من بيروت، نقرأ العالم
شو هالحكي

كان هون. وهيدي لحالها صارت جملة بتوجّع.

كتب محمد قاسم

كان هون… يعني كان في صوت، إذا طلع، منعرف إنو في شي رح ينقال. كان في وجه حفظناه أكتر ما حفظنا وجوه ناس منعرفها شخصيًا. وكان في ناس، عن حق أو عن حب أو عن خوف أو عن خصومة، تعتبر إنو طالما هو موجود… بعد في شي ثابت بهالبلد.

وبعدين راح.

هيك.

من دون ما يسأل إذا نحنا جاهزين للغياب.

راح وترك الصوت معلّق بالبيت.

تركه عالشاشة. بالذاكرة. بجملة قديمة. بخطاب من زمان. بواحد بعده حافظ نبرة كلمة. وبأمّ، يمكن كل ما تسمع التسجيل، بتنسى لثانيتين إنو التسجيل صار من الماضي.

بيقولوا كان يقول:

«نحن أشرف الناس».

طيب…

إذا عنجد بدنا نكون أوفياء لهالكلمة، الأشرف ما بيحفظوا الصورة بس.

الأشرف بيحفظوا الذكرى.
بيحفظوا الصوت.
بيحفظوا الوصية.
وبيحفظوا الناس اللي راح كرمالها الإنسان.

مش بس منعلّق صورته، وبعدها منرجع نكسر بعض.

مش بس منبكي عليه، وبعدها مننسى ليش بكينا.

لأنو أصعب شي بالموت مش إنو الواحد يختفي.

أصعب شي… إنو يتحوّل الإنسان لبوستر.

كان عنده صوت. كان عنده تعب. كان عنده خوف ما منعرفه. كان عنده لحظات أكيد ما شافها حدا. وكان عنده ناس ينتظروه يرجع، مثل أي أب، مثل أي إنسان.

وبالنهاية…

ناس أحبّته رح تقول: فدانا بنفسه وراح.

ويمكن هيدي الجملة بالذات هي اللي ما بتنقال بصوت عالي.

لأنها إذا انقالت بهدوء… بتوجّع أكتر.

فدانا بنفسه وراح.

ما أخد معه شي.

ترك الاسم. ترك الصوت. ترك كل الخلاف الكبير حواليه. وترك ناس بعدها، كل ما يصير شي بالبلد، بتطلع غصب عنها عالشاشة الفاضية وبتفكر:

لو كان هون… شو كان قال؟

يمكن الغياب الحقيقي بيبلّش من هون.

مش يوم بيموت الإنسان.

يوم بتصير تسأل رأيه… وبتتذكر إنو ما عاد في جواب.

شو بدك تعمل؟

الدنيا قليلة أدب.

بتاخد حدا كان صوته يعبّي ساحات، وبتتركلك تسجيل.

بتاخد الإنسان، وبتتركلك الجملة.

بتاخد الحضور، وبتتركلك كرسي فاضي.

وبعدين بتقلّك:

كمّل.

طيب كيف؟

كيف بدك تكمّل، وفي صوت كنت متعوّد تسمعه صار ذكرى؟

كيف بدك تعتبرها سنة جديدة، إذا في ناس بعدها عايشة بسنة راح فيها حدا وما رجع؟

كان هون.

مش من مية سنة.

هون.

قريب.

كان يحكي. كان يضحك. كان يغضب. وكان في ناس تنتظر ظهوره بالدقيقة.

وهلق…

منشغّل تسجيل قديم.

ومنقنع حالنا للحظة إنو بعده هون.

وبعدين بيخلص الفيديو.

وتسودّ الشاشة.

وهونيك بالضبط… بتفهم كل شي.

الصوت خلص.
بس الذكرى ما لازم تخلص.

إذا كنّا فعلًا بدنا نكون «أشرف الناس»، ما منحوّل الغياب لشعار.

منحفظ الإنسان.

منحفظ صوته. منحفظ كلمته. منحفظ الناس اللي بكته. ومنحفظ إنو بهالبلد مرق رجل، اختلفوا عليه كتير، وأحبّه ناس كتير، ولما راح…

ترك مطرحه أكبر من الكرسي.

السيد حسن كان هون.

واليوم…

نحنا هون.

وهو راح.

بس السؤال مش إذا بعدنا حافظين صورته.

السؤال:

بعدنا حافظين الوصية؟

لأن الصورة بتبهت.

والصوت، مع الوقت، بيصير أبعد.

بس إذا الذكرى عاشت…

يمكن الإنسان ما بيرجع.

بس ما بيروح كلّه.

فدانا بنفسه وراح…
ونحنا، أقل شي، ما نخلّيه يروح من الذاكرة كمان.

كان هون. وهيدي لحالها صارت جملة بتوجّع.

شو هالحكي.

فريق التحرير
بقلم

mohamad kassem

فريق التحرير في بتوقيت بيروت يتابع الأخبار ويحررها وفق السياسة التحريرية للموقع.

جميع مقالات الكاتب ←