من بيروت، نقرأ العالم
عين على العدو

“لجنة 7 أكتوبر”.. كيف تحوّل ملف المحاسبة في إسرائيل إلى معركة انتخابية؟

مع اقتراب الانتخابات في "إسرائيل"، يعود ملف الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى واجهة الصراع السياسي، بعدما تحول الخلاف حول تشكيل…

مع اقتراب الانتخابات في “إسرائيل”، يعود ملف الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى واجهة الصراع السياسي، بعدما تحول الخلاف حول تشكيل لجنة تحقيق إلى واحدة من أبرز نقاط التباين بين حكومة بنيامين نتنياهو والمعارضة، وسط عجز مستمر عن التوافق على الجهة التي تتولى التحقيق في أكبر إخفاق أمني واستخباراتي شهدته “إسرائيل” منذ عقود.

وبعد أن بدا في الأشهر الأولى التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر أن هناك توافقًا سياسيًا على ضرورة فتح تحقيق شامل، اتسعت خلال السنوات الثلاث الماضية الخلافات بشأن شكل اللجنة وصلاحياتها وآلية اختيار أعضائها، لتصبح القضية مرتبطة بصورة مباشرة بالانتخابات المقبلة وبمستقبل المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين قد تشملهم المحاسبة.

وكشف استطلاع نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” في 4 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عن تباين واضح بين أحزاب الائتلاف والمعارضة بشأن الجهة التي ينبغي أن تتولى التحقيق، في وقت تطرح فيه أحزاب جديدة صيغًا أخرى لتشكيل اللجنة وإنهاء حالة الجمود المستمرة منذ وقوع الهجوم.

نتنياهو والليكود.. تجنب الحسم

ويتبنى حزب “الليكود” بزعامة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو موقفًا غير محسوم تجاه شكل لجنة التحقيق، رغم أن عددًا من وزرائه أيدوا في الأيام الأولى التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر تشكيل لجنة تحقيق حكومية وفق القانون.

لكن موقف الحزب تغير لاحقًا مع تصاعد رفض نتنياهو والمقربين منه تشكيل لجنة التحقيق بالصيغة التقليدية، في ظل خشية سياسية من أن تمتد مسؤولية الإخفاق إلى المستوى السياسي والعسكري، فيما لم تنجح محاولات الائتلاف خلال ولايته الحالية في تمرير صيغة بديلة للجنة توصف بأنها “وطنية”.

وسارت أحزاب “القوة اليهودية” و”شاس” و”يهودية التوراة المتحدة”، المشاركة في الائتلاف الحكومي، في الاتجاه نفسه، إذ امتنعت عن إعلان مواقف واضحة بشأن آلية التحقيق.

ومن داخل الائتلاف، كان حزب “الصهيونية الدينية” بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أبرز من أعلن موقفًا تفصيليًا، إذ أيد تشكيل لجنة تحقيق “وطنية مستقلة” تحظى بثقة الجمهور، لكنه رفض تشكيل لجنة حكومية بالصيغة المعمول بها.

ويعارض الحزب أن يتولى رئيس المحكمة العليا اختيار أعضاء اللجنة، كما رفض أن يرأسها القاضي إسحاق عاميت، متذرعًا بعدم تمتعه، وفق موقفه، بثقة الجمهور وعدم انتخابه ديمقراطيًا.

ولا يقتصر الخلاف داخل المعسكر اليميني على حزب سموتريتش، إذ دعا حزب “هوية” بقيادة موشيه فيغلين إلى تشكيل لجنة محايدة ذات صلاحيات واسعة، تحقق في مسؤولية مختلف الأطراف، بما يشمل الحكومة والأجهزة الأمنية والسلطة القضائية.

توسّع نطاق التحقيق

في المقابل، تتبنى غالبية أحزاب المعارضة موقفًا أكثر وضوحًا، وتطالب بتشكيل لجنة تحقيق حكومية وفق القانون القائم، معتبرة أن استمرار تأجيل التحقيق لا يمكن أن يستمر بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر.

وقال حزب “يشار” بقيادة غادي أيزنكوت إن تشكيل لجنة تحقيق حكومية سيكون أول قرار تتخذه حكومته، استنادًا إلى قانون لجان التحقيق الصادر عام 1968.

أما حزب “معًا” بزعامة نفتالي بينيت، فتعهّد بإقرار تشكيل اللجنة خلال الدقائق الأولى من أول اجتماع للحكومة الجديدة، فيما أعلن حزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان أن تشكيلها سيكون من أول قرارات أي حكومة يشارك فيها.

ويطرح حزب “الديمقراطيون” بقيادة يائير غولان تحقيقًا أوسع، لا يقتصر على الساعات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، وإنما يشمل الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وإدارة الحرب، وملف الأسرى والمحتجزين، وآليات اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية.

ويؤيد الحزب أن يختار رئيس المحكمة العليا أعضاء لجنة التحقيق وفق الآلية التي ينص عليها القانون.

وتؤيد الأحزاب العربية، من جهتها، تشكيل لجنة تحقيق حكومية، مع اختلاف في الأولويات والنطاق الذي ينبغي أن يشمله التحقيق.

وأعلن تحالف “القائمة المشتركة” دعمه تشكيل لجنة برئاسة قاضٍ من المحكمة العليا، لكنه طالب بألا يتوقف التحقيق عند إخفاقات 7 أكتوبر، وأن يمتد إلى السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال السنوات التي سبقت الهجوم.

أما القائمة العربية الموحدة “راعام” بزعامة منصور عباس، فاعتبرت أن الملف لا يمثل أولوية انتخابية في المرحلة الحالية، لكنها شددت على ضرورة إجراء تحقيق مستقل ونزيه وشامل في أسباب الإخفاق.

صيغ جديدة

ومع استمرار الخلاف بين الائتلاف والمعارضة، طرحت أحزاب ناشئة صيغًا مختلفة لاختيار أعضاء اللجنة ورئيسها.

ويقترح حزب “شعبك إسرائيل” بقيادة عوفر وينتر إجراء اقتراع سري داخل الكنيست لاختيار رئيس اللجنة ونائبه من بين قضاة متقاعدين، على أن يختار قاضيان متقاعدان بقية الأعضاء، مع التعهد بتشكيل اللجنة فور تشكيل الحكومة المقبلة.

ويرى الحزب أن استمرار تأخير التحقيق يمثل إخفاقًا تتحمله الحكومة والمعارضة معًا، وأن اللجنة المقبلة يجب أن تحظى بثقة الجمهور.

في المقابل، أعلنت قائمة “الاحتياطيون والاقتصاد” برئاسة يوعاز هيندل ويارون زيليخا دعمها تشكيل لجنة تحقيق حكومية، مع السعي إلى تحقيق توافق سياسي واسع بشأن تشكيلها.

كما جدد حزب “أزرق أبيض” بقيادة وزير جيش الاحتلال الأسبق بيني غانتس دعمه تشكيل لجنة تحقيق حكومية مستقلة ونزيهة، مؤكدًا أن آلية تشكيلها الحالية لا تحتاج إلى تغيير، وأنه ينبغي عدم إدخال أي اعتبارات سياسية أو أمنية في اختيار أعضائها.

ولا يتوقف الخلاف داخل “إسرائيل” عند حدود الجهة التي ستحقق في إخفاقات 7 أكتوبر، بل يعكس صراعًا أوسع حول صلاحيات المؤسسات وحدود تدخل المستوى السياسي في عمل القضاء، ومن يملك حق تحديد المسؤوليات عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وأثناءه.

وبينما تصر المعارضة على أن لجنة التحقيق الحكومية هي المسار القانوني للمحاسبة، تتمسك أحزاب في الائتلاف بصيغ بديلة، وتشكك في آلية اختيار اللجنة وفي دور المحكمة العليا، ما أبقى التحقيق معلقًا بعد ثلاث سنوات على الهجوم.

وهكذا انتقل ملف “لجنة 7 أكتوبر” من كونه مطلبًا للتحقيق في الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية إلى ورقة أساسية في المعركة الانتخابية الإسرائيلية، في ظل محاولة كل معسكر تحديد شكل التحقيق والجهات التي يمكن أن تصل إليها المسؤولية قبل أن تبدأ اللجنة عملها أصلًا.

الخروج من نسخة الجوال