرجعيات لتبرير سياسات ألحقت الظلم بشعوب بأكملها. فكثيرا ما يتمسك أصحاب النظريات بأفكارهم رغم أن الوقائع تكشف إخفاقها، وتثبت أن الوعود التي رفعتها لم تكن سوى غطاء لمشاريع الهيمنة والسيطرة.
ويبرز المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما في هذا السياق، بعدما كان من أبرز المنظرين للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، قبل أن يراجع جوانب من مواقفه السياسية، ولا سيما بعد الغزو الأميركي للعراق وما كشفه من إخفاقات المشروع الأميركي في المنطقة.
في عام 1992، أصدر فوكوياما كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، مستندا إلى التحولات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. وطرح فيه فكرة أن الديمقراطية الليبرالية تمثل ذروة التطور الأيديولوجي للبشرية، وأن النظام الليبرالي القائم على الديمقراطية الفردية واقتصاد السوق بات النموذج الأبرز الذي لم يظهر بديل يتفوق عليه.
وقد رافقت هذه الأطروحة مرحلة من الهيمنة الأميركية، حين تعاملت واشنطن مع انهيار الاتحاد السوفياتي باعتباره فرصة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها، ورفعت شعار نشر الديمقراطية لتبرير تدخلاتها في الدول الأخرى.
غير أن العقود التالية كشفت تناقضات عميقة بين الشعارات المعلنة والممارسات الفعلية، وأظهرت أن الديمقراطية الليبرالية، عندما تتحول إلى أداة للهيمنة الخارجية، لا تضمن الحرية للشعوب، بل قد تصبح غطاء للاحتلال والحروب وتغيير الأنظمة بالقوة.
وفي مذكراته الجديدة، «في مملكة الإنسان الأخير»، الصادرة عام 2026، عاد فوكوياما إلى مساره الفكري والسياسي، متناولا التحولات التي شهدتها الديمقراطية والليبرالية خلال العقود الماضية. وتفتح هذه المراجعة بابا واسعا للنقاش بشأن حدود الأطروحات التي سادت بعد الحرب الباردة، ومدى قدرتها على تفسير التحولات التي يشهدها العالم.
إخفاق المشروع الأميركي في فرض نموذج واحد على العالم
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تصرفت الولايات المتحدة بوصفها القوة القادرة على رسم ملامح النظام الدولي، وسعت إلى فرض رؤيتها السياسية والاقتصادية على دول وشعوب مختلفة، تحت عنوان نشر الديمقراطية وحماية الحريات.
لكن التدخلات الأميركية في العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا كشفت أن تغيير الأنظمة بالقوة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار أو بناء مؤسسات ديمقراطية، بل يفتح الباب أمام الحروب والاضطرابات وتفكك المجتمعات.
وفي تصريح لافت، تحدث المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك عن إخفاق محاولات تغيير الأنظمة في المنطقة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة انخرطت في نحو 23 محاولة لتغيير الأنظمة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، من دون أن تحقق هذه المحاولات النتائج المنشودة.
ويكشف هذا المسار أن فرض النماذج السياسية من الخارج لا يمكن أن يكون بديلا عن إرادة الشعوب، وأن القوة العسكرية لا تمنح الدول حق تقرير مستقبل الآخرين أو التحكم بمصائرهم.
فالشعوب لا تناضل من أجل لقمة العيش وحدها، بل من أجل الحرية والاستقلال والكرامة والاعتراف بحقها في تقرير مصيرها. وقد أثبتت تجارب المنطقة أن محاولات فرض أنظمة أو خيارات سياسية تخدم المصالح الغربية، مع تجاهل تطلعات الشعوب وهويتها، لا تؤسس لشرعية مستدامة.
ترامب وتجسيد التناقض بين السلطة والمال
تكشف تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب نماذج أخرى من قادة اليمين الشعبوي، عن أزمة عميقة داخل النظام الليبرالي الغربي. فقد أظهرت العلاقة المتنامية بين الثروة والنفوذ السياسي كيف يمكن لأصحاب المصالح الاقتصادية الكبرى استثمار السلطة لتعزيز نفوذهم، على حساب المبادئ التي يرفعها النظام الديمقراطي بشأن المساواة وتكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الديكتوليبرالية»، الذي يجمع بين الممارسات السلطوية والخطاب الليبرالي، بوصفه توصيفا نقديا لنظام يرفع شعارات الحرية والديمقراطية، بينما يتركز فيه النفوذ الفعلي في أيدي قوى سياسية واقتصادية تسعى إلى فرض إرادتها على المجتمع والعالم.
وتزداد هذه التناقضات وضوحا عندما تتعامل واشنطن مع الدول الأخرى بمنطق الإملاء والتهديد، بدلا من احترام سيادتها وحق شعوبها في اختيار مساراتها السياسية والتنموية.
وقد تجلت هذه النزعة في تعامل ترامب مع عدد من قادة العالم، من خلال الضغوط التي مارسها على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وخطاب الاستعلاء تجاه قادة أفارقة، ومحاولاته فرض خيارات سياسية وأمنية على دول أخرى بما يخدم المصالح الأميركية.
كما شكلت العملية الأميركية التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مقر إقامته ونقله خارج بلاده مثالا بارزا على استخدام القوة لتجاوز سيادة الدول، بما يثير تساؤلات جوهرية بشأن حقيقة الالتزام الأميركي بالقانون الدولي ومبادئ النظام الذي تدعي واشنطن الدفاع عنه.
العدوان على إيران والمقاومة يكشف حدود الهيمنة
تندرج الحروب والتدخلات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية ضمن سياق أوسع من محاولات فرض الإرادة الأميركية والصهيونية على الشعوب، دون احترام سيادتها أو تاريخها أو حقها في تقرير مستقبلها.
فالحرب التي شنتها الولايات المتحدة وكيان الاحتلال على إيران، إلى جانب العدوان المتواصل على فلسطين ولبنان والاعتداءات على سوريا، تكشف أن خطاب الديمقراطية والحرية لا يمنع القوى المهيمنة من اللجوء إلى القوة العسكرية عندما تتعارض إرادة الشعوب مع حساباتها الاستراتيجية.
لقد استهدفت الحرب الأميركية الصهيونية على إيران قيادات إيرانية ومؤسسات عسكرية وبنى تحتية، في محاولة لإضعاف البلاد وفرض معادلات سياسية وأمنية تخدم مصالح واشنطن وكيان الاحتلال. غير أن استهداف القيادات لا يلغي حق الشعب الإيراني في السيادة والاستقلال، ولا يمنح المعتدي حق تقرير مستقبل البلاد.
وفي فلسطين ولبنان، يبرز تمسك الشعوب بأرضها وحقوقها في مواجهة الاحتلال باعتباره تحديا مستمرا لمشاريع الهيمنة. فالمقاومة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل ترتبط أيضا برفض إخضاع المجتمعات لإرادة خارجية تنتزع منها حقها في الحرية والكرامة.
وتؤكد هذه التجارب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لفرض تسويات دائمة أو ضمان الخضوع السياسي، وأن تجاهل إرادة الشعوب قد يؤدي إلى إطالة أمد المواجهة بدلا من حسمها.
الكرامة الإنسانية في مواجهة أوهام الهيمنة
تكتسب مسألة الكرامة والاعتراف أهمية مركزية في فهم التحولات السياسية المعاصرة. فالأفراد والشعوب لا يتحركون بدافع المصالح المادية وحدها، بل يسعون أيضا إلى صون هويتهم واحترام إرادتهم ورفض التعامل معهم باعتبارهم أدوات لتنفيذ مشاريع الآخرين.
وقد وعدت الديمقراطية الليبرالية بالحرية والمساواة وحكم القانون، إلا أن الممارسات التي صاحبت الحروب والتدخلات الخارجية كشفت أن هذه المبادئ تفقد معناها عندما تُطبّق بصورة انتقائية، أو عندما تتحول إلى شعارات لتبرير الهيمنة على الشعوب.
ويبرز التناقض بصورة أوضح عندما تتحدث الولايات المتحدة عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، بينما تتدخل عسكريا في دول أخرى، وتمارس الضغوط على حكوماتها، وتستخدم العقوبات والحصار أدوات لإجبارها على تغيير سياساتها.
إن حق تقرير المصير لا يمكن أن يكون امتيازا تمنحه القوى الكبرى لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء، كما لا يمكن أن تكون السيادة الوطنية مشروطة بموافقة واشنطن أو عواصم القوى الغربية.
سقوط وهم التفوق المطلق
استندت أطروحة «نهاية التاريخ» إلى تصور مفاده أن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق يمثلان الوجهة النهائية للتطور السياسي للبشرية. لكن التحولات الدولية، وصعود النزعات الشعبوية داخل الغرب، وإخفاق الحروب الأميركية في تحقيق استقرار مستدام، تكشف محدودية هذا التصور وقدرته على تفسير الواقع.
ولا يعني ذلك أن التاريخ قد انتهى أو أن نموذجا سياسيا واحدا حسم مستقبل البشرية، بل إن الصراعات الراهنة تؤكد استمرار التنافس بين مشاريع مختلفة، وتكشف أن الشعوب لا تزال تتمسك بحقها في اختيار أنظمتها وتحديد أولوياتها وصون كرامتها.
لقد أسهمت سياسات ترامب في تعميق التناقض بين الشعارات الديمقراطية والممارسات الأميركية، وأظهرت أن الهيمنة الاقتصادية والعسكرية لا تمنح أصحابها شرعية مطلقة، ولا تجعل إرادة الآخرين أمرا يمكن تجاوزه.
والدرس الأساسي من هذه التحولات أن النظام الدولي لا يمكن أن يستقر على أساس الإملاء والقوة وحدهما، وأن السلام الحقيقي يتطلب احترام السيادة الوطنية، ورفض العدوان، والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، بعيدا عن ازدواجية المعايير.
إن الشعوب التي تدافع عن استقلالها وكرامتها لا يمكن اختزالها في حسابات القوى الكبرى، كما لا يمكن إخضاعها إلى أجل غير مسمى عبر التهديدات والحصار والحروب. ومن إيران إلى فلسطين ولبنان، تثبت تجارب المنطقة أن إرادة الشعوب تظل عاملا أساسيا في رسم مستقبلها، وأن أوهام الهيمنة لا يمكن أن تكون بديلا عن العدالة والحرية والسيادة.




