محمد أحمد حمود
لم يتردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الإقرار بأن العدوان على إيران كان «جزءًا» من أسباب خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، فيما أقرّ نائبه جي دي فانس بأن ارتفاع تكاليف المعيشة وإخفاق الحزب في إيصال رسالته الاقتصادية أسهما في التراجع الانتخابي. وتضع هذه النتائج إدارة ترامب أمام معادلة سياسية معقّدة، في ظل تزايد الضغوط الداخلية وتباين الحسابات مع تل أبيب. فهل تدفع الخسائر الانتخابية واشنطن نحو تسوية مع طهران، أم إلى تصعيد عسكري بحثًا عن إنجاز سياسي، أم تبقى المواجهة مفتوحة دون حسم أو تسوية؟ وكيف ستنعكس هذه التحولات على موقف إيران وحسابات نتنياهو ومستقبل الدعم الأميركي لكيان العدو، وصولًا إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2028؟
- نتائج الانتخابات الأميركية وتراجع التأييد الشعبي للحرب على إيران
كشفت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، التي أُجريت في 3 تشرين الثاني 2026، عن حجم التداعيات السياسية الداخلية للحرب على إيران، بعدما تحوّلت تكاليفها العسكرية والاقتصادية إلى عامل مؤثر في توجهات الناخبين الأميركيين. وبحسب استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع التي أوردتها صحيفة جيروزاليم بوست، عارض 62% من المستطلعين استمرار الحرب، فيما أقرّ الرئيس دونالد ترامب بأن الملف الإيراني كان أحد العوامل التي أسهمت في خسائر الحزب الجمهوري. وتضع هذه النتائج الإدارة الأميركية أمام معادلة معقّدة، تتمثّل في الموازنة بين مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران والاستجابة للضغوط الشعبية والسياسية المتزايدة المطالبة بإنهاء الحرب وتخفيف أعبائها الاقتصادية. (أميخاي شتاين، The Jerusalem Post، 4 تشرين الثاني 2026(.
وبحسب دراسة لمركز الإتحاد للأبحاث والتطوير تحت عنوان : ” الاستعصاء المؤلم المتبادل-بنية المعضلة الأميركية الاسرائيلية الإيرانية” تفرض نتائج الانتخابات الأميركية متغيرًا جديدًا على حسابات إدارة ترامب في مواجهة إيران، إذ لم يعد قرار استمرار الحرب أو تصعيدها محكومًا بالاعتبارات العسكرية وحدها، بل بات أكثر ارتباطًا بكلفتها الاقتصادية والسياسية وبموقف الكونغرس والرأي العام. وقد يؤدي تراجع التأييد الشعبي للحرب إلى تضييق هامش المناورة أمام الرئيس الأميركي، خصوصًا إذا اقترن بتزايد الضغوط التشريعية على تمويل العمليات العسكرية وتوسيعها، ما يجعل الحسابات الداخلية عاملًا مؤثرًا في تحديد مسار المواجهة المقبلة.

أنصار الديمقراطي جيمس تالاريكو يحتفلون بفوزه بمقعد مجلس الشيوخ عن تكساس، منهياً 38 عاماً من غياب الديمقراطيين عن المقعد. (رويترز)
وفي دراسة أخرى لمركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – يوفيد، تحت عنوان: “الكيان في استطلاعات الرأي الأميركية: ملامح تحوّل في المزاج الشعبي”، الصادرة في 21 آب 2026، أشارت أنهلا يمكن فصل التراجع الانتخابي للجمهوريين عن التحولات الأوسع في المزاج الشعبي الأميركي تجاه الحروب الخارجية والعلاقة مع كيان العدو . فقد رصدت دراسات اتجاهات الرأي العام تراجعًا متواصلًا في النظرة الإيجابية إلى الكيان ، بالتوازي مع تنامي التساؤلات بشأن كلفة الالتزامات الأميركية في الشرق الأوسط ومن شأن هذه التحولات أن تمنح القوى المعارضة لاستمرار الحرب مساحة أوسع للتأثير في النقاش السياسي الداخلي دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولًا فوريًا في السياسة الخارجية الأميركية أو إنهاء الدعم العسكري للعدو.
ويشكّل العامل الاقتصادي أحد أبرز القيود التي قد تواجه ترامب بعد الانتخابات، فاستمرار التوتر العسكري مع إيران، وما يرافقه من اضطرابات في أسواق الطاقة والممرات البحرية، يهدد بارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع داخل الولايات المتحدة. ومع انتقال تداعيات الحرب إلى القدرة الشرائية للمواطن الأميركي، قد تتحول المواجهة الخارجية إلى عبء سياسي داخلي إضافي على الإدارة الجمهورية، بما يدفعها إلى إعادة النظر في جدوى استمرار العمليات العسكرية قياسًا إلى النتائج التي يمكن تحقيقها.(مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – يوفيد: “الكيان في استطلاعات الرأي الأميركية: ملامح تحوّل في المزاج الشعبي”، 21 آب 2026)
وفي هذا السياق، أقرّ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن نتائج الانتخابات عكست حالة من الغضب والإحباط داخل القاعدة الانتخابية التي دعمت دونالد ترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية عام 2024. وأشار إلى إخفاق الحزب في إيصال رسالته الاقتصادية بصورة واضحة ومقنعة، في ظل تصاعد استياء الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب مع إيران. ويعكس هذا الموقف حجم التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية في التوفيق بين استمرار انخراطها العسكري في الشرق الأوسط والتزاماتها الداخلية، ولا سيما شعار «أميركا أولاً» الذي شكّل إحدى الركائز الأساسية لخطاب ترامب الانتخابي.
وفي منشور عبر منصة «إكس»، بتاريخ 4 تشرين الثاني 2026، تناول فانس أسباب التراجع الانتخابي للحزب الجمهوري، مشيراً إلى مجموعة من العوامل التي أسهمت في اتساع الفجوة بين الإدارة الأميركية وقسم من ناخبيها، وفي مقدمتها استمرار الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الالتزام بشعار «أميركا أولاً»، والاعتراضات على طبيعة العلاقة مع كيان العدو. وتُظهر هذه المعطيات أن الحرب مع إيران لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية خارجية، بل تحوّلت إلى عامل ضغط داخلي يهدّد القاعدة الشعبية للرئيس ترامب، ويضع إدارته أمام خيارات صعبة بين الاستمرار في التصعيد العسكري أو البحث عن تسوية سياسية تحدّ من الخسائر الاقتصادية والانتخابية.( وكالة رويترز، 4 تشرين الثاني 2026؛ وكالة أسوشيتد برس، 4 تشرين الثاني 2026.)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يعلّق عبر منصة «إكس» على خسائر الجمهوريين في الانتخابات النصفية، رابطًا نتائجها بالحرب على إيران وارتفاع تكاليف المعيشة. (4 تشرين الثاني 2026)
- خيارات ترامب بعد الخسارة الانتخابية: التسوية أم التصعيد أم استنزاف الحرب؟
تضع الخسائر الانتخابية التي مُني بها الحزب الجمهوري الرئيس دونالد ترامب أمام ثلاثة احتمالات رئيسية في إدارة الحرب على إيران: التوجه نحو تسوية سياسية تتيح إنهاء العمليات العسكرية، أو اللجوء إلى تصعيد عسكري محدود زمنيًا بهدف تحقيق نتائج ميدانية يمكن توظيفها سياسيًا، أو الإبقاء على الوضع الراهن بما يعنيه من استمرار المواجهة واستنزاف قدرات الأطراف المنخرطة فيها. وبين هذه الاحتمالات، تتداخل الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية، في ظل سعي الإدارة الأميركية إلى الموازنة بين أهدافها الاستراتيجية وتداعيات الحرب على موقعها السياسي بعد الانتخابات.
وقد تدفع الخسائر الانتخابية ترامب إلى تكثيف المسار التفاوضي مع إيران بحثًا عن اتفاق يسمح له بإعلان انتهاء العمليات العسكرية وتقديم التسوية بوصفها إنجازًا سياسيًا. غير أن الوصول إلى مثل هذا الاتفاق يبقى مرتبطًا بقدرة الطرفين على تجاوز الخلاف بشأن ترتيب التنازلات والضمانات؛ فواشنطن تسعى إلى انتزاع التزامات إيرانية قبل تخفيف الضغوط، بينما تربط طهران أي تسوية برفع العقوبات والقيود المفروضة عليها. وعليه، فإن ارتفاع كلفة الحرب قد يعزز دوافع التفاوض، لكنه لا يضمن نجاحه.
في المقابل، لا يمكن استبعاد لجوء ترامب إلى تصعيد عسكري أكثر كثافة، لكنه محدود زمنيًا، في محاولة لتحقيق نتائج ميدانية يمكن توظيفها سياسيًا للتعويض عن التراجع الانتخابي. بيد أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر تتجاوز حدود العملية العسكرية نفسها، إذ إن التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي لا يكفل بالضرورة تحقيق حسم استراتيجي، خصوصًا في ظل احتفاظ إيران بقدرات صاروخية وأدوات ضغط إقليمية تمكنها من توسيع كلفة المواجهة. ومن ثم، قد يتحول التصعيد الهادف إلى إنهاء الحرب إلى عامل إضافي لإطالة أمدها.
أما الاحتمال الثالث، فيتمثل في استمرار الوضع الراهن، بحيث تبقى المواجهة مفتوحة ضمن مستويات متفاوتة من التصعيد والتهدئة، من دون أن يمتلك أي طرف القدرة على فرض حسم نهائي أو تسوية مستقرة. ويقترب هذا السيناريو مما يُعرف في أدبيات تسوية النزاعات بمفهوم «الاستعصاء المؤلم المتبادل»، الذي طوّره الباحث ويليام زارتمان، حيث تستمر الأطراف في إلحاق الأضرار بعضها ببعض، رغم إدراكها المتزايد لكلفة المواجهة، نتيجة غياب شروط التسوية أو اعتقاد كل منها بإمكان تحسين موقعه من خلال مزيد من الضغط. وفي هذه الحالة، لا تعني استمرارية الحرب اقتراب النصر، بل قد تؤدي إلى استنزاف الموارد وتعميق الانقسامات الداخلية وتوسيع المخاطر الإقليمية. .( مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير – يوفيد الاستعصاء المؤلم المتبادل»، 3 تشرين الثاني 2026)
- الكونغرس الجديد ومستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل
قد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الكونغرس إلى زيادة الرقابة التشريعية على السياسة الخارجية لإدارة ترامب، ولا سيما العمليات العسكرية في إيران وغزة ولبنان. كما تتيح الأغلبية الديمقراطية توسيع النقاش حول المساعدات العسكرية الأميركية للكيان ومبيعات الأسلحة وشروط استمرار الدعم. ويتزامن ذلك مع تصاعد تيارات داخل الحزب الديمقراطي تدعو إلى مراجعة طبيعة العلاقة الأميركية–الإسرائيلية، الأمر الذي قد يفرض قيودًا سياسية إضافية على خيارات الإدارة الأميركية، من دون أن يعني بالضرورة حدوث تحول فوري في التحالف الاستراتيجي بين البلدين. (رويترز، «تداعيات انتخابات التجديد النصفي الأميركية على العالم»، 4 تشرين الثاني 2026.)

قيادة الحزب الديمقراطي عقب الانتصار الانتخابي ، سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تفتح الباب أمام رقابة أوسع على المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل
على الرغم من أن التحولات داخل الكونغرس قد تفتح المجال أمام تشديد الرقابة على المساعدات العسكرية الأميركية لكيان العدو، فإن تقييد هذا الدعم يواجه تعقيدات مؤسسية تتجاوز التصويت على المخصصات المالية المباشرة. وفي هذا السياق، تشير دراسة بعنوان «تأثير الاندماج الأميركي الإسرائيلي على قرار الحرب ضد إيران»، الصادرة في 3 تشرين الثاني 2026 عن مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير -يوفيد، إلى أن العلاقة العسكرية بين الطرفين تطورت باتجاه تكامل أوسع في البحث والتطوير والإنتاج الدفاعي المشترك والمخزونات العسكرية والتنسيق العملياتي. ومن شأن هذه البنية أن تجعل أي محاولة لتقليص الدعم أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن جزءًا من التعاون بات متصلًا بالمصالح الصناعية والعسكرية الأميركية نفسها، وليس بالمساعدات التقليدية وحدها.
وفي ما يتعلق بالقيود على قرار الحرب، توضح الدراسة نفسها أن اتساع التكامل العسكري الأميركي الإسرائيلي لا يمنح تل أبيب حرية مطلقة في اتخاذ قرار الحرب أو الاستمرار فيها. إذ تبقى بعض الموارد والمخزونات العسكرية الأميركية خاضعة لقرار واشنطن، فيما يؤدي استمرار العمليات إلى زيادة الضغط على خطوط الإمداد والذخائر والقدرات الدفاعية. كما أن هذا الاندماج، على الرغم من أهميته في تعزيز قدرة إسرائيل على مواصلة القتال، لا يضمن تحقيق حسم عسكري ضد إيران أو منعها من الرد. وعليه، قد تمنح هذه القيود الإدارة الأميركية أدوات للتأثير في مستوى التصعيد الإسرائيلي، دون أن تؤدي بالضرورة إلى فك الارتباط العسكري بين البلدين.
- طهران وقراءة التحولات السياسية في واشنطن
تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية إيران أمام معادلة سياسية معقّدة، تتداخل فيها فرص التوصل إلى تسوية سياسية مع احتمالات تجدد التصعيد العسكري. فقد نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة على مواقف حكومات خليجية تقديرات تفيد بأن الخسائر الانتخابية التي مُني بها الحزب الجمهوري قد تدفع الرئيس دونالد ترامب إلى البحث عن اتفاق ينهي الحرب مع إيران، ويحدّ من احتمالات شنّ هجوم عسكري واسع جديد. وفي المقابل، حذّرت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، من أن قراءة طهران لهذه النتائج باعتبارها مؤشراً إلى ضعف الإدارة الأميركية قد تدفعها إلى التشدد في شروطها التفاوضية، بما يزيد من مخاطر التصعيد مجدداً. وعليه، فإن انعكاسات الانتخابات لا تقتصر على إعادة تشكيل حسابات واشنطن، بل تمتد إلى الموقف الإيراني ومدى استعداد طهران لاستثمار التحولات السياسية الداخلية الأميركية في تحسين موقعها التفاوضي. (رويترز، 4 تشرين الثاني 2026).

محسن رضائي يعتبر عبر منصة «إكس» أن الهزيمة الاستراتيجية التي مُني بها ترامب في المواجهة مع إيران ومضيق هرمز انعكست هزيمةً سياسية في الانتخابات الأميركية. (4 تشرين الثاني 2026)
وفي هذا السياق، عكست تصريحات محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، توجهاً نحو ربط النتائج الانتخابية الأميركية بمسار المواجهة العسكرية مع إيران. فقد اعتبر أن خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس شكّلت امتداداً لما وصفه بالهزيمة الاستراتيجية التي مُنيت بها الولايات المتحدة في مواجهتها مع الجمهورية الإسلامية. وأكد رضائي، في منشور عبر منصة «إكس» بتاريخ 4 تشرين الثاني 2026، أن الشعب الإيراني ألحق بالرئيس ترامب هزيمة استراتيجية في ميدان المعركة ومضيق هرمز، أعقبتها هزيمة سياسية في واشنطن. ورأى أن الأميركيين باتوا يتحملون التداعيات الاقتصادية والسياسية للحروب التي خاضتها إدارة ترامب، محذّراً من أن مواجهة إيران تترتب عليها أثمان باهظة، سواء في الميدان العسكري أو على المستوى الداخلي للدول التي تخوضها.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وفودًا رفيعة المستوى من السعودية وباكستان وتركيا في طهران، 26 تشرين الأول 2026. (الرئاسة الإيرانية عبر AP)
قد تنظر إيران إلى نتائج الانتخابات الأميركية باعتبارها فرصة لتحسين موقعها التفاوضي، انطلاقًا من تقديرها أن تراجع شعبية ترامب وارتفاع كلفة الحرب يضعفان قدرة الإدارة الأميركية على تحمّل مواجهة طويلة. وفي هذا السياق، لا تحتاج طهران إلى تحقيق تفوق عسكري على الولايات المتحدة بقدر حاجتها إلى الاحتفاظ بأدوات ضغط تمكّنها من رفع كلفة استمرار العمليات، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو التأثير في المصالح والقواعد الأميركية والممرات البحرية. غير أن هذه الحسابات لا تعني بالضرورة رفض التسوية، بل قد تدفع إيران إلى التشدد في شروطها للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية أكبر.(مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير-يوفيد «الاستعصاء المؤلم المتبادل»، 3 تشرين الثاني 2026)
- تباين حسابات ترامب ونتنياهو ومستقبل العلاقات الأميركية–الإسرائيلية
تزامنت خسائر الجمهوريين في الولايات المتحدة مع نتائج انتخابية إسرائيلية غير حاسمة، ما أضاف عاملًا داخليًا جديدًا إلى حسابات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو. وقد استثمر خصومه السياسيون تقدم الديمقراطيين في انتقاد سياساته، معتبرين أنها أسهمت في إضعاف الدعم الأميركي التقليدي للكيان داخل الحزبين. وفي ظل هذه المعطيات، قد تتزايد احتمالات التباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن توقيت إنهاء الحرب على إيران وشروط التسوية المحتملة، خصوصًا إذا سعى ترامب إلى تحقيق اختراق دبلوماسي، بينما ربط نتنياهو خياراته العسكرية بمقتضيات تشكيل الحكومة الجديدة ومستقبل موقعه السياسي.(أميخاي شتاين، The Jerusalem Post، 4 تشرين الثاني 2026.)

ترامب ونتنياهو في الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، وسط تباين محتمل في حسابات الحرب على إيران.
قد تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى تعميق التباين بين ترامب ونتنياهو بشأن مستقبل الحرب على إيران، خصوصًا إذا سعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق تسوية سريعة تخفف الضغوط الداخلية، في مقابل تمسّك رئيس وزراء العدو بأهداف أمنية أوسع تتطلب استمرار العمليات العسكرية. غير أن اختلاف الحسابات السياسية بين الرجلين لا يعني بالضرورة تراجع التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب ذلك أن العلاقة العسكرية والأمنية بين الطرفين تستند إلى شبكة واسعة من المؤسسات والاتفاقيات والمصالح المشتركة التي تتجاوز طبيعة العلاقة الشخصية بين الرئيس الأميركي ورئيس حكومة العدو. (مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير-يوفيد”الاستعصاء المؤلم المتبادل»، 3 تشرين الثاني 2026، )
- الانتخابات الرئاسية الأميركية 2028 والتحولات المحتملة في العلاقة مع كيان العدو
لا تقتصر انعكاسات الانتخابات النصفية على العامين المتبقيين من ولاية ترامب، بل قد تمتد إلى السباق الرئاسي لعام 2028. فقد أظهرت التحولات داخل الحزب الديمقراطي اتساع الحضور السياسي للتيارات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية ولنفوذ جماعات الضغط المؤيدة للكيان، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك». ويرى التحليل المنشور في جيروزاليم بوست أن صعود شخصيات مثل زهران ممداني قد يشجع مرشحين ديمقراطيين آخرين على تبنّي مواقف أكثر انتقادًا لكيان العدو، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الإجماع التقليدي بين الحزبين الأميركيين بشأن العلاقة مع تل أبيب. (US midterm elections: Three major challenges facing Israel | The Jerusalem Post)
في هذا الاطار اعتبر فيل غوردون، مستشار الأمن القومي السابق لنائبة الرئيس كامالا هاريس، أن استمرار تمويل المساعدات العسكرية لإسرائيل قد لا يحظى بالتأييد السياسي نفسه لدى مرشحي الحزب الديمقراطي للرئاسة، في ظل تحولات المواقف الشعبية والحزبية تجاه السياسات الإسرائيلية. ويتزامن ذلك مع اقتراب انتهاء اتفاق المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل عام 2028، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية تجديده بالشروط السابقة. (شتاين، The Jerusalem Post، 5 تشرين الثاني 2026؛ هاتويل-رادوشيتسكي، The Jerusalem Post، 3 تشرين الثاني 2026.)
ولا يبدو هذا التحول محصورًا في الحزب الديمقراطي؛ إذ رصدت صحيفة The Washington Post اتساع الدعوات إلى مراجعة العلاقة مع كيان العدو داخل أوساط من الحزبين، على خلفية الحرب على إيران وتداعياتها السياسية والاقتصادية. وفي موازاة ذلك، كشف موقع Axios عن استعداد مجموعات سياسية مناهضة لنفوذ «أيباك» للتدخل في انتخابات عام 2028، بما فيها المنافسات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي. غير أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة نهاية التحالف الأميركي–الإسرائيلي، بقدر ما تكشف عن احتمال انتقاله إلى مرحلة تتزايد فيها الخلافات بشأن شروط الدعم العسكري والمالي وحدود الالتزام الأميركي بالسياسات الإسرائيلية. Bipartisan support grows for reconsidering U.S.-Israel ties – The Washington Post
تكشف نتائج الانتخابات الأميركية أن الحرب على إيران لم تعد محكومة بالحسابات العسكرية وحدها، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية داخلية تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية والانتخابية مع المصالح الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب. وبين احتمالات التسوية والتصعيد واستمرار الاستنزاف، تبدو إدارة ترامب أمام خيارات تنطوي جميعها على كلف سياسية وعسكرية متفاوتة، في وقت تسعى فيه طهران إلى استثمار التحولات الداخلية الأميركية لتحسين موقعها التفاوضي. غير أن التداعيات الأبعد لهذه الانتخابات قد تتجاوز مسار الحرب نفسه، لتطال مستقبل العلاقة الأميركية–الإسرائيلية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028 وإعادة طرح مسألة المساعدات العسكرية الأميركية لكيان العدو. وعليه، فإن السؤال لم يعد مقتصرًا على كيفية إنهاء الحرب على إيران، بل يمتد إلى طبيعة التحولات التي قد تشهدها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.




