في مشهد يعكس إرادة العمل والتمسّك بالحياة رغم قسوة الظروف، تواصل بلدية عربصاليم تنفيذ خطوات عملية وإنمائية لمعالجة أحد أبرز التحديات البيئية التي تواجه البلدة والمنطقة، واضعةً ملف النفايات في صدارة أولوياتها، من خلال خطة متكاملة تهدف إلى إنهاء مشكلة المكب العشوائي الذي شكّل عبئاً بيئياً وصحياً على مدى نحو 25 عاماً، والانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الاستدامة وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة.
يكتسب هذا المشروع أهمية استثنائية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وشحّ الموارد المالية، والتداعيات التي خلّفتها الحرب والعدوان الإسرائيلي، وما يرافقها من تهديدات ومخاطر تطال الجنوب وأهله. ففي الوقت الذي تواجه فيه البلديات تحديات متراكمة تتصل بالخدمات الأساسية والإمكانات المحدودة، اختارت بلدية عربصاليم أن تواجه التحدي بالمبادرة والعمل، وأن تحوّل الإمكانات المتاحة، وبالتعاون مع أبناء البلدة والجهات الداعمة، إلى مشروع بيئي وإنمائي يحمل رؤية للمستقبل.
خلال جولة ميدانية لرئيس بلدية عربصاليم المهندس علي حسن، وعدد من أعضاء المجلس البلدي، على الأشغال الجارية، جرى الاطلاع على مراحل تنفيذ المشروع والخطوات التحضيرية الهادفة إلى إحداث نقلة نوعية في إدارة ملف النفايات، من خلال تجهيز مكب بمواصفات علمية وفنية، وإنشاء معمل للفرز، وإطلاق مشروع الفرز من المصدر ، وصولاً إلى إعادة تأهيل الموقع القديم وتحويله إلى مساحة خضراء وحديقة عامة لأبناء البلدة.
حسن
وأكد رئيس البلدية المهندس علي حسن أن “المجلس البلدي يعمل، بجهود أعضائه وتعاونهم، على وضع حل جذري ونهائي لمشكلة النفايات في البلدة، وفق مقاربة علمية وفنية وتقنية تواكب متطلبات المرحلة وتحاكي المعايير البيئية والصحية”.
وأشار إلى أن “البلدية تمكنت من تحقيق خطوات أساسية لمعالجة واقع المكب الذي أنشئ قبل نحو 25 عاماً، والعمل باتجاه استحداث مكب بمواصفات علمية، بالتوازي مع إنجاز معمل للفرز في المنطقة، وإطلاق مشروع الفرز من المصدر والفرز في موقع المعالجة، باعتبارهما خطوتين عمليتين تشكلان أساساً لإدارة مستدامة للنفايات والحد من التلوث والروائح والمخاطر البيئية”.
وكشف أن “رؤية البلدية لا تتوقف عند معالجة النفايات فحسب، بل تتجاوزها إلى إعادة إحياء المكان، مؤكداً أن الموقع الذي كان يشغله المكب منذ ربع قرن سيتحول إلى حديقة عامة، فيما ستتم معالجة الموقع الذي جُمعت فيه ردميات المنازل المدمرة جراء العدوان، والعمل على تحويله إلى مساحة حيوية وإنمائية وواحة حياة لأهالي عربصاليم ومنطقة إقليم التفاح.
وأشار الى أن “اللجان المختصة ستعمل على وضع التصورات اللازمة لتحويل هذه البقعة إلى مساحة عامة ذات طابع بيئي واجتماعي وثقافي، تعكس صورة البلدة وأهلها الذين يتمسكون بالحياة والعطاء رغم كل الصعوبات”.
ولفت إلى أن “أزمة النفايات لم تعد مشكلة بلدة أو منطقة، بل أصبحت أزمة وطنية تعاني منها مختلف البلديات، في ظل غياب الحلول الشاملة، وشح الأموال، وتراجع الدعم الرسمي، ما يجعل البلديات أمام مسؤوليات كبيرة تفوق في كثير من الأحيان إمكاناتها”.
وأوضح أن “البلدية تعمل على تأمين التمويل من أبناء البلدة والجهات الخيّرة، وقد تقدمت بطلب إلى وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين، التي أبدت تجاوباً مع المشروع وسعت إلى تقديم دعم له، كما جرى التواصل مع مجلس الجنوب للمساهمة في تغطية جزء من التكاليف، نظراً إلى أهمية المشروع وحجمه”.
ونوّه “بالشراكة مع المجتمع المدني، ولا سيما جمعية “نداء الأرض”، التي تواكب البلدية بخبرتها وتجربتها في المفاصل الأساسية للمشروع”، مؤكداً أن “التعاون بين البلدية والأهالي والجمعيات والمؤسسات الرسمية يشكل ركيزة أساسية لإنجاح هذه المبادرة”.
وختم بالتشديد على أن “البلديات تحتاج اليوم إلى دعم حقيقي يتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، في ظل تعدد الأزمات التي تطال الكهرباء والمياه والنفايات وسائر الخدمات”، مؤكداً أن “إرادة العمل والعزيمة والتعاون قادرة على مواجهة التحديات وصناعة مساحة أمل لأبناء المنطقة”.
عمران حسن
من جهته، أكد عضو المجلس البلدي عمران حسن أن “التحدي الأساسي الذي تواجهه بلديات المنطقة اليوم يتمثل في كيفية معالجة أزمة النفايات”، مشيراً إلى أن “بلدية عربصاليم قررت تحمل مسؤولياتها وعدم الاكتفاء بمراقبة تفاقم المشكلة، وما ينتج عنها من حرائق وروائح وتلوث في المكبات العشوائية المنتشرة في المناطق”.
وأوضح أن “المشروع ينطلق من اعتماد مبدأ فرز النفايات، مع التركيز بصورة أساسية على الفرز من المصدر، ومتابعة عمليات الفرز والمعالجة في الموقع الذي يجري تجهيزه، بما يتيح الوصول إلى إدارة أفضل وأكثر فاعلية لهذا الملف”.
وقال: “ان هذه الخطوة من شأنها الحد من النفايات والروائح والتلوث، والاستفادة من وعي الأهالي وتعاونهم، لتقديم نموذج يعكس الرقي والمسؤولية والحضارة البيئية”.
وأشار الى أن “تمويل المشروع يقع بالدرجة الأولى على عاتق بلدية عربصاليم، إلى جانب مساهمات الأيادي الخيّرة والجمعيات وأبناء البلدة، الذين لطالما كانوا سباقين إلى المبادرات الخيرية والإنمائية والتوعوية، معرباً عن أمله في تكاتف الجميع لتأمين استكمال المشروع ووضعه في الخدمة قريباً”.
مصطفى حسن
بدوره، تحدث عضو المجلس البلدي حسين حسن عن خطة العمل المدروسة التي وضعتها البلدية لإنجاز مشروع المكب وفق المواصفات المطلوبة، مشيراً إلى أن “الرؤية الإنمائية تتضمن أيضاً إنشاء حديقة عامة في الموقع المقابل، الذي يضم الردميات الناجمة عن المنازل المدمرة جراء العدوان، والعمل على تحويله إلى مساحة عامة ذات طابع أخضر وحيوي”.
وأشار إلى “العمل على إنجاز مشروع لقنوات تصريف مياه الأمطار والسيول، يمتد من جرجوع مروراً بعربصاليم وصولاً إلى النهر، بهدف تأمين انسياب المياه والحد من تداعيات تجمع السيول خلال فصل الشتاء”.
وشدد على أن “التعاون والمبادرة هما أساس النجاح، وأن البلدية لا تستطيع انتظار الحلول الرسمية في ظل الظروف الراهنة، بل عليها أن تسعى وتعمل بما يتوافر لديها من إمكانات لرفع الضرر عن الأهالي وتلبية حاجاتهم”.
وقال: “إن ما تشهده عربصاليم اليوم يتجاوز كونه مشروعاً لمعالجة النفايات أو تحسين موقع بيئي، فهو توجه بلدي نحو رؤية إنمائية متكاملة، تبدأ من حماية الصحة العامة وتنظيم إدارة النفايات، ولا تنتهي عند إعادة تأهيل المساحات المتضررة وتحويلها إلى مرافق عامة ومساحات خضراء تخدم المجتمع”.




