المال يصنع أسطورة والسلطة تصنع المال 

0 4

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

بين التخطيط والتطبيق مسافات؛ نعم مسافات متباعدة بين الواقع والوهم، ولعل أبرز مثال على قولي هذا هو الواقع السياسي للدول العربية؛ ففي النفق الذي نعيش فيه ما إن تضع الثقة حتى تنزف، فالغدر والطمع أصبحا من المسلمات في كل العلاقات، وخاصة تلك التي تجمع بين المواطن البسيط والسياسي المحنك.

الثقة يجب أن تجدد حتى تستحق للفترة المقبلة، فالانتخابات تُجرى كل أربع أو خمس سنوات، فهل هذا يعني أن الرئيس أو الحاكم فاشل؟ لا وألف لا، ولكن من ذا الذي يضمن أن برنامجه الجديد سيتماشى مع تطلعات الشعب؟ لا أحد؛ فوحدها انتخابات نزيهة قادرة على منح الثقة لشخص آخر، أو تجديدها في نفس الشخص.

إلا أن المعرفة المسبقة لبعض الحُكام بفشلهم في إقناع الشعب من جديد، يدفع بهم إلى الاستبداد خلال فترة الحكم؛ إذ يعدلون الدساتير، وقوانين الانتخابات، كما يسعون إلى بلورة أيديولوجيات جديدة في بعض الأحيان، دخيلة على الشعب البريء، وما ذلك سوى؛ بغية ضمان فترة حكم أطول، حتى إذا جاء موعد الانتخابات صُفيت حسابات جميع الخصوم السياسيين، و«رأس التنين» يكون قد سيطر على جميع الأجهزة، والمؤسسات التي من خلالها يتتبع الشعب مسار الحكومة، وكذا التطورات التي تحدث في الدولة.

جميع العناوين تؤيد فترة حكم جديدة، سواءً في التلفاز أو من خلال الجرائد، حتى الشوارع الرسمية التي تعرف اكتظاظًا مروريًا، تُساهم في تعميم فكرة «شرعية الحاكم ومشروعيته في البقاء»، من خلال اللافتات، وغيرها من الملصقات، ولوائح الإشهار التي تحمل صورًا لـ«رأس التنين» مبتسمًا.

إن السيطرة على الإعلام تعني السيطرة على الأوهام، وبما أن الشعب لا يجد من بديل لمواجهة استسلامه في الواقع، أمام قلة المناصب، وشبه انعدام لفرص الراحة المادية، فلا حل آخر سوى اللجوء إلى الأوهام؛ للحد من آلام الواقع، وجبروت الأيام، فتجد المواطن يحلم بالهجرة إلى دولة أوروبية، تعرّف عليها خلال برنامج بثته وسيلة من وسائل الإعلام المرئي، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في بلورة الصورة المثالية لدولة «اليوتوبيا»، وتسير السينما في نفس الاتجاه، فتصنع أفلام تصف طموح الشباب العاطل في الهجرة إلى «بلاد الأحلام»، فإذا أردت الدعم لتمويل فيلمك، جريدتك، إذاعتك… اخضع لمطالبنا، وساير نهجنا، آنذاك ستنال رضانا.

إن ميزانية الدولة تصرف لضمان السلطة، وإخضاع مؤسسات بيع الوهم؛ ولذلك تجد نصف الطرق في دولة (x) مصابة بالاعوجاج، ومليئة بالحفر، يكفي هطول المطر للكشف عن جودة التصميم، قلة للمدارس العمومية، وشبه انعدام لفرص شغل تحقق للشعب أحلامه في الواقع، إلا أنه رغم هشاشة البنية التحتية فإن المسئولين يخرجون بتصريحات من قِبل: «لدينا عجز في الميزانية» و«أصبحنا مدينين لتلك الدولة وتلك المؤسسة بكذا».

إذًا أين اختفت كل الأموال المضخة في الخزينة، التي هي في الأخير أموال الشعب، المحصلة مما يدفع من ضرائب؟، سؤال لا يستطيع المواطن البسيط طرحه خوفًا على نفسه أولًا، ثم معرفته المسبقة كونه لن يؤثر على الكثيرين؛ إذ إن التأثير الفعلي هو في الحقيقة بين أيدي الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وكما هو معلوم هذه الأخيرة ممولة من طرف «ذاك»؛ من أجل تنفيذ مطالب «ذاك المتحكم في ذاك»، لا يخفى على أحد أن التمويل فيه ما فيه من ثنائية، تلعب بين الرسمية والسرية.

هذا النوع من الإعلام الذي انتقل دوره من التنوير الجماهيري، إلى التنويم الديماغوجي، أصبحت أجنداته تكاد تنحصر في خدمة مصالح من يدفع أكثر، والدفع لا يكون دائمًا نقدًا، بل معنويًا كذلك، خاصة إذا كان الزبون رجل سلطة، فمن يفتقد لفن الخطاب تتحقق أمنيته في إيمان الجمهور به عبر أفواه، وكذا أقلام داعمة له، والكل يتمحور حول المال والسلطة، فالمال يصنع أسطورة، والسلطة تصنع المال، بينما الشعب يدفع ثمن جهله.

<

p class=””>

The post المال يصنع أسطورة والسلطة تصنع المال  appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: