الحسد.. القاتل الصامت

0 7

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

قصة زواج المرشدة السياحية الشهيرة بسنت نور الدين من الداعية معز مسعود، والتي أثارت ضجة كبيرة لا أفهمها حتى الآن، ثم طلاقهما المفاجئ، ولا تتوقع مني يا صديقي في هذا المقال أن أتدخل في حياتهما الشخصية، وأحلل أسباب الطلاق ومبررات الزواج والعلاقة بين برجيهما.

ومع هذا فيبقى الأمر يستحق الوقوف عنده لنجيب عن أسئلة كثيرة، ونستخلص نقاطًا مهمة توضح التحول الذي حدث في مجتمعنا.

فقد أعزى كثير من الناس سبب الطلاق إلى الحسد، على اعتبار أن الأمر فكاهي مثلًا، أو تكلم آخرون بجدية عن الحسد وتأثيره، وهنا أتذكر «بوست» كتبه زميل عن أنه لا يجب علينا أن نعلق أسباب فشلنا على الحسد، فدائمًا هناك أسباب منطقية وعقلانية للأمور، فهل الرجل الذي يخون زوجته بفعل الحسد ينام مخلصًا لزوجته فيستيقظ ليجد نفسه في فراش امرأة أخرى بالطبع لا، إذًا لا تقول لي أن حب ليلى مراد وأنور وجدي كان كبيرًا والحسد هو السبب في أن أنور وجدي أصبح يخون زوجته، أظنك تنتظر رأيي، أنا بطبيعة شخصيتي أميل دائمًا للمنطق، وللأخذ بالأسباب، ولهذا سأذهب مع الرأي الذي يعتبر الحسد لاعبًا أساسيًّا في كثير من الأحداث التي تقع في مجتمعنا بالآونة الأخيرة.

ماذا حدث لمجتمعنا؟ أصبح الجميع على قناعة أن فرص الحياة أصبحت نادرة، وقد لا تأتي الفرصة إلا على جثث الآخرين، أصبح الجميع يتعامل على أن الحياة لعبة الكراسي الموسيقية، والكراسي عددها لا يتعدى المائة، ونحن بالملايين ندور حول المقاعد، وتنطفئ الموسيقى فيصبح كل منا لديه صراع مع ملايين على المقعد الذي نظنه جميعًا من حقنا!

فللأسف لم يعد الصراع على الثروات أو السلطة أو الشهرة، فقد بات الأمر أهون من ذلك بكثير، ففي كل بقاع الأرض الزواج والإنجاب أمور طبيعية، حدوثها لا يعني تحقق حلم، هو سنة الحياة، ولكن في مجتمعنا الأمر مختلف، فقد حرمنا على أنفسنا الحلال، وجعلنا السهل صعبًا، وجعلنا سنن الفطرة أحلامًا بعيدة المنال، انتظرنا النيش الفخم وشبكة ابنة الخالة والشقة التمليك، وأصبحت عبارة الجيل ولأن الحلال أجمل سأنتظر، وانتظر الجميع، وكأنهم ينتظرون قيام الساعة.

كنت أتعجب عندما أعرف أن دولًا بها مجاعات تسبقنا في هرم السعادة، كيف لدول تحت الحرب تكون أكثر حبًّا للحياة منا، لعلنا حرمنا أنفسنا من المتع المجانية فعوقبنا بالتعاسة والكراهية والبغضاء والقلق والتوتر، عقدنا حياتنا فأصبحت أرواحنا أكثر تعقيدًا.

أصبحت كل فتاة تشعر أن من تزوجت سرقت فرصتها في الزواج، ومن ستتزوج تشعر أن كل من حولها يحسدها وقد يتسبب حسدهم في فشل مشروعها؛ لذلك عليها أن تخبئ أمر زواجها، ولكنها لا تنسى أنها وحدها نالت الفاكهة التي لا زالت محرمة على الجميع، وهذا يعطيها حق التباهي عليهن ومكايدتهن بما وصلت إليه، فتبات في حيرة من أمرها، هل تقول وتحسد بما يعرض المشروع كله للفشل أم تخبئ وتحرم من مكايدة صديقاتها؟

وليس الشباب ببعيد عن الأمر، فالشاب قد يبقى سنوات يبحث عن زوجة فلا يجد، فهو يخشى ممن سبق لها الارتباط، وانفتاح المجتمع كان كافيًا ليضمن ارتباط الغالبية، ولكن يبدو أنه لم يكن كافيًا ليتزوج المرتبطون، ثانيًا يبحث الشاب عن فتاة تتمتع بالجمال الطبيعي والذي يشبه جمال نانسي عجرم! على الرغم أن معدل الجمال في منطقتنا أقل من ذلك بكثير، يبحث عن ذات الدين حتى تترب يداه ،ولكنه لا ينسى أن المرأة تنكح لجمالها ولحسبها ولمالها أيضًا، وبما أن المجتمع قد تطور فلن ننسى تعليم المرأة؛ فيفضل أن تكون العروسة دكتورة، وعندما تتوفر كل تلك الصفات بفتاة قد يكون رفضها شيئًا يتوقعه فلا يتقدم، ويعيش مع إحباطه، أو يتقدم ويصطدم بعبارة أنت مثل أخي.

والبديل أن يتنازل كل يوم عن صفة من مواصفات عروسه، ويشعر بالحقد على كل من أغنته ظروفه عن التنازل.

أصبحت علاقات القاتل أو المقتول تحكمنا، في العمل في الزواج في العلاقات العائلية، وتأتي الكارثة الكبرى في علاقات وسائل التواصل الاجتماعي، والتي استخدمها بعضنا أبشع استخدام، فمن يفتقد لدور في العالم الحقيقي يبحث عن دور في العالم الموازي، ويجلس ويحلل ويتدخل في حياة الآخرين تدخلًا سافرًا، ويكيل لهم الاتهامات، وآخر يستخدمها في استفزاز مشاعر الآخرين، أصبح الجميع يتمنى ما لغيره، ويتمنى زوال النعمة من يده، بدل من أن يتمنى الخير لنفسه ولغيره، انطلقت طاقة سلبية هائلة في المجتمع تدمره من جذوره.

بالطبع أنا لا أقول إنه لا يوجد سبب لطلاق معز وبسنت غير الحسد، ولكن عند زواجهما كانت هناك تعليقات مريبة من فتيات يعتبرن بسنت خدعتهن، وهن منذ سنوات يجتهدن على وسائل التواصل الاجتماعي وأصبح لهن آلاف المتابعين لم يتزوجن بعد، وهي الدخيلة عليهن تزوجت في وقت لم يتجاوز الأشهر من معز مسعود، وتعليقات أخرى من شباب يشعرن أن بسنت نور الدين هي فتاة أحلام شباب الطبقة المتوسطة، فجاء معز بنفوذه وأمواله وشهرته ليكون أحق بها، فيسرق حتى من أحلامهم المتوسطة.

وكل هذه التعليقات لا تنذر بأننا في مجتمع صحي، إننا لم نؤمن بقضاء الله وقدره، فلم نرض بما قسم لنا ولغيرنا، فتعاهدنا مع الشيطان لينفذ لنا رغبتنا في ضرر غيرنا، ونسينا أن الله وحده الضار النافع، يعطي من يشاء وقتما يشاء، ويمنع عن من يشاء وقتما يشاء، كل منا وصله رزقه ونصيبه كاملًا، وربك أبدًا لا يظلم أحدًا، وقد وصل الجميع الأربعة والعشرين قيراطًا، ولكنها وصلتنا على طريقة سيدنا الخضر، نعم قد نظنها نقمًا والعكس، ولا أعرف كيف لا يؤمن الشعب المتدين بطبعه بتلك الحقائق وهي بديهيات الإيمان.

أصدقائي القاتل والمقتول، الحاسد والمحسود أقول لكم:

لا تحسد؛ فالحياة دائمًا تتسع للجميع.

لا تخش من الحسد؛ لأن الله وحده الضار النافع.

The post الحسد.. القاتل الصامت appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: