هل فقدت الدبابات الثقيلة أهميتها في الحروب الحديثة؟ خسائر آلاف الدبابات تطرح تساؤلات حول مستقبل السلاح المدرع.
موقع الدفاع العربي – 5 نوفمبر 2026: لم تعد الدبابة الثقيلة تتحرك في ساحة المعركة بالظروف التي صُممت من أجلها خلال الحرب الباردة. فبدلًا من مواجهة الدبابات المعادية والمدرعات على مسافات مباشرة، أصبحت تواجه شبكة متكاملة من وسائل الاستطلاع والاستهداف، تشمل الطائرات المسيّرة الصغيرة، والذخائر الجوالة، والصواريخ المضادة للدروع، والمدفعية الدقيقة، والألغام.
وتكشف الحرب الروسية الأوكرانية عن حجم هذا التحول؛ إذ أصبحت مراقبة ساحة المعركة مستمرة تقريبًا، وأصبح من الصعب تحريك تشكيل مدرع كبير دون اكتشافه، خصوصًا في المناطق المكشوفة. ومع ذلك، فإن الخسائر الكبيرة لا تعني اختفاء الحاجة إلى الدبابات، بل تكشف عن تغير شروط بقائها واستخدامها والمهام المطلوبة منها.
وقدمت دراسة معهد العلاقات الدولية الفرنسي (IFRI)، التي نشرها في نوفمبر 2025، أحد التقييمات المهمة لمستقبل الدبابات الثقيلة، مشيرة إلى أن روسيا وأوكرانيا فقدتا معًا أكثر من 5,000 دبابة منذ فبراير 2022.
وبحسب قاعدة بيانات Oryx المتخصصة في توثيق الخسائر العسكرية بالصور ومقاطع الفيديو، بلغ إجمالي الخسائر الروسية والأوكرانية الموثقة أكثر من 5,300 دبابة في الفترة التي تناولتها الدراسة، تشمل الدبابات المدمرة والمتضررة والمتروكة والمستولى عليها.
ولا تمثل هذه الأرقام إجمالي الخسائر الفعلية، بل الحد الأدنى الذي أمكن توثيقه بصريًا.
وأظهرت بيانات لاحقة استمرار ارتفاع الخسائر الموثقة، إذ أوردت منصة كان UA Stat، استنادًا إلى التوثيق المرئي، حتى 28 أكتوبر 2026، خسارة روسيا 4,453 دبابة وأوكرانيا 1,471 دبابة، ضمن مختلف فئات الخسائر.
ويعود جزء كبير من هذا التحول إلى انتشار الطائرات المسيّرة، التي أصبحت وسيلة أساسية لاستطلاع مواقع القوات المدرعة ومراقبة تحركاتها وتوجيه النيران نحوها. فلم يعد اكتشاف دبابة يتطلب بالضرورة طائرة استطلاع كبيرة أو منظومة مراقبة متقدمة، إذ تستطيع مسيّرة صغيرة مزودة بكاميرا بصرية أو حرارية رصد المركبات ونقل إحداثياتها إلى وحدات الاستهداف.
وتستخدم القوات الروسية والأوكرانية مسيّرات FPV الانتحارية لمهاجمة الدبابات والمركبات المدرعة، إلى جانب المسيّرات الاستطلاعية التي تراقب تحركاتها وتحدد مواقعها. ووفقًا لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، أصبحت المسيّرات مسؤولة عن ما يصل إلى 80% من الخسائر البشرية على خطوط المواجهة في أوكرانيا بحلول عام 2025. وتتعلق هذه النسبة بالخسائر البشرية عمومًا، وليس بتدمير الدبابات وحدها.
وتكمن خطورة المسيّرات الهجومية في قدرتها على استهداف الدبابات من الأعلى، حيث تكون سماكة التدريع في السطح العلوي للبرج والهيكل أقل عادة من التدريع الأمامي المصمم لمواجهة القذائف والصواريخ القادمة من الاتجاهات الأمامية.
وقد دفعت هذه التهديدات روسيا وأوكرانيا إلى تركيب هياكل معدنية وشبكات واقية فوق أبراج الدبابات، فيما يعرف إعلاميًا باسم «قفص الحماية»، إلى جانب تطوير وسائل التشويش الإلكتروني وأجهزة التحذير والاستشعار. وظهرت هذه التعديلات على دبابات روسية من طراز T-72 و T-80 و T-90، كما استخدمت القوات الأوكرانية تجهيزات مماثلة لحماية بعض مركباتها المدرعة.
ولا تقتصر التهديدات على المسيّرات، إذ لا تزال الصواريخ المضادة للدروع والألغام والمدفعية تمثل مصادر رئيسية للخطر. ومن أبرز الصواريخ المستخدمة في الحرب صاروخ جافلين Javelin الأمريكي، الذي يعتمد على باحث حراري ويتيح مهاجمة الأهداف من الأعلى، وصاروخ NLW البريطاني السويدي، وصاروخ Kornet الروسي الموجه بالليزر، إضافة إلى Stugna-P الأوكراني وصاروخ TOW الأمريكي.
أما الألغام، فتؤدي دورًا مهمًا في تعطيل التقدم المدرع، خصوصًا في المناطق التي جرى تحصينها على مدى أشهر. فقد تتعرض الدبابة لانفجار لغم يؤدي إلى تدمير جنازيرها أو تعطيل حركتها دون تدميرها بالكامل، لتصبح بعد ذلك هدفًا أسهل للمسيّرات والمدفعية والصواريخ المضادة للدروع.
وتكشف هذه العمليات عن أهمية مركبات إزالة الألغام والهندسة القتالية، إذ يتطلب اختراق الخطوط الدفاعية فتح ممرات آمنة وتوفير إسناد ناري وحماية للقوات المتقدمة، وليس مجرد إرسال الدبابات إلى ساحة المعركة.
وتقدم تجربة الدبابات الغربية في أوكرانيا مثالًا واضحًا على هذه التحديات. ففي يناير 2023، وافقت الولايات المتحدة على إرسال 31 دبابة M1A1 Abrams إلى أوكرانيا، لكن في أبريل 2024 نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أمريكيين أن كييف أخرجت هذه الدبابات مؤقتًا من خطوط المواجهة، بسبب انتشار المسيّرات الروسية وصعوبة تحريكها دون اكتشافها واستهدافها.
وفي ذلك الوقت، كانت أوكرانيا قد خسرت خمس دبابات أبرامز من أصل 31 تسلمتها، أي نحو 16.1% من الدفعة. وأوضح مسؤولون عسكريون أمريكيون أن انتشار المسيّرات غيّر طبيعة العمليات المدرعة، وجعل تجميع أعداد كبيرة من المركبات في منطقة واحدة أكثر خطورة.
كما تعرضت دبابات Leopard 2 الألمانية لخسائر خلال الهجوم الأوكراني المضاد في صيف 2023، خصوصًا أثناء محاولات اختراق الخطوط الدفاعية الروسية في منطقة زابوريجيا، حيث واجهت القوات الأوكرانية حقول ألغام كثيفة ونيران المدفعية والأسلحة المضادة للدروع.
ولا تعني هذه الخسائر بالضرورة وجود عيوب جوهرية في تصميم الدبابات، إذ ترتبط النتائج أيضًا بظروف العمليات والتكتيكات المستخدمة ومستوى التنسيق بين الدبابات والمشاة والمدفعية والاستطلاع والدعم الجوي.
وفي مواجهة هذه التهديدات، تتجه شركات الصناعات الدفاعية إلى تطوير أنظمة الحماية النشطة (APS)، التي تستخدم الرادارات وأجهزة الاستشعار لاكتشاف الصواريخ والقذائف المهاجمة، ثم إطلاق وسائل اعتراض لتدميرها أو تغيير مسارها قبل وصولها إلى المركبة.
ومن أبرز هذه الأنظمة منظومة تروفي Trophy الإسرائيلية التي طورتها شركة رافائيل Rafael ، وتُستخدم على دبابات ميركافا Merkava الإسرائيلية، كما جرى دمجها على دبابات أبرامز Abrams الأمريكية. وهناك أيضًا منظومة القبضة الحديدية Iron Fist من شركة إلبيت سيستمز Elbit Systems ، ومنظومتا Arena-M و Afganit الروسيتان.
وفي ألمانيا، يجري تجهيز دبابات Leopard 2A8 بمنظومة Trophy ، ضمن برنامج لتوفير حماية إضافية ضد الصواريخ والقذائف المضادة للدروع. وتتيح هذه الأنظمة اكتشاف بعض التهديدات والتعامل معها قبل إصابة الدبابة، لكنها لا توفر حماية مطلقة، خصوصًا أمام الهجمات المتزامنة أو المسيّرات التي تقترب من زوايا لا تغطيها جميع أجهزة الاستشعار.
وعلى الرغم من هذه التحديات، لا تزال الدول تواصل الاستثمار في الدبابات الثقيلة وتطويرها. فقد أدخلت ألمانيا دبابة Leopard 2A8، التي تتضمن تحسينات في الحماية والاستشعار، فيما تواصل الولايات المتحدة تحديث دبابة M1A2 Abrams إلى معيار SEPv3، مع تطوير أنظمة الاتصالات والتحكم النيراني والحماية.
وتواصل كوريا الجنوبية تسويق دبابة K2 Black Panther ، المزودة بمدفع عيار 120 ملم ونظام تلقيم آلي وأنظمة حماية متطورة، بينما تعمل روسيا على تحديث دبابة T-90M ، التي حصلت على تحسينات في التدريع وأنظمة الرؤية والتحكم النيراني بالإظافة إلى مواصلتها تطوير الدبابة الأحدث أرماتا. أما إسرائيل فتواصل تطوير عائلة Merkava ، مع الاعتماد على منظومة Trophy للحماية النشطة.
وتظل الدبابات توفر قدرات قتالية يصعب استبدالها بالكامل بالمسيّرات أو المركبات الخفيفة، وفي مقدمتها قوة النيران المباشرة، والحماية المدرعة، والقدرة على دعم تقدم المشاة وتدمير التحصينات والمواقع المعادية.
وتستخدم الدبابات الغربية الحديثة عمومًا مدافع رئيسية من عيار 120 ملم، بينما تعتمد معظم الدبابات الروسية الحديثة على مدافع عيار 125 ملم. وتتيح هذه المدافع استخدام ذخائر متنوعة لمواجهة الدبابات والمركبات المدرعة والتحصينات والأهداف الأرضية.
كما أن الدبابة لا تعمل بالضرورة في الخطوط الأمامية طوال الوقت؛ إذ يمكن استخدامها في الإسناد الناري من مواقع محمية، أو توفير غطاء للقوات البرية خلال عمليات التقدم، أو التعامل مع مواقع العدو المحصنة.
وفي هذا السياق، شهدت العمليات الروسية تحولًا في استخدام القوات المدرعة. فبعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها التشكيلات المدرعة خلال المراحل الأولى من الحرب، اتجهت القوات الروسية إلى استخدام مجموعات أصغر وأكثر تفرقًا، مع الاعتماد على الدبابات في إسناد المشاة وتقديم النيران المباشرة وضرب المواقع الدفاعية.
وأشار المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مايو 2024 إلى أن روسيا ربما خسرت أكثر من 8,000 مركبة قتالية مدرعة خلال أول 24 شهرًا من الحرب، بينها أكثر من 3,000 دبابة قتال رئيسية. ودفع ذلك موسكو إلى إعادة إخراج معدات قديمة من المخازن لتعويض الخسائر، إلى جانب استمرار إنتاج الدبابات وتحديث المخزون الموجود.
ومن الناحية الاقتصادية، أظهرت الحرب تفاوتًا كبيرًا بين تكلفة بعض وسائل الهجوم وتكلفة المعدات المستهدفة. فمسيّرات FPV يمكن تصنيعها باستخدام مكونات تجارية بتكلفة أقل بكثير من تكلفة دبابة حديثة تبلغ قيمتها عدة ملايين من الدولارات. وهذا يدفع الجيوش إلى إنفاق موارد إضافية على أنظمة التشويش والحماية النشطة والاستطلاع والدفاع الجوي قصير المدى.
لكن مقارنة سعر المسيّرة بسعر الدبابة لا تعكس وحدها التكلفة الحقيقية للعمليات؛ فليس كل هجوم ناجح يؤدي إلى تدمير الدبابة، كما أن بعض المركبات المتضررة يمكن إصلاحها وإعادتها إلى الخدمة.
وتشير التطورات الحالية إلى أن الدبابات ستشهد مزيدًا من التغييرات، تشمل دمج أنظمة الحماية النشطة، وتركيب أجهزة استشعار وكاميرات تغطي محيط المركبة، وتطوير وسائل التشويش على المسيّرات، وربط الدبابة بشبكات الاستطلاع والقيادة والسيطرة، فضلًا عن دراسة استخدام مركبات مدرعة غير مأهولة يتم التحكم فيها عن بُعد في المهام عالية الخطورة.
وبالتالي فإن التحولات التي كشفت عنها الحرب الروسية الأوكرانية تتعلق بصورة أساسية بطريقة استخدام الدبابة وتصميمها ومستوى الحماية المطلوب منها، في ظل بيئة قتالية أصبحت أكثر شفافية وخطورة. وتستمر الجيوش في تطوير هذه المنصات، بالتوازي مع الاستثمار في المسيّرات والأنظمة غير المأهولة والأسلحة المضادة للدروع.