من بيروت، نقرأ العالم
العرب والعالم

مستحقات القمح بين التقسيط والتأخير والتفاوت في الصرف يهدد الموسم الزراعي الجديد

لا يزال المزارعون في المحافظات السورية ينتظرون صرف كامل مستحقاتهم عن محصول القمح، وسط تفاوت في وتيرة التسديد وآليات الصرف، فيما تتصدر الحسكة المشهد…

لا يزال المزارعون في المحافظات السورية ينتظرون صرف كامل مستحقاتهم عن محصول القمح، وسط تفاوت في وتيرة التسديد وآليات الصرف، فيما تتصدر الحسكة المشهد مع استمرار التأخير وتقسيط الدفعات، بالتزامن مع بدء التحضير للموسم الزراعي الجديد وارتفاع تكاليف مستلزماته.

وتتزايد الضغوط المالية على المزارعين مع استمرار تأخر صرف قيمة المحاصيل التي جرى تسليمها خلال الموسم الماضي، إذ يعتمد كثير منهم على هذه المستحقات لسداد الديون وتأمين البذار والأسمدة والمحروقات وأجور العمال والآليات، ما يجعل تأخرها عاملاً مؤثراً في قدرتهم على مواصلة الزراعة.

الحسكة.. مستحقات متأخرة وموسم جديد على الأبواب

في محافظة الحسكة، يواجه المزارعون صعوبات متزايدة نتيجة تأخر صرف مستحقات القمح وتقسيطها على دفعات، وسط شكاوى من طول فترة الانتظار وعدم تناسب المبالغ المصروفة مع قيمة الفواتير والالتزامات المترتبة عليهم.

وبحسب شهادات لمزارعين، ينتظر بعضهم مستحقاته منذ نحو ثلاثة أشهر، فيما لا يحصل آخرون إلا على دفعات محدودة من قيمة الفواتير.

وأشار مزارعون إلى أن الدفعة الأولى قد لا تتجاوز 100 مليون ليرة سورية، حتى في حالات تبلغ فيها قيمة الفاتورة مئات الملايين، ما يحد من قدرتهم على تأمين احتياجات الموسم الجديد.

وتبلغ فاتورة أحد المزارعين نحو 400 مليون ليرة، فيما لم يحصل على أي مبلغ منها بعد فترة انتظار قاربت ثلاثة أشهر، في حين تبلغ فاتورة أخرى نحو 290 مليون ليرة تعود إلى أربعة شركاء، ولم تصرف منها سوى 100 مليون ليرة، الأمر الذي يصعّب توزيع المبلغ وسداد الالتزامات.

وتأتي هذه الشكاوى في وقت تتطلب فيه الزراعة سيولة كبيرة لتأمين البذار والأسمدة والمحروقات وأجور العمال والآليات، فيما وصلت تكلفة حراثة الدونم في بعض المناطق إلى نحو 20 دولاراً، ما يزيد الأعباء على المزارعين.

وفي الأول من تشرين الأول، عقد اجتماع في مبنى محافظة الحسكة لبحث ملف مستحقات المزارعين، وسط مطالب بتسريع إجراءات الصرف.

وجرى الحديث عن تشكيل لجنة لمتابعة الفواتير والتدقيق في إجراءات صرفها، فيما طُرحت وعود باستكمال تسديد المستحقات المتبقية قبل نهاية تشرين الأول.

وخلال أيلول نسبة الفواتير التي جرى صرفها لم تتجاوز 2 بالمئة من إجمالي الفواتير المستحقة للصرف، في ظل نقص السيولة، وهي نسبة تعكس وضع الصرف في تلك الفترة، وفق مسؤول في المصرف الزراعي.

الرقة.. انتظار المستحقات بالتزامن مع التحضير للموسم الجديد

وفي الرقة، يواجه مزارعون أيضاً تأخراً في الحصول على كامل قيمة محصول القمح، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على قدرتهم على تأمين مستلزمات الموسم الجديد، كما في الحسكة.

وأفاد مزارعين بحصول بعضهم على دفعة أولى تقدر بنحو 25 بالمئة من قيمة المحصول، فيما بقيت بقية المستحقات دون صرف، الأمر الذي وضعهم أمام أزمة سيولة في توقيت يحتاجون فيه إلى شراء البذار والأسمدة والمحروقات وتجهيز الأراضي.

وتكتسب مسألة سرعة صرف المستحقات أهمية خاصة في الرقة والحسكة ودير الزور، باعتبارها من أبرز مناطق إنتاج القمح، حيث تستحوذ المحافظات الشرقية على حصة كبيرة من الإنتاج السوري.

دير الزور.. تحسن في الصرف مقابل استمرار شكاوى

وفي محافظة دير الزور، شهدت عمليات صرف مستحقات القمح تقدماً مقارنة بغيرها، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء المشكلة بصورة كاملة، بناء على شهادات مزارعين ينتظرون مستحقاتهم، إذ لا تزال هناك فواتير ومبالغ بانتظار التسديد، مع تفاوت في وتيرة الصرف بين المزارعين ومراكز الاستلام.

وتشير بيانات الموسم إلى أن دير الزور أسهمت بنحو 11 بالمئة من إنتاج القمح السوري.

درعا.. التقسيط يخفف التأخير ولا ينهي أزمة السيولة

أما في درعا، وفق إفادات مزارعيها، حالهم كحال باقي المزارعين السورين في باقي المحافظات السورية، اتجه صرف مستحقات القمح إلى آلية التقسيط، إذ حصل مزارعون على دفعة أولى من قيمة محصولهم، على أن يتم تسديد المبالغ المتبقية على دفعات لاحقة.

ورغم أن هذه الآلية تتيح استمرار عملية التسديد، فإنها لا تعالج بصورة كاملة مشكلة السيولة لدى المزارعين، الذين يحتاجون إلى الأموال في وقت محدد لتمويل الموسم الزراعي الجديد، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات والآليات.

مشكلة تتجاوز قيمة الفاتورة

خبراء اقتصاديون، يؤكدون أن تداعيات تأخر صرف مستحقات القمح لا تقتصر على المزارع وحده، إذ تنعكس السيولة المتأخرة على سلسلة واسعة من النشاط الاقتصادي المرتبط بالزراعة، بدءاً من محال بيع المستلزمات الزراعية، مروراً بأجور العمال وأصحاب الآليات، وصولاً إلى الحركة التجارية في المناطق الزراعية.

وفي الحسكة، قال مزارعون في تصريحات سابقة خلال تشرين الأول الجاري لوكالتنا يزور، إن تأخر المستحقات دفعهم إلى الاستدانة لتأمين مستلزمات الموسم الجديد، فيما حذر آخرون من أن استمرار الوضع قد يدفعهم إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن زراعة أراضيهم.

ويأتي ذلك في وقت سجل فيه موسم القمح السوري لعام 2026 إنتاجاً تجاوز 3 ملايين طن، مع استلام أكثر من 2.7 مليون طن، فيما تصدرت الحسكة الإنتاج بنسبة تقارب 37 بالمئة، تلتها الرقة وحلب بنحو 18 بالمئة لكل منهما، ثم دير الزور بنحو 11 بالمئة.

وتكشف هذه الأرقام أن سرعة صرف مستحقات المزارعين لا ترتبط فقط بتسوية فواتير موسم سابق، وإنما تمثل جزءاً أساسياً من قدرة القطاع الزراعي على الانتقال من موسم إلى آخر، وتأمين مستلزمات الإنتاج والحفاظ على المساحات المزروعة، خصوصاً في المناطق التي تشكل مركز الثقل لإنتاج القمح في سوريا.

(أم)

يزور

الخروج من نسخة الجوال