ولم يكن الأمر مجرد مشاركة رمزية، إذ قطعت مقاتلات J-16 مسافة تزيد على 6 آلاف كيلومتر للوصول إلى مصر خلال نحو 9 ساعات، مع الاستعانة بالتزود بالوقود جوًا بواسطة طائرات YY-20A. كما شاركت المقاتلات الصينية في تدريبات جو-جو مع مقاتلات مصرية من طراز رافال و MiG-29M/M2، ما منح القاهرة فرصة مباشرة لتقييم مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى في ظروف تشغيلية واقعية.
تنتمي J-16 إلى فئة مختلفة عن المقاتلات الخفيفة مثل J-10C التي ظهرت في تدريبات العام السابق (نسور الحضارة 2025). فـ J-16 هي مقاتلة ثقيلة ثنائية المحرك، متعددة المهام، مشتقة من عائلة Su-30، وتجمع بين قدرات التفوق الجوي والضربات بعيدة المدى وحمل كميات كبيرة من الأسلحة والوقود.
وتشير البيانات المتداولة حول تصميمها إلى وزن إقلاع أقصى يقترب من 35 طنًا، مع قدرة حمل تسليحي تقدر بنحو 12 طنًا على عدد كبير من نقاط التعليق، إضافة إلى رادار إلكتروني نشط AESA وقدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية والاشتباك بعيد المدى. وتمنحها هذه المواصفات قدرة أكبر من المقاتلات الأخف على تنفيذ مهام بعيدة عن قواعدها، خصوصًا عند دمجها مع طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود جوًا.
وهنا تظهر أهمية J-16 بالنسبة إلى مصر.
فالقاهرة تمتلك بالفعل مزيجًا من المقاتلات الأمريكية والفرنسية والروسية، أبرزها إف-16 ورافال وميغ-29إم/إم2، لكن أحد التحديات التاريخية التي واجهت القوات الجوية المصرية تمثل في امتلاك مقاتلة ثقيلة ذات مدى كبير وقدرة عالية على حمل الأسلحة وتنفيذ مهام جوية بعيدة المدى.
وكانت صفقة سو-35 الروسية واحدة من أبرز المحاولات المصرية لمعالجة هذه الفجوة. فقد دخلت مصر في مفاوضات للحصول على ما يصل إلى 24 مقاتلة سو-35 في صفقة قدرت قيمتها بنحو 2 مليار دولار، قبل أن تنهار الصفقة في ظل الضغوط الأمريكية والتهديد باستخدام عقوبات قانون CAATSA.
وبالتالي، فإن ظهور J-16 في مصر يكتسب أهمية أكبر من مجرد مناورة عسكرية، لأنه يأتي في وقت لا تزال فيه الحاجة المصرية إلى مقاتلة ثقيلة بعيدة المدى قائمة، خصوصًا مع اتساع دائرة المصالح والتهديدات التي يتعين على القوات المسلحة المصرية التعامل معها خارج نطاق الحدود المباشرة.


وتبرز هنا منطقة البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي باعتبارها امتدادًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي المصري. فمصر لا تعتمد فقط على قناة السويس، وإنما ترتبط مصالحها التجارية والبحرية بأمن خطوط الملاحة الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي. ومع استمرار التوترات الأمنية في منطقة البحر الأحمر، أصبحت القدرة على مراقبة المجال الجوي والبحري لمسافات بعيدة أكثر أهمية بالنسبة إلى القاهرة. كما أن الموقع الجغرافي لباب المندب يجعل أي اضطراب واسع في المنطقة ذا تأثير مباشر على حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس.
ولا تتوقف الحسابات المصرية عند البحر الأحمر. فملف سد النهضة الإثيوبي يمثل عاملًا استراتيجيًا آخر يفسر اهتمام القاهرة تاريخيًا بالمقاتلات بعيدة المدى.
فالمسافة الجغرافية بين القواعد الجوية المصرية ومناطق العمليات المحتملة في إثيوبيا تفرض متطلبات مختلفة عن العمليات داخل سيناء أو على الحدود الليبية. وفي هذا السياق، تحتاج أي قدرة جوية مصرية بعيدة المدى إلى مزيج من المدى، والحمولة، والتزود بالوقود جوًا، وقدرات الاشتباك بعيد المدى، والحرب الإلكترونية.
وقد أشارت دراسات سابقة حول التفكير العسكري المصري إلى أن سد النهضة كان أحد العوامل التي دفعت القاهرة إلى البحث عن قدرات جوية أكثر تطورًا ومدى أطول، بالتوازي مع الحاجة إلى حماية المصالح المصرية في شرق المتوسط.
فالميزة الأساسية في J-16 ليست فقط قدرتها على حمل عدد كبير من الصواريخ، وإنما المنظومة التي يمكن أن تعمل ضمنها. فقد وصلت المقاتلات الصينية إلى مصر ضمن حزمة شملت طائرات التزود بالوقود YY-20A ، وطائرة الإنذار المبكر والسيطرة KJ-500، وطائرات نقل استراتيجية Y-20A ، إضافة إلى طائرات أخرى متخصصة. وهذا يعني أن الصين لم تعرض مقاتلة منفردة، وإنما عرضت للقاهرة نموذجًا متكاملًا لعمليات جوية بعيدة المدى.
وهذا الجانب مهم جدًا بالنسبة إلى مصر، لأن الوصول إلى مدى بعيد لا يعتمد على المقاتلة وحدها. فوجود طائرات مثل KJ-500 للإنذار المبكر والسيطرة، و YY-20A للتزود بالوقود جوًا، يمكن أن يرفع بصورة كبيرة قدرة المقاتلات على البقاء في الجو وتنفيذ مهام بعيدة عن القواعد المصرية.


كما أن التدريبات التي أجرتها J-16 مع الرافال المصرية تحمل قيمة إضافية. فقد أتاحت للقوات الجوية المصرية اختبار مقاتلة صينية ثقيلة ضد واحدة من أحدث المقاتلات الموجودة في أسطولها، في تدريبات تضمنت القتال الجوي ومهام تحقيق التفوق الجوي والتزود بالوقود جوًا. وأكدت وزارة الدفاع المصرية أن المناورات تضمنت تنفيذ طلعات لمهاجمة أهداف معادية والدفاع عن أهداف حيوية، إلى جانب التدريب على عمليات التزود بالوقود جوًا.
كما أن انفتاح مصر المتزايد على الخيارات الصينية قد يمثل ورقة ضغط تفاوضية على الولايات المتحدة والغرب، بهدف الحصول على عروض أفضل وشروط أكثر ملاءمة في صفقات التسليح الغربية، بما في ذلك احتمال الدفع باتجاه مقاتلات مثل إف-15، إلى جانب تسريع أو تحسين شروط الحصول على إف-16 بلوك 70/72. وبالتالي، فإن القاهرة قد تستفيد من تعدد الخيارات بين الشرق والغرب لتعزيز موقفها التفاوضي، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن المنظومات الغربية.
وفي المقابل، فإن ظهور J-16 في مصر لا يعني أن القاهرة اتخذت قرارًا بشراء هذه المقاتلة. ففرص تصدير هذا الطراز قد تظل محدودة، باعتباره من المقاتلات الثقيلة الرئيسية في الخطوط الأمامية للقوات الجوية الصينية، فضلًا عن ارتباط تصميمه بعائلة Su-30 الروسية. لذلك، قد يكون نشر J-16 في مصر جزءًا من استعراض أوسع للقدرات الجوية الصينية وإتاحة الفرصة للجانب المصري لتقييمها ميدانيًا، وليس بالضرورة تمهيدًا لإعلان صفقة وشيكة.
ولهذا يمكن النظر إلى J-16 باعتبارها نموذجًا لما تبحث عنه القاهرة من حيث المبدأ: مقاتلة ثقيلة، ثنائية المحرك، ذات حمولة كبيرة، ومدى طويل، وقادرة على العمل مع طائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود جوًا، بما يسمح بتغطية مساحات واسعة تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وبعد تعثر صفقة سو-35، لم تعد المسألة المصرية مرتبطة بطائرة روسية بعينها، بل أصبحت مرتبطة بالحاجة إلى قدرة جوية بعيدة المدى تستطيع التعامل مع بيئة استراتيجية تتوسع فيها دوائر المصالح المصرية من المتوسط وقناة السويس إلى البحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى شرق إفريقيا وملف سد النهضة.
ومن هنا تحديدًا يمكن تفسير الاهتمام الكبير بظهور J-16 في مصر، حتى لو لم تكن المقاتلة نفسها هي الطائرة التي ستنتهي القاهرة إلى اختيارها. فالمهم بالنسبة إلى مصر هو سد فجوة المقاتلة الثقيلة بعيدة المدى، وهي الفجوة التي ظهرت بوضوح بعد فشل مشروع سو-35، بينما تقدم الصين اليوم عدة خيارات ضمن منظومة جوية متكاملة يمكن أن تشمل المقاتلات والرادارات وطائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود والذخائر بعيدة المدى.
فهل ستتجه مصر إلى مقاتلة صينية ثقيلة مثل J-16، أم إلى مقاتلة أخرى مثل J-10C أو J-35، أم ستبحث عن حل غربي لهذه الفجوة؟ الإجابة ستحدد بدرجة كبيرة شكل القوة الجوية المصرية وقدرتها على تنفيذ عمليات بعيدة المدى خلال العقد المقبل.





