الجامعة اللبنانية… إضراب لمنع استكمال تصفية صرح وطني

9




الجامعة اللبنانية… إضراب لمنع استكمال تصفية صرح وطني

أساتذة في وقفة احتجاجية (حسين بيضون)
الجامعة اللبنانية... إضراب لمنع استكمال تصفية صرح وطني


بيروت ــ محمد شهاب




18 يونيو
2019

ما زالت قضيّة الجامعة اللبنانية وأساتذتها المضربين عن العمل، تتفاعل، لا سيّما أنّ مستجدّات طرأت في الساعات الأخيرة في إطار محاولة وقف تصفية ما قد يكون آخر صرح وطني في هذا البلد.دخل إضراب أساتذة “الجامعة اللبنانية” (حكومية) أسبوعه السابع، وهو واحد من أطول الإضرابات في تاريخ هذه المؤسسة التي لم تعرف صروح جامعية أخرى حالاً مماثلة منذ ما قبل تأسيسها، أي مذ كانت “دار المعلمين العليا” ثمّ “كلية التربية” وصولاً إلى يومنا. وكانت الجامعة اللبنانية (لعقود، حتى خلال سنوات من الحرب الأهلية 1975-1990) من بين الأبرز تعليمياً في الدول العربية، قبل أن تصير حالها اليوم مثيرة للأسى، نتيجة فساد يضربها وتدخل سياسي – طائفي يقضي على قيمتها التعليمية وإفقار متعمّد تعتمده الحكومات ضدها عبر تخفيض موازنتها منذ سنوات، ربما لإعلاء شأن جامعات خاصة على حساب الجامعة الوطنية اللبنانية غير الطائفية، جامعة الفقراء والطبقة الوسطى تاريخياً. أكثر من 40 يوماً مرّت على إضراب أسبابه المباشرة تكمن في رفض تخفيض موازنة الجامعة في الموازنة العامة للحكومة، ووقف التوظيف فيها لسنوات ثلاث، وزيادة الحسومات على رواتب الأساتذة وتقليص التقديمات التي يحصلون عليها، وبنود أخرى كثيرة تتعلق بحقوقهم الوظيفية والمعيشية. لكن خلف العناوين المطلبية تلك، يكمن الشعار العريض: ارفعوا أياديكم عن الجامعة اللبنانية وعن إدارتها وكفاءاتها وعن تطييفها وإفسادها وضرب قيمتها الأكاديمية والعمل على إفلاسها ربما تمهيداً لخصخصتها.

في عام 1951، تأسّست الدار وبقيت كذلك حتى عام 1956 عندما تقرّر تأسيس جامعة باسم “الجامعة اللبنانية” في عملية لكسر احتكار التعليم العالي في البلاد من قبل الجامعتَين الخاصتَين التابعتَين لإرساليات وهما بحسب ما تُعرفان اليوم الجامعة الأميركية في بيروت (1866) وجامعة القديس يوسف (1875). لكنّ التطوّر اللاحق الذي قاد إلى ولادة نحو 56 فرعاً و18 كلية ومعهداً عالياً إلى جانب نحو سبعة آلاف أستاذ وأربعة آلاف إداري و81 ألف طالب في عموم المناطق اللبنانية، لم يكن يسيراً. فالوصول إليه تطلّب عشرات الإضرابات والتحرّكات من قبل الأساتذة والطلاب الذين ساندهم طلاب الجامعتَين الخاصتَين المذكورتَين آنفاً في مراحل مبكرة.

وأمس الإثنين، أصدر رئيس “الجامعة اللبنانية” فؤاد أيوب تعميماً خاصاً بإجراءات استكمال العام الجامعي 2018-2019، ما يعني دعوة الأساتذة المضربين عن التعليم إلى العودة إلى التدريس “حرصاً على مصلحة طلاب الجامعة” وعلى “حقهم في استكمال عامهم الجامعي”. تزامن ذلك مع توالي استقالات أعضاء الهيئة التنفيذية لـ”رابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانية”، على أثر تقديم رئيسها الدكتور يوسف ضاهر استقالته من منصبه صباح أمس. وقد أتت تلك الاستقالات من ضمن ضغوط الأساتذة والطلاب رفضاً لفكّ الإضراب من دون تحقيق أيّ مكاسب للطلاب والأساتذة والجامعة عموماً.

على الرغم من تلك المستجدات، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لا يبدو في الأفق ما يؤشّر إلى نهاية قريبة للإضراب الذي يعاني أطرافه كافة من مأزق كيفية الخروج منه. فالدولة ممثلة بوزارة التربية والتعليم العالي ووزيرها التقدّمي الاشتراكي أكرم شهيب ارتبطت بوعود لبحث المطالب مع الرؤساء الثلاثة ميشال عون وسعد الحريري ونبيه برّي. وتحقيق الوعود من شأنه فتح أبواب تريد السلطة السياسية إبقاءها مغلقة على قوائم من المطالب في معظم القطاعات تقريباً. ومن المعروف أنّ مشروع الموازنة العامة لعام 2019 أطلق موجة من التحرّكات الاحتجاجية في كل القطاعات العامة من تربوية وموظفين حكوميين في شتى المؤسسات.

مشهد تكرّر في كليات الجامعة اللبنانية (حسين بيضون)

ويُعَدّ إضراب أساتذة “الجامعة اللبنانية” مع إضراب قدامى العسكريين والقضاة مؤشّراً إلى رفض شرائح عليا في المجتمع والإدارة اللبنانية المسّ بالحقوق المكتسبة التي راكمتها منذ عقود، والتي حصلت عليها من خلال إضرابات (عدا المتقاعدين العسكريين) مماثلة لذلك المستمر في الجامعة والذي يكاد يختم العام الدراسي 2018-2019 من دون امتحانات وحفلات تخرّج وترفيع للطلاب من سنة منهجية إلى أخرى. وبالنظر إلى طول مدّة الإضراب، يبدو الطلاب منقسمين حول استمراره أو وقفه عند الحدّ الذي وصل إليه. ثمّة فريق منهم يدعو أساتذته إلى تغليب مصلحة الطلاب على من عداهم، بما في ذلك حقوق ومصلحة الأساتذة المباشرة، ويحثّهم على العودة إلى إكمال العام الدراسي ثمّ معاودة التحرّك في مطلع العام الدراسي المقبل، وهو ما يعني إجراء الامتحانات النهائية وإعلان نتائجها، علماً أنّ العام الدراسي برمّته قد تأخّر شهراً ونصف الشهر على أقلّ تقدير والمناهج لم تُنجز بعد. أمّا فريق طالبي آخر، فيدعو إلى إعلاء راية التضامن مع أساتذتهم وينظّم اعتصامات وتظاهرات دعماً لمطالبهم حتى لو أدّى ذلك إلى استمرار تعليق الدراسة ومعها الامتحانات، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات.من جهتها، تبدو الهيئة التعليمية هي الأخرى على شيء من الانقسام نظراً إلى تنوّع فئات الأساتذة. ثمّة فئة الأساتذة المتعاقدين بالساعة، أي الذين يتقاضون أجورهم على أساس ساعات التدريس التي يقدّمونها لطلابهم، وعندما تتعطل الدراسة لا أجور لهم بطبيعة الحال، علماً أنّ هؤلاء لا يحصلون على أيّ حقوق أخرى أو ضمانات اجتماعية. وثمّة فئة الأساتذة المتفرّغين، أي الذين يتقاضون أجورهم شهرياً ويحصلون على حقوق وضمانات اجتماعية وصحية من خلال صندوق تعاضد الأساتذة. أمّا الفئة الثالثة فهم الأساتذة الداخلون في ملاك الجامعة، وهم يحصلون بالإضافة إلى الرواتب والضمانات على الحقّ بإجازة سنة كاملة في مقابل كل سبع سنوات من العمل. وتلك السنة يُطلق عليها اسم “السنة السابعة” (année sabbatique)، ويحقّ للأساتذة في خلالها التدريس في جامعات خاصة، بينما هي مخصّصة للأبحاث والدراسات التي تحتاج إلى تفرّغ كامل لها، ما دام الأستاذ يتقاضى راتبه مع مستلزماته وامتيازاته وتقديماته.

يُذكر أنّ أساتذة الملاك هم أقلّ عدداً من سواهم من الفئتَين، ويقال إنّ نسبتهم اليوم هي 1/7 من العدد الإجمالي للهيئة التعليمية، وهي نسبة ضئيلة جداً بالقياس إلى ما كانت عليه سابقاً. يُذكر أيضاً أنّه في ثمانينيات القرن الماضي مثلاً، في عهد رئيس الجامعة الدكتور جورج طعمة (1980-1988)، وهو كان واحداً من الطلاب الذين شاركوا في خمسينيات ذلك القرن بالتحركات المطالبة بإنشاء “الجامعة اللبنانية”، كان 80 في المئة من أساتذة اللبنانية مثبّتين في الملاك فيما يوازي عدد المتفرّغين تقريباً عدد من هم في الملاك. تجدر الإشارة إلى أنّ مجمل عدد الأساتذة بحسب ما أشرنا آنفاً، يبلغ نحو سبعة آلاف أستاذ يحملون جميعاً درجة الدكتوراه كشرط للتعاقد مع الجامعة، مع استثناءات محدودة في بعض الكليات الخاصة (فنون، هندسة، مختبرات وما شابه). وهؤلاء بغالبيتهم العظمى يعملون بالساعة ويتقاضون أجورهم بدل ساعات العمل بعد نحو عامَين من أداء مهامهم، وذلك عقب توقيع ما يسمّى عقد المصالحة الذي يحسم منها ساعات لا يُستهان بها.

ومع أنّ القانون يؤكّد أنّه للأستاذ الحقّ بالتفرّغ بعد عامَين من التدريس بالساعة ثمّ مثلها للدخول في الملاك، إلا أنّ ما هو خلاف ذلك حاصل فعلياً. وثمّة أساتذة بلغوا سنّ التقاعد ولم يصلوا بعد إلى مرحلة التفرّغ، وفي حال وصلوا، لم يتمّ ترفيعهم للدخول في الملاك، أو أنّهم لا يحقّ لهم الحصول على رواتب تقاعدية بالنظر إلى أنّ سنوات عملهم في الجامعة تقلّ عن عشرين عاماً. يُذكر أنّ مجلس الوزراء صادر من مجلس الجامعة حقّ تعيين الأساتذة وإدخالهم في التفرّغ والملاك، ما أدّى إلى معضلة عندما تغلّبت المحاصصة السياسية الطائفية على ما عداها من حاجة وكفاءة وأبحاث وسواها من مقاييس أكاديمية. بالتالي، باتت عمليات التعيين في شتى وظائف ومراتب الجامعة تخضع إلى مساومات وحسابات طائفية. ولعلّ الأسوأ من ذلك كله وبالنظر إلى الهيمنة الطائفية الطاغية، أنّ المواقع كلها باتت تخضع إلى حسابات فئوية ومذهبية.

بموجب “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية (1989-1990)، صار يتوجّب على رئيس الجامعة أن ينتمي إلى الطائفة الشيعية، باعتباره من موظفي الفئة الأولى التي تستوجب المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، مع العلم أنّ الرؤساء السابقين لها كانوا من الطائفتَين الكاثوليكية (بما فيها المارونية) والسنّية. وهكذا يكون شخص الرئيس مداورة بين القوّتَين الشيعيّتَين المهيمنتَين “حزب الله” وحركة “أمل”. فالرئيس السابق الدكتور عدنان السيد حسين كافأه “حزب الله” بعد استقالته بتعيينه وزيراً كان محسوباً أصلاً على رئيس الجمهورية آنذاك، ميشال سليمان، وقد سمي “الوزير الملك” لمساهمته في إسقاط الحكومة السابقة للرئيس سعد الحريري، الذي كان يهمّ حينها بالدخول للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض. ثمّ تلاه الدكتور فؤاد أيوب الذي يصنّف في خانة “حركة أمل”. وينسحب الأمر على العمداء الواجب ربط كل واحد منهم بمرجعية سياسية طائفية حتى يصل إلى الموقع العلمي – الإداري، علماً أنّ القانون ينصّ على وجوب أن يحمل العميد رتبة الأستاذية، وفي حال كان أستاذاً مساعداً أو معيداً يتمّ ترفيعه عبر مراسيم سريعة في مجلس الوزراء لضمان تبوّئه منصبه إرضاءً للقوّة التي ترشّحه. في السياق نفسه، يُعيَّن مديرو الفروع والكليات. وهذه الآلية باتت لازمة لا يمكن الحياد عنها، علماً أنّ القانون ينصّ على الترشيح والانتخاب من الوحدات الأكاديمية في الفروع والكليات للمدير والعميد والرئيس، على أن تُقدَّم ثلاثة أسماء من بين المرشّحين، ليتقرر تعيين المدير في مجلس الجامعة والعميد والرئيس في مجلس الوزراء.

وقد دخلت الجامعة اللبنانية في هذا المجال ليدرك الجميع خطورة الآلية التي تُدار بها هذه المؤسسة الجامعية، وهي الرسمية الوحيدة من بين مؤسسات التعليم العالي في لبنان، أي أنّها مفتوحة ومتاحة أمام كل الطلاب (لبنانيين وأجانب) في مقابل رسوم زهيدة تكاد لا تُذكر قياساً إلى كلفة التعليم في لبنان (رسم التسجيل لشهادة الإجازة يتراوح ما بين 130 – 160 دولاراً سنوياً للبنانيين والفلسطينيين و600 دولار لغيرهم، بينما رسم التسجيل للدراسات العليا والدكتوراه للبنانيين والفلسطينيين يناهز 500 دولار في حين يصل بالنسبة لغيرهم إلى 1200 دولار تقريباً). بالتالي يتيح ذلك لكلّ الفئات الاجتماعية، وبصرف النظر عن قدراتها المادية وأوضاعها المعيشية، الدخول إلى مختلف كليات “الجامعة اللبنانية” التي تأتي في مقابل 48 جامعة خاصة، معظمها من المؤسسات التي أطلق عليها وزير الثقافة والتعليم العالي الأسبق الدكتور غسان سلامة (المبعوث الدولي الحالي إلى ليبيا) توصيف “بوتيكات” أو “دكاكين”، بمعنى المحال الصغيرة التي تبيع الشهادات أسوة بالمحال التجارية في أحياء المدن.

حقوق الأساتذة مهدورة بالجملة (حسين بيضون)

في إطار الاضراب المفتوح، نفّذ أساتذة “الجامعة اللبنانية” وطلابها اعتصامات حاشدة عدّة أمام وزارة التربية والتعليم العالي في محلة الأونيسكو (غربي بيروت) وساحة رياض الصلح (وسط بيروت) وأمام مقرّ رئاسة الجامعة بالقرب من منطقة المتحف (شرقي بيروت) وفي المجمّع الجامعي في الحدت (الضاحية الجنوبية لبيروت)، وكذلك في مدينة طرابلس (شمالي لبنان) بمشاركة متباينة من الطلاب في كلّ واحد منها. وتفتح تلك التحرّكات على مسألة مطالب الأساتذة من خلال الإضراب. بيت القصيد يكمن في مشروع الموازنة الذي نصّ على تقليصات فعلية يُقال إنّ قيمتها بحدود الأربعين مليار ليرة لبنانية (نحو 26 مليون دولار أميركي) هذا العام من الموازنة العامة لـ”الجامعة اللبنانية” البالغة قيمتها نحو 250 مليون دولار، وكذلك كانت في العام السابق. وتتضمّن توجهات موازنة عام 2019 التي ما زالت مشروعاً، زيادة في المحسومات التقاعدية وتقليص التقديمات التي يحصل عليها الأستاذ الجامعي في ما يتعلّق بتعليم أولاده في المدارس والجامعات الخاصة ومسعى إلى توحيد الصناديق الضامنة وهو ما يعني تراجعاً في الخدمات الطبية.

استناداً إلى ذلك، يرتكز تحرّك الأساتذة على نقاط عدّة أبرزها: رفض تخفيض موازنة الجامعة، ورفض المساس بالراتب والمعاش التقاعدي والتقديمات الاجتماعية، ورفض إلغاء صندوق التعاضد، ورفض المماطلة بملفَيّ التفرّغ والملاك وإفراغ الجامعة من ملاكها. هذا إلى جانب الإصرار على عدالة الرواتب، بإعطاء الأساتذة الدرجات الثلاث، بالإضافة إلى الدرجات الاستثنائية ودرجة الدكتوراه للمتفرّغين الذين حُرموا منها. كذلك المطالبة بإقرار مشروع القانون 5120 لجميع الأساتذة عند احتساب معاشهم التقاعدي، وإلغاء ضريبة الدخل على هذا المعاش، مع حماية الاستقلالية الإدارية والمالية لصندوق التعاضد.

على الرغم من عدالة المطالب، فإنّ المعضلة التي تنطوي عليها الموازنة تتمثّل في ما تنصّ عليه من وقف التوظيف في مؤسسات الدولة في خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو أمر أثار العسكريين إلى الحدّ الذي دفع قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون للمطالبة باستثناء العسكريين منه، إذ إنّ ثمّة ضباطاً ورتباء سوف يحالون على التقاعد ولا مجال لتعيين بدلاء منهم أو تطويع عناصر جديدة. وما ينطبق على الجيش اللبناني يسري كذلك على “الجامعة اللبنانية”. أساتذة الملاك والتفرّغ يحال منهم سنوياً نحو 300 أستاذ إلى التقاعد بالحدّ الأدنى، وهؤلاء بمعظمهم يحملون رتباً أكاديمية عالية (أستاذ مساعد وأستاذ)، وهو ما يعني أنّه لن يبقى من الكادر الأصلي في الجامعة غير “طويل العمر”. وثمّة خمسة آلاف متعاقد تقريباً يؤدّون مهامهم من دون الارتباط وظيفياً بالجامعة. وفي حال استمرار الحكومة باعتماد قرار الامتناع عن تفريغ الأساتذة المتعاقدين، فإنّ هؤلاء سوف يندفعون للحصول على عقود عمل في الجامعات الخاصة، أو العودة إلى البلدان التي حصلوا منها على شهاداتهم العالية، الأمر الذي يقود إلى تفريغ الجامعة والبلاد من كفاءات عالية. في مقابل ذلك، سوف تشهد الجامعة ارتفاعاً في معدّل أعمار الأساتذة، ما يحرم المؤسسة من الدم الجديد وممّا يمكن أن يُضخّ من حداثة في صفوفها في حال اعتماد مبدأ الكفاءة النوعية في اختيار الأساتذة الجدد.

هكذا، مع عدم رفع موازنة “الجامعة اللبنانية” التي تُقدّر بنحو 250 مليون دولار تُنفق على نحو سبعة آلاف أستاذ و81 ألف طالب وأربعة آلاف موظف، يجد الأساتذة المتعاقدين الذين كانوا يحلمون بالتفرّغ أنفسهم وقد صاروا أمام كوابيس المستحيل، علماً أنّ ما يتبقّى من الموازنة بعد التقليصات لا يسمح حتى بتغطية نفقات تجهيزات المختبرات والمكتبات وصيانة الأبنية ودعم الأبحاث العلمية وغيرها.

يبقى أنّ قضية “الجامعة اللبنانية” وإصلاحها لا يمكن اختزالها بالحقوق المكتسبة لأساتذتها، فالمأزق الذي تعانيه هذه المؤسسة نموذج عمّا تواجهه مؤسسات الدولة اللبنانية التي تتهاوى في ظلّ الاندفاع المسعور نحو الخصخصة. لذلك ترتفع الأصوات اليوم منادية بالتخلّص من الجامعة وأساتذتها الذين يحتاجون إلى “تربية”، بحسب ما ورد على لسان وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل، وهو أمر يجب أن يدفع الأساتذة ملياً نحو التفكير مرّة ومرّات ليس فقط في مصير العام الدراسي الجاري بل في مصير المؤسسة الوطنية بالغة الأهمية والتأثير. ما يصفونه بأنّه قضم تدريجي لحقوقهم هو قضم متواصل منذ عقود، وقد وصل إلى حدّ تهديد الأسس التي نهضت عليها هذه الجامعة ودفعت عشرات آلاف الخرّيجين نحو سوق العمل وساهمت في تنمية مجتمعها وكذلك المجتمعات العربية.

ترى، هل ثمّة من يبحث في ما هو أبعد من اللحظة الراهنة المجللة بسواد أزمة الموازنة والانهيار الاقتصادي والمالي؟ أليست للجامعة أدوار فعلية في النهوض بدلاً من انتظار قروض مؤتمر “سيدر” (لدعم الاقتصاد اللبناني) وسواه؟ أليست وظيفة الجامعة تتحدّد في ثلاثة أقانيم هي التعليم العالي والبحث العلمي وتنمية المجتمع؟ كيف يمكن لبلد أن ينمو إذا كانت جامعته الكبرى نحو الانهيار؟

الأكثر مشاهدة


  • الأكثر مشاهدة






Source link

التعليقات مغلقة.