أوّل كلام أهل الثقافة في رحيل الرئيس

7

 

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعيّ بخبر وفاة الرئيس المصريّ المعزول محمّد مرسي، وقد جاء في الرواية الرسميّة المصريّة حول ظروف وفاته، أنّه أغمي عليه أثناء جلسة محاكمته بتهمة التخابر مع منظّمة أجنبيّة، بعد أن حصل على حقّ الكلام لمدّة خمس دقائق أمام هيئة المحكمة، وقد نُقِلَ إلى المستشفى بعد ذلك ليُعلن عن وفاته رسميًّا.

ويمكث الرئيس الراحل في السجن منذ ستّ سنوات، إذ يتّهمه نظام الجنرال عبد الفتّاح السياسي المنقلب عليه عام 2014، من ضمن ما يتّهمه به، بالتخابر مع “حركة المقاومة الإسلاميّة – حماس”، وقد وصفت تقارير حقوقيّة دوليّة ظروف اعتقاله بـ “الوحشيّة”؛ فهو لا يحصل على الرعاية الطبّيّة اللازمة في عزله الانفراديّ، رغم طلبه ذلك مرّات عديدة، ولا يلتقي محاميه، كما لم يلتق أبناء عائلته سوى مرّتين خلال هذه المدّة، ومحروم من القراءة والكتابة.

وحتّى حين أعلن التلفزيون الرسميّ المصريّ وفاة مرسي، أسقط عنه جميع ألقابه الّتي استحقّها، وأعلن عن وفاته باسم “محمّد مرسي العيّاط”، وهو اسم غير شائع له، وقد كان للصحافيّ عميد شحادة رأي في هذا: “عندما يموت شخص ما، نسمّيه باسمه الثلاثيّ لكي يعرف الناس مَنْ هو، وابن مَنْ، ومن أيّ عائلة، لكن وسائل الإعلام السيسيّة ذكرت الاسم الثلاثيّ للرئيس محمّد مرسي ’محمّد مرسي العيّاط‘ لكي لا يعرف الناس مَنْ هو. بالحذف ينكرون أنّه كان رئيسًا لمصر حتّى بعد وفاته … ينكرون اسمه وهويّته المعروفة لدى الناس”.

رصدنا في فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة ردود أفعال كتبها فلسطينيّون يشتغلون في حقول ثقافيّة مختلفة، شاركوها حول وفاة مرسي؛ فوجدنا إجماعًا على أنّ نظام السيسي العسكريّ مجرم وظالم وغير شرعيّ، وعلى أنّ محاكمة مرسي غير شرعيّة، وأنّه قُتِلَ قتلًا بطيئًا على يد النظام.

 

“شهيد الديمقراطيّة”

تردّدت المقولات بأنّ مرسي كان مظلومًا، نُكّل به، وعُذّب في أقبية السيسي، قبل أن يرتقي شهيدًا؛ فكتبت الصحافيّة الفلسطينيّة نائلة خليل عبر حسابها في “فيسبوك”: “الرئيس المنتخب محمّد مرسي/ انقلب عليه السيسي عسكريًّا، اعتقلوه، أمضى سنوات في السجن في زنزانة انفراديّة، حرموه من الدواء وزيارة أهله، نكّلوا به، وكان أن حرموه من قراءة القرآن، ثمّ ارتقى إلى الله مظلومًا معتقلًا شهيدًا. هو عند الله الآن، وويل لمن ظلمه وخانه وخذله وحاكمه ظلمًا. رفعت الجلسة عند حاكم السموات والأرض”.

أمّا الأديب مريد البرغوثي، فكتب: “رحم الله الدكتور محمّد مرسي. كم أنا حزين. لم يأخذوه إلى المستشفى إلّا بعد أن مات. ستّ سنوات من التنكيل المدروس في السجن، تهم ملفّقة بغباء وظلم. منعوا عنه أيّ رعاية طبّيّة. سيموت كثيرون مثله في سجون السيسي إن لم نرفع الصوت جميعًا ضدّ هذا القتل اليوميّ البطيء. عاشت ثورة يناير.”

وكتب الشاعر والمحرّر الثقافيّ علي مواسي: “ستذكر الجماعة العربيّة طالما ظلّت تتحدّث بهذا اللسان، أنّ أوّل رئيس منتخب في تاريخ الحضارة المصريّة، نتيجة ثورة مجيدة، وفي انتخابات حرّة نزيهة اعترف بها العالم كلّه، مات في سجنٍ ضمن ظروف اعتقال وحشيّة، بعد اختطافه خلال انقلاب عسكريّ، إثر عام واحد من استلامه السلطة، انقلاب شمل مجازر واجتثاثًا واعتقالات للآلاف واختفاءات قسريّة لمختلف أطياف الشعب المصريّ.

وأضاف مواسي: “وسيُدوّن في روايات التاريخ، الّذي لم يعد يكتبه الغالب فقط، ولا الحاكم فقط، أنّ أبواقًا ممّن يدّعون لأنفسهم صفة النخبة، والتنوير، والثقافة، وسلطة الفتوى، اختاروا الكراهية والعنصريّة والخنوع والذلّة، صانعين للاستبداد أرضيّته الشرعيّة. رحم الله شهداء الثورات العربيّة جميعًا، في وجه الاستبداد والاستعمار، إن كان من الغرب يأتينا أم من الشرق”.

 

قلق من القادم

وكان ثمّة نقمة على السيسي ونظامه في مختلف المنشورات والتغريدات، بسبب ممارساته الطغيانيّة وما أدّت إليه من تدهور في الأوضاع وتردّ في الحياة في مصر، فنشر الشاعر والباحث تميم البرغوثي عدّة منشوراته عبر حسابه، منها: “رحم الله الشهيد محمّد مرسي، رئيس جمهوريّة مصر العربيّة الشرعيّ المنتخب الوحيد، والقصاص من عبد الفتّاح السيسي القاتل اللصّ النذل المغتصب لحكم مصر”.

وكتب تميم أيضًا: “ليصحّحني المؤرّخون، لكن حسب علمي، فآخر حاكم لمصر قُتِل وهو أسير أعزل كان السلطان العادل طومان باي. خورشيد وإسماعيل وعبّاس حلمي الثاني وحسين كامل وفاروق ومبارك لم يُقتلوا، والسادات قُتل وهو حاكم محاط بعسكره. السيسي أنذل مَنْ حكم مصر منذ 1517. رحم الله الشهيد محمّد مرسي، الرئيس المنتخب الوحيد لمصر مذ كانت، وثأر الله له وقَتَل قاتليه، آمين”. 

وأكّد الفنّان التشكيليّ كامل قلالوة على الرأي نفسه، فنشر عبر حسابه: “المتّهم ملّ من طول المحاكمة وسماع زيف الكلام. عندها قرّر أنّه يجب أن تنتهي هذه المهزلة، فرفع الجلسة وتركهم مع أكاذيبهم وذهب. محمّد مرسي الرئيس الّذي انتخبه شعبه بعد أكثر من 30 سنة قبعوا بها تحت حكم رئيس مستبدّ، ثمّ انقلب عليه كلب سلوقيّ، في ذمة الله”.

بينما كتب المحرّر الصحافيّ خالد سليم، معبّرًا عن قلقه حيال المستقبل: “الآن، سيوغل السيسي في دكتاتوريّته وقمعه أكثر، بزعم اجتثاث ردّات الفعل على موت محمّد مرسي، وسيُحمّل خصومه المسؤوليّة! اللهمّ عليك بالظالمين ومَنْ والاهم، إنّهم لا يعجزونك”.

وعبّرت الباحثة هنيدة غانم، مديرة “مدار – المركز الفلسطينيّ للدراسات الإسرائيليّة”، عن قلقها، للسبب نفسها: “وفاة محمّد مرسي، الرئيس المصريّ الّذي تمّ الانقلاب عليه من قبل طغمة العسكر بقيادة السيسي خلال محاكمته.

هذا من نوع الأخبار الّتي تبثّ الرعب والقشعريرة في كلّ خلايا الجسد. جدّ مرعب. بسّ هيك بقدر أقول”.

 

لا ثقة في رواية النظام

قالها الشاعر بدر عثمان ببساطة ووضوح: “ببساطة، لا أثق بالنظام المصريّ، ما يدعوني للشكّ بأيّ رواية يروونها عن موت مرسي. نقطة وأوّل السّطر”.

أمّا الباحث إيهاب محارمة، فقد كتب متوقّعًا أن ينكر نظام السيسي قتله لمرسي، لأنّه سبق وكذب حول انتهاكات أخرى قام بها: “المتوقّع أن ينكر النظام المستبدّ العسكريّ قتل محمّد مرسي، وهو الّذي أنكر في وقت سابق مخالفته لحقوق الإنسان، وقال إنّ ‘الأولويات‘ تختلف بين الدول. فهذا النظام لا يرى في جريمة قتل مرسي كما قتل الشباب المصريّين التسعة قبل عدّة أشهر، جرائم قتل سياسيّة. المشكلة أنّ هذا النظام لا يأبه بأحد، وهو الّذي يتغذّى على شعبويّة ترامب ويمينيّة نتنياهو وأموال الدول المعادية للثورات العربيّة، وهم من أشدّ مؤيّدي هذا النظام. هؤلاء جميعًا معادون للإنسان قبل حقوقه، وهم مسؤولون عن جرائم قتل في أماكن عدّة”.

 

جدل “الإخوان المسلمين”

وسواء كان المرء مؤيّدًا لجماعة “الإخوان المسلمين” أم لا، معجبًا بها أم لا، فالقضيّة ذاتها، والشعور ذاته؛ ذهب الرئيس المنتخب ضحيّة لمنقلب مجرّب، وهذا ما نراه في ما كتب الكوميديان الفلسطينيّ – الأردنيّ نيكولاس خوري: “لم أتّفق يومًا مع محمّد مرسي رحمه الله، ولم أتّفق يومًا أصلًا مع حزب الإخوان المسلمين… لكن موته أحزنني بشدّة وأغضبني بشدّة، هذا هو الرئيس المنتخب، كان لازم يكمّل 4 سنين ويروح بالصندوق، ما كان لازم يصير هيك، مبارك مش لازم يكون حرّ، والسيسي مش لازم يكون رئيس، والشهداء والشباب ما كان لازم يضيع حقهم وحلمهم وصوتهم. الله يرحمه ويرحم شهداء الثورة ويصبّر المعتقلين”.

ونشرت الكاتبة الصحافيّة نداء عوينة: “منذ قليل، توفّي الرئيس المصريّ، محمّد مرسي، أثناء جلسة محاكمته من قبل بساطير العسكر. قد نتجادل كثيرًا في اتّفاقنا أو اختلافنا مع حركة ’الإخوان المسلمين‘، وقد نتجادل حول أهليّة محمّد مرسي للحكم، أو حتّى مدى صلاحيّته لرئاسة دولة، لكنّ ما لا يقبل التشكيك ولا الجدل، هو الظلم والغبن الّذي لحق به، وهو أوّل رئيس مصريّ منتخب في تاريخ مصر. لا سيّما وأنّ كانت هناك العديد من الأقاويل عن تردّي صحّته وعن معاناته من إهمال طبّيّ وتجاهل متكرّر لشكاوى صحّيّة قدّمها وهو في السجن، وعن حرمانه من حقّه في الدواء، رغم معاناته من أمراض السكّر والقلب وضغط الدم. اليوم، توفّي الرئيس مرسي، مظلومًا ومغبونًا، ولعلّه يجد عند ربّه الجواب. ولعلّنا نستطيع القول إنّه يُحتسب عند ربّه شهيدًا”.

بينما كتب الخبير القانونيّ، غاندي أمين، في رأي يكاد يخالفهما: “الحقيقة أنّ محمّد مرسي كان أكثر ديمقراطيّة منّا؛ فقد كنت أتابع برنامج باسم يوسف وكان ينتقده ويسخر منه في كلّ حلقة، لم يمنع البرنامج ولم يعتقله، لم يتشدّد بسجن محمّد حسني مبارك، لم يعدّل الدستور على مقاس قدمه، نعم كنت مخطئًا باعتقادي أنّ الإسلاميّين أقلّ ديمقراطيّة، بل هم الحالة الديمقراطيّة الوحيدة الباقية في العالم العربي البائس”.

 

حديث في الثورات

وقد أدّى نبأ وفاة الرئيس المصريّ إلى معاودة تناول الثورات العربيّة المنطلقة عام 2010 – 2011، والمعروفة بـ “الربيع العربيّ”، على نحو كبير؛ فكتبت الشاعرة والصحافيّة رولا سرحان إعادة قراءة لمسار “الثورات”، مؤكّدة أنّ رحيل مرسي على هذا النحو، “يشكّل مفارقة لإعادة النظر في ماهّيّة وطبيعة ’ثورات الربيع العربيّ‘، خاصّة في الوقت الّذي تمّت فيه تبرئة الرئيس المصريّ المخلوع محمّد حسني مبارك؛ وهو الآن بصحّة وعافية يجري المقابلات الصحافيّة ويعلّق على صفقة القرن، ويتحدّث عن الخطر الإيرانيّ، ويقوم بمشاركة صوره مع حفيده على وسائط التواصل الاجتماعيّ”.

وأضافت سرحان: “ما حدث لم يكن ربيعًا أو شتاء، هو حراكات، انتفاضات، هبّات، تظاهرات، إرهاصات لثورات، هي بداية، شعلة، شرارة لشيء ما زال يتحرّك تحت رماد أعوام طوال من الحكم الشموليّ، من بناء الدولة العميقة وتغلغلها في مفاصل المجتمعات العربيّة وفي سيكولوجيّة الجماهير الّتي تحتاج هي الأخرى لاستدعاء وجوديّ يهزّ كينونتها من جديد، لتعاود النزول إلى الشارع، حيث كان مصدر السلطات ومكان إسقاط الدكتاتوريّات، ولأنّه مسار تفويضها، ولا يجب أن يتوقّف، حتّى يتمّ تنظيف العالم العربيّ من أنظمته، وحتّى يحقّق خلاصه وحرّيّته”.

وفي هذا الباب كتب الباحث مالك ريماوي بشيء من خيبة أمل وسخرية سوداء: “نعم. الثورة لم تنجح، والربيع لم يكتمل، لقد اقتلع الشعب النظام السابق، ولكن الربيع يحتاج أكثر من ذلك، والثورة تحتاج لأكثر من ذلك… تحتاج أيدٍ تزرع، وتحتاج سياسة ترى، وتحتاج حكمة وخبرة في بناء المستقبل، الثورة تبدأ بعد إسقاط النظام. الثورة تغيير إستراتيجيّ واع ومحكم… لذلك لم ننجح وأضعنا الفرصة ولم يبق مكان لكلمة لو”.

ويضيف الريماوي: “يأتي الموت اليوم لـ (ينهي) قصّة محكمة عبثيّة كافكاويّة، وينهي مرحلة، مرحلة حدث فيها كلّ شيء وانتهت بلا شيء: نظام وثورة وتجربة انتخابات ديمقراطيّة وحكومة دستوريّة وانقلاب انتهت بشكل كاريكاتير (Caricature) ساخر: رئيس منتخب يموت في أثناء محكمة صوريّة كوميديّة، وديكتاتور (بهلوان) غبيّ يلعب دور رئيس في مسرحيّة تراجيديّة”.

 

ولغزّة قول أيضًا

لم تنسَ غزّة أنّ الرئيس مرسي كان سببًا لبعض الفرج أثناء رئاسته، فقد خفّف من صعوبة الحصار، ومن حدّته؛ كتب الناشط أحمد لبّد: “بفترة محمّد مرسي غزّة عاشت سنة ورديّة بكلّ حروف الكلمة من معنى، سهولة بالسفر، بضائع، تنقّل، علاج… إلخ”.

وأضاف: “مش إحنا ياورد اللّي نعضّ الإيد اللّي إنمدّت إلنا بوقت محدّش دوّر علينا. لهيك شكرًا لرجل أزاح السواد عن بقعة مظلمة لبعض الوقت. ألف رحمة ونور”.

 

ما لا شكّ فيه

لا نستطيع القول إنّ الرئيس المصري الراحل محمّد مرسي مثاليّ، وقد لا نتّفق جميعًا على سياسته أو منهجه أو حتّى على أهليّته وكفايته لقيادة دولة مثل مصر، لكنّ ما لا شكّ فيه، أنّه كان رئيسًا منتخبًا شرعيًّا لم يحصل على فرصته الكاملة الّتي استحقّها، وأقصي عن الحكم بقوّة السلاح، ثمّ حوكم ظلمًا، واحتُجز في ظروف لا إنسانيّة، وعانى من الإهمال الطبّيّ، إلى أن رحل اليوم، أثناء جلسة محاكمته.

 

 

Source link

التعليقات مغلقة.