صحافة

70% من الأميركيين ضد الحرب على إيران. . والكونغرس شرطٌ قبل أي مغامرة

بتوقيت بيروت — 70% من الأميركيين ضد الحرب على إيران. . والكونغرس شرطٌ قبل أي مغامرة

كشفَت استطلاعاتُ رأيٍ وطنية حديثة عن اتساع الفجوة بين توجهات الناخبين الأمريكيين وبين النزعة التي تلوّح بها إدارة الرئيس دونالد ترامب في ملفات السياسة الخارجية، إذ يبدو أنّ المزاج العام داخل الولايات المتحدة يميل بوضوح إلى رفض المغامرات العسكرية خارج الحدود، والتحفّظ على أي خطوة قد تُفضي إلى حربٍ جديدة، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بإيران.

وتُظهر النتائج أنّ فكرة اللجوء إلى القوة العسكرية ضد طهران لا تلقى قبولًا شعبيًا واسعًا، حتى عند ربطها بذريعة “حماية المتظاهرين” أو الرد على مقتلهم خلال الاحتجاجات الداخلية. فقد عبّر معظم الناخبين المسجلين (70%) عن موقفٍ رافض للتدخل العسكري الأمريكي ضد إيران، مقابل أقلية مؤيدة، فيما بقيت نسبة محدودة بلا رأي. والأبرز أنّ هذا الرفض لم يكن محصورًا بتيار سياسي واحد، بل ظهر بوضوح عبر الانتماءات الحزبية المختلفة، مع ارتفاع المعارضة بين الديمقراطيين والمستقلين، وتراجعها نسبيًا داخل القاعدة الجمهورية دون أن يتحول ذلك إلى إجماع مؤيد.

وبالتوازي مع هذا الرفض، برزت نقطة دستورية لافتة في وجدان الناخبين: ضرورة أن يحصل الرئيس على موافقة الكونغرس قبل اتخاذ أي قرار عسكري ضد دولة أخرى. فالغالبية تميل إلى اعتبار موافقة المؤسسة التشريعية “صمام أمان” يمنع الانزلاق نحو حربٍ خارجية قد تبدأ بقرارٍ متسرّع وتنتهي بتكاليف إنسانية واقتصادية مفتوحة. هذا الوعي يتقاطع مع مخاوف متصاعدة من توسّع السلطة التنفيذية في إدارة الملفات الدولية، بما يتجاوز التوازن التقليدي بين مؤسسات الحكم في واشنطن.

وفي سياقٍ متصل، تَكشف الاستطلاعات أنّ الناخب الأمريكي لا ينظر إلى خيار القوة العسكرية كأداةٍ سهلة الاستخدام، بل يرى فيه مخاطرةً مباشرة تُعيد إنتاج تجارب سابقة ثقيلة، ولذلك يميل إلى ضبط اندفاعات البيت الأبيض ووضعها ضمن أطرٍ تشريعية ورقابية. ويبدو أنّ الحديث المتكرر عن “تدخل عسكري محتمل” في أزمات خارجية بات يوقظ لدى الناخبين هاجس التورط في حروب جديدة، خصوصًا في لحظة داخلية تتراكم فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يتوقف هذا المزاج عند إيران وحدها. ففي ملف فنزويلا، يظهر الانقسام الشعبي بوضوح حول قرار إدارة ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة بتهم مرتبطة بالمخدرات. صحيح أنّ جزءًا من الناخبين أيّد الخطوة، لكن نسبة معارضة قريبة جدًا تجعل القضية في منطقة رمادية، لا يمكن اعتبارها “تفويضًا شعبيًا” واضحًا. وتبدو الخلفية الحزبية هنا حاسمة: إذ منح الجمهوريون القرار دعمًا واسعًا، فيما مال الديمقراطيون إلى رفضه، بينما بقي المستقلون بين الموقفين.

غير أنّ المهم في هذا الملف ليس فقط الانقسام حول “الاعتقال” بحدّ ذاته، بل ما تلاه من مواقف أكثر صرامة تجاه أي فكرة لإدارة الولايات المتحدة لشؤون فنزويلا، أو إرسال قوات برية للسيطرة عليها، أو حتى تولي إدارة مبيعات النفط الفنزويلية. فهنا ارتفعت نسب الرفض الشعبي بشكل حاد، بما يعكس أن الناخب الأمريكي قد يقبل إجراءات ضغط محدودة أو “ضربات سياسية” محسوبة، لكنه يرفض الانزلاق نحو إدارة مباشرة لدولة أخرى أو الدخول في احتلالٍ مكلف.

كما أنّ جزءًا معتبرًا من الناخبين يرى أنّ إدارة ترامب لا تشرح للناس بوضوح دوافع الإجراءات المتخذة ضد فنزويلا، وهو عامل يراكم عدم الثقة ويعزز الشك بأن السياسة الخارجية تُدار بعناوين كبيرة، لكن دون مسارٍ مُقنع للرأي العام. وفي المقابل، بقي تقييم تأثير هذه الإجراءات على حياة الفنزويليين غير محسوم، إذ انقسم الناخبون بين من يعتقد أنها قد تحسّن الواقع هناك، ومن يرفض الفكرة أو يشكك في نتائجها.

وعلى مستوى أوسع، تُظهر نتائج استطلاع آخر أنّ غالبية الأمريكيين تعتقد بأن ترامب “تجاوز الحد” في استخدام القوة العسكرية خارجياً، وهي نتيجة تتزامن مع ارتفاع نسبة الذين يرغبون بأن تلعب الولايات المتحدة دورًا أقل انخراطًا في حل مشاكل العالم مقارنة بالأشهر الماضية. هذا التحول يعكس اتجاهًا أكثر انعزالًا أو براغماتية داخل الداخل الأمريكي: أولوية المصالح المباشرة، وتقليل الأعباء الخارجية، وتجنب الاستنزاف الطويل.

ورغم هذه النزعة، فإن الناخب الأمريكي لا يتبنّى بالكامل فكرة الانسحاب التام من العالم. فالأرقام تُظهر بوضوح أنّ الغالبية الساحقة ما زالت تؤمن بضرورة تعاون الولايات المتحدة مع دول أخرى لحل المشكلات العالمية، مقابل نسبة صغيرة تفضّل العمل المنفرد. وهذا يعني أن الموقف الشعبي ليس “انعزالياً” بالمطلق، بل أقرب إلى رفض الحروب والتدخلات العسكرية المباشرة، مع التمسك بفكرة الشراكات والتحالفات، والعمل الدبلوماسي متعدد الأطراف.

أما في الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً مثل غرينلاند، فتبدو الصورة شبه محسومة: رفض كاسح لفكرة استخدام القوة العسكرية للسيطرة عليها، ورفض ملحوظ أيضاً لفكرة شرائها. وفي المكسيك وكولومبيا، تتكرر الحساسية ذاتها: أغلبية تعارض أي عمل عسكري ضد منشآت مشتبه بها مرتبطة بالمخدرات داخل أراضي تلك الدول دون موافقة حكوماتها. وهذا يوضح أنّ الناخب الأمريكي يضع “الشرعية” و”التنسيق” كشرطين أساسيين قبل أي تحرك عسكري، ويرفض الخطوات التي تبدو أشبه بعمليات فرض إرادة خارج الحدود.

وتنعكس هذه الاتجاهات على تقييم أداء ترامب نفسه. إذ تظهر الأرقام أنّ نسبة الرضا عن أدائه لا تتجاوز أقل من نصف الناخبين، مقابل أغلبية تعارضه. وتتوزع التقييمات السلبية أيضًا على ملفات محددة مثل الاقتصاد، وإدارة العلاقة مع فنزويلا، والسياسة الخارجية عمومًا. وإلى جانب ذلك، تتصاعد القناعة بأن “السلطة الأخلاقية” للولايات المتحدة في العالم قد ضعفت خلال هذه المرحلة، وأن القيادة الأمريكية العالمية لم تعد بالقوة ذاتها، وأن توسيع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي لا يُنظر إليه دائمًا بوصفه مصلحة وطنية مباشرة.

وفي موازاة ذلك، لا يبدو أنّ كبار مسؤولي الإدارة يحظون بقبول شعبي قوي، إذ تظهر نسب تأييد متواضعة لوزير الخارجية، ونائب الرئيس، ووزير الدفاع، ووزير الصحة، ورئيسة موظفي البيت الأبيض، ونائب رئيس الموظفين. وهذا الانخفاض في الثقة لا ينفصل عن المناخ العام الذي يتعامل بحذر مع الخطاب السياسي الخارجي، ويبحث عن سياسات أقل اندفاعًا وأكثر اتساقًا مع أولويات الداخل الأمريكي.



■ مصدر الخبر الأصلي

نشر لأول مرة على: alkhanadeq.com

تاريخ النشر:

الكاتب:

تنويه من موقع “بتوقيت بيروت”:

تم جلب هذا المحتوى بشكل آلي من المصدر:
alkhanadeq.com
بتاريخ: .
الآراء والمعلومات الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع “بتوقيت بيروت”، والمسؤولية الكاملة تقع على عاتق المصدر الأصلي.

ملاحظة: قد يتم استخدام الترجمة الآلية في بعض الأحيان لتوفير هذا المحتوى.

زر الذهاب إلى الأعلى