بحر غزة منطقة “ملغومة” بتلوثها والحل أقوى من قدراتها!

5

أمد/ غزة – نسرين موسى: “البحر وجهة المواطنين في قطاع غزة”، هذا ما كنا نقوله في الماضي، لكن اختلفت هذه المقولة في الوقت الحالي، وأصبحت مجاري البحر هي وجهتهم في ظل ظروفهم المادية الصعبة والمعدمة عند الكثيرين.

من يذهب في نزهة إلى البحر يلاحظ لون أمواجه المائل إلى السواد، ولا يرى أزرقه.

المواطنون باتوا يمتنعون من الذهاب إلي البحر خوفا على أطفالهم من الخطر، الذي قد يصيبهم بسبب تلوث مياهه، والتي تم الإعلان عنها من الجهات الرسمية عبر يافطات تحذيرية وُضعت على المنافذ الرئيسية.

أمد للإعلام” سلطت الضوء على أسباب تلوث البحر وكيفية تفادي المشكلة، والحلول التي لا يمكن تطبيقها بسبب ظروف قطاع غزة السيئة، الأمر الذي يجعلنا نقول “هم يبكي وهم يضحك”.

المواطنة سهام أحمد عند ذهابها إلى بحر منطقة السودانية تأخذ حيطتها، مع أنه تلوثاً، حسب وصفها وفقا للونه الأقل سوادا.

تقول أحمد لـ “أمد للإعلام”: “أضطر إلى الجلوس أمام الشاطئ، وأكون كالحارس على أطفالي خوفاً من اغفالي ودخولهم إلى المياه، وحتى الخضار والأشياء التي تحتاج إلى النظافة أقوم بتنظيفها في بيتي، حتى لا استخدم ماء البحر مطلقاً “.

الأربعينية سهام تضيف بنبرة ساخطة: “المصيبة نأتي إلى المكان وأمام أعيننا يافطات تحذرنا، وحالنا كالذي يجلس في منطقة ملغومة ويترقب وقوع الخطر كل حين، ما باليد حيلة، لأن وضعنا ووضع غيرنا لا يسمح باستئجار شاليه أكثر من مرة، خاصة وأن أطفالنا في إجازة مدرسية ويحتاجون إلى التغيير”.

وتختم المواطنة سهام حديثها قائلة: ” قبِلنا الأمر الواقع وسنتنزه بحذر، هكذا تحكمنا ظروف غزة”.

الحاج سليمان حسن تحدث لـ “أمد للإعلام” عن تجربته أثناء ممارسته للسباحة في بحر خانيونس جنوب قطاع غزة، بعد أن انتابته حالة مرضية طارئة فور مغادرته للبحر وقال: “أصابني دوار ومن ثم أُغمي عليَ وتم نقلي إلى المستشفى، وبعد الفحوصات تبين أنه ناتج عن طفيليات معوية انتقلت لي عن طريق تسرب المياه إلى معدتي دون انتباه مني”.

وبعد تجربته تلك، يكتفي الحاج حسن بالذهاب إلى البحر لممارسة رياضة المشي، دون التفكير بالدخول إلى مياهه.

يضيف الستيني حسن في حواره مع “أمد للإعلام”: “وضع غزة لا يجب أن يمنع معالجة مشكلاتها، خاصة التي تمس صحة مواطنيها، نحن نقترب إلى حبس أنفاسنا، لا يوجد أي متنفس لحياتنا في قطاع غزة، يجب إيجاد الحلول الناجحة للتخلص من تلوث البحر، الذي تحول إلى مجاري تخنقنا”.

الدكتورة غادة أبو ستة لا تخاطر في الذهاب إلى البحر مُطلقاً، وتقول بلغة عامية ساخرة: “بالناقص من البحر كما أشياء أخرى في غزة “.

أبو ستة، والتي تقتصر في ترفيها على الذهاب إلى الخلاء ومنتزه البلدية وزيارة الأقارب، تضيف: “حذرونا من الذهاب إليه، فكيف أذهب وأنا اعلم أني سأعود بمرض معوي؟!”.

وتختصر أبو ستة حديثها لـ “أمد” ضاحكة: “غزة جنة بدون بحر!”.

ومن جانبه قال الدكتور أحمد حلس، الخبير الأكاديمي في قضايا المياه والبيئة، والمحاضر في برنامج ماجستير علوم المياه والبيئة في جامعة الأزهر: “السبب الرئيسي لتلوث البحر يتمثل في المياه العادمة، حيث تبين وفق دراسة أجراها عام 2012، أن المناطق المتاخمة لمصبات المياه العادمة شديدة الكثافة السكانية، تعاني استيطان طفيليات مثل الجارديا والبوغيات والانتاميبا، إضافة إلى الاسكارس في الرمال الجافة والرطبة وفي المياه، وهو ما يوضح خطأ اختيار مواقع المصبات، التي توجد قبالة المناطق المكتظة بالسكان.

ويوضح حلس، أن ثمانية مصبات رئيسية لمياه الصرف الصحي وتسعة فرعية، وستة ثانوية، تضخ مياه عادمة في بحر غزة، الذي يصل طول شاطئه إلى 42 كيلومتراً، على مدار الساعة بكميات تصل حتى 120 ألف متر مكعب يومياً، مليئة بالملوثات المكروبيولوجية والكيميائية.

ويبين حلس في حديثه لـ “أمد للإعلام”، أنه حسب دراسة علمية وفحوصات مخبرية لمياه البحر، ومياه الصرف الصحي التي يتم سكبها على شاطئ غزة حيث  تم جمع 12 عينة من مياه البحر من أربع مناطق في القطاع، وهي “رفح، وخان يونس، ووسط قطاع غزة، ومدينة غزة”، وعينات مماثلة من مياه الصرف الصحي بعد سكبها في البحر، و12 عينة من رمال الشاطئ على مدار ثلاثة أسابيع وجود طفيليات “Giardia lamblia”، و”البوغيات الخفية Cryptosporidium sp.oocyst” والعدوى الأميبية Entamoeba histolytica وجميعها آدمية معدية، مسببة للمغص والإسهال والنزلات المعوية.

وهذه الطفيليات تصل إلى الجسم عبر الفم، عن طريق ماء أو طعام ملوث وتؤدي إلى ضعف جهاز المناعة، وإصابات متكررة بالالتهابات وغيرها من المشاكل الصحية.

وكشفت الدراسة انتشاراً كثيفاً لطفيل “البوغيات الخفية” في 50% من إجمالي مساحة الشاطئ، كما كشفت أن مياه الصرف الصحي نشرت تلوثاً عبر طفيليات “البوغيات الخفية، والجارديا، والعدوي الأميبية” على الشاطئ بنسبة 75%، إذ ظهرت العينات الملوثة في ثلاث مناطق من أصل 4 عينات.

ويشير حلس إلى أن التلوث إذا وجد في بقعة ينتشر في كل البحر، بفعل تيارات الحمل البحرية المتغيرة، التي توزع التلوث، موضحا أن التلوث قد يصل إلى 100% من شاطئ بحر غزة، وهو ما سيستمر طالماً تواصل ضخ مياه الصرف الصحي في البحر، مضيفا: “درجة التلوث وانتشاره أمران متغيران من ساعة لأخرى، وفق درجات الحرارة، ونشاط التيارات البحرية، وحركة المد والأمواج، واتجاه الريح، وكمية ونوعية المياه العادمة، ووجود معالجة جزئية أو غيابها”.

ويرجع حلس السبب في تلوث مياه البحر، إلى ضعف محطات معالجة المياه العادمة الخمس في القطاع، وعدم سماح سلطات الاحتلال بتجديدها أو صيانتها، بسبب مشكلة الكهرباء التي تصل نسبة وصولها الى 50% من ساعات النهار.

وشدد حلس، إلى أنه يجب الاستفادة من المياه العادمة بمعالجتها لحل أزمة مياه الشرب بدلاً من صبها في البحر.

ويربط المهندس أشرف غنيم، مدير دائرة السلامة والصحة المهنية في مصلحة مياه بلديات الساحل، أزمة تلوث مياه البحر، بأزمة الكهرباء، ويقول: “هناك عمل لإمداد خط كهرباء إضافي يصل محطات المعالجة الخمس الموزعة على مستوى محافظات قطاع غزة، ليغذيها بالطاقة على مدار الساعة.

وفي رده على سؤال “أمد للإعلام”، هل تم الأخذ بنتائج الدراسة من جهات الاختصاص لحل الأزمة؟ أردف د. حلس: ” عرضنا نتائجها في وسائل الإعلام وورش وندوات ومؤتمرات، لكن الحل الجازم يحتاج إلى تدخل دولي لأنه أكبر من قدرات قطاع غزة.

وفي تصريحات خاصة لـ “أمد للإعلام”، قال محمد ثابت مدير العلاقات العامة والاعلام في شركة توزيع الكهرباء بمحافظات غزة: تم تشغيل تسعة وتسعين من مضخات الصرف الصحفي في كافة أنحاء قطاع غزة، لكن البحر يحتاج إلى سنوات حتى ينظف نفسه بنفسه.

ورغم كل هذه التحذيرات، هناك من يذهب إلى البحر ويستحم في ماءه، ولا يأبه بمخاطره، حسب قول المواطن أسامة ساق الله لـ “أمد“.

ساق الله لخص حديثه، بما يكشف عمق الأزمة والاختيار بين خيار موت موت: “في غزة أموات دون أن يكون تلوث البحر وسيطاً، فلماذا أخاف من تلوثه، فليس في جيبي ما يكفيني إلى الذهاب إلى قهوة أو أماكن أخرى تتطلب مبلغاً من المال!”.

Source link
المقال نشر عبر خدمة ال rss التلقائية و ادارة الموقع لا تتبنى المحتوى او المقال

التعليقات مغلقة.