شعب ما يمشي إلا بالعصا

0 2

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

درج بعض الناس في جلسات حديثهم أن الشعب الليبي «ما ينفع معه كان العصا»، وما يمشي إلا بالعين الحمرة، فقد ذهب بعض المطبلين لذلك بالدلالة عليه، وذلك بنشر صورة سيارة «لاندكروزر» أمام مقر «قيادة القذافي» سابقًا في باب العزيزية بمدينة طرابلس، لكي يقنع نفسه أن هذا الشعب ليس من فصيلة البشر؛ بل من جنس الحيوانات. ربما هذا القول ناجم عن حالة الفوضى التي انتشرت في البلاد، وكذلك محاولة بعض الأطراف السياسية «كأنصار حفتر مثلًا»، استغلال هذا الأمر، إذ إنهم يجدون في استعمال العصا تأييد كثير من الناس، والتي بسبب فقدها أصبحنا على ما نحن عليه؛ لأجل ذلك عمل حفتر على ترسيخ هذه الفكرة عبر وسائله الإعلامية الخاصة، وإن لم يستعمل المصطلح بصورة صريحة.

لا أريد هنا الدخول في جدل سياسي بقدر ما أود طرح بعض الأفكار بدون تعاطف أو تحامل، فهل حقًّا نحن اللبيبين والشعوب العربية لا نمشي إلا بالعصا؟

يتبادر إلى ذهني النموذج الكوري الشمالي والجنوبي؛ إذ إن الكون يختزل في شخص الرئيس في كوريا الشمالية، أما في كوريا الجنوبية فالكون يختزل في وطن. ففي هذه الأخيرة لا أعتقد أن أحدًا من القراء يعرف اسم رئيسها، ولكن بالتأكيد تعرفون منتجاتها، فمن منا ليس في بيته «صنع في كوريا الجنوبية» هاتف سامسونج أو سيارة مثل كيا أو هونداي أو غيرها من المواد المنزلية والكهربائية… إلخ؟ حتى أن الكهرباء في ليبيا من صنع الشركات الكورية الجنوبية.

كوريا الجنوبية ناتجها القومي يفوق ترليون و400 مليار سنة 2016؛ بينما كوريا الشمالية 50 مليار مع أنهما الشعب نفسه بالجينات نفسها وبالعيون المحسورة نفسها، غير أنه نتيجة للصراع الرأسمالي والشيوعي الذي رسم الخط الفاصل بين الشمال والجنوب سموها جنوبية وشمالية، نستنج أن المسألة ليس لها علاقة بالجينات.

فهذا الشمالي لا يتردد في إعدام وزير أو أي مسئول بمدفع مضاد للطائرات إن لم يصفق بقوة، أو إذا غالبه النعاس أثناء إلقاء الزعيم الكوري الشمالي «كيم جون أون» أحد خطاباته، كما ينزل كل غضبه وسخطه على كل الشعب الشمالي إن لم ينتحب أمام صورة جده في كل ذكرى لوفاته؛ بينما في الجنوبية خرجت رئيسة الوزراء «بارك غوين- هاي» تبكي وتعتذر لشعبها؛ لأنها اتهمت بالفساد بتعيين صديقتها في منصب معين، ولكن الشعب لم يغفر لها واستمر في التظاهر إلى أن استقالت من منصبها، وهي حتى كتابة هذه الكلمات لا تزال تقبع في السجن بعد حكم بالسجن مدة 24 سنة وغرامة مالية قدرها 17 مليون دولار.

خلال المفاوضات على الملف النووي الكوري الشمالي تطلب الأخيرة من الجنوبية مقابل التوقف عن برنامجها الأرز؛ لأن شعبها يعيش في مجاعة، إذن المسألة ليست طبع شعب يحب العصا وآخر خلق يعرف كيف يتصرف عند منحه الحرية فهما الشعب نفسه، لكن أحدهما تحصل على الحرية والديمقراطية، فأصبح الإنسان هو محل القدسية، والآخر يعيش فيه هذا الإنسان على الذل والقهر، فأصبح الزعيم وورثته آلهة يعبدون سواء في البلدان التي تؤمن بوجود الله أو لا تؤمن، كما في كوريا الشمالية والنتائج واضحة أمامك.

لماذا نذهب بعيدًا ؟ الملك إدريس استلم ليبيا دولة مفلسة بدأها بـ5 ملايين دولار ثمن إيجار القاعدتين، إذ كانت ليبيا تعاني حروبًا أهلية بين العديد من القبائل التي يطول ذكرها، وكانت الأمراض منتشرة من الجرب إلى الطاعون عافكم الله، ولم تكن تمتلك ليبيا من المتعلمين إلا «11 شخصًا يحملون الليسانس»، ومع ذلك 18 سنة من العمل استطاعت نقل ليبيا نقلة نوعية، فكان هناك احترام لآدمية الإنسان، فيكفي أن إدريس توفي وليس في رقبته دم ليبي قتل لأغراض سياسية، صحيح كانت الانتخابات تزور والأحزاب محظورة، لكن نقيس بمعايير ذلك الزمن؛ حيث مستوى إنسانية المواطن الليبي بالمقارنة بالدول العربية، فمن الملاحظ أنه قد حدثت نهضة جبارة في مجال الخدمات الصحية والتعليمية ليس لها مثيل من أقراننا العرب، في المقابل استلم القذافي «مستعمل العصا» الدولة الليبية التي كان نظامها الصحي والتعليمي ومؤسساتها القضائية والمالية والأمنية والعسكرية هي الأفضل، وبعد استعمال العصا واختزاله الدولة في شخصه لدرجة غروره في خطاب زنقة زنقة قال: لا يعرفكم أحد يعرفوني أنا -قذافي.. قذافي– أنا المجد. ماذا حصل؟

القذافي دمر التعليم، فبحجة الثورة الطلابية والثورة الثقافية أعدم الطلبة والأستاذة في الجامعات، وألغى تدريس اللغات الأجنبية بحجة أنها لغات استعمارية وإمبريالية، كما دمر الاقتصاد بمقولة شركاء لا أجراء، والسيارة لمن يقودها، والأرض لمن يفلحها، ودمر الصحة حتى وصل بنا الحال للوقوف في طوابير أمام معبر رأس جدير الحدودي الذي يقع بيننا وبين تونس الشقيقة لطلب الاستشفاء. كما دمر الجيش، إذ أدخله في حروب عديدة أبرزها حرب تشاد الخاسرة، وهو نفسه الذي قسم الجيش لكتائب باسم أولاده ككتيبة خميس والساعدي والمعتصم… إلخ. لقد كانت 18 سنة مع الملك كافية لنقل ليبيا إلى مصاف الدول الصاعدة، و40 سنة مع القذافي أرجعتنا إلى العصور الوسطى، والتي انعدم فيها أي مشروع حداثي، كما قام بتعميق دور القبيلة وأنهى بذرة الاقتصاد الإنتاجي وأساس الاقتصاد الريعي، وزرع الكهنوت في البلاد.

لهذا لم يخلق الله بشرًا عبيدًا وأحرارًا، فالفارق واضح في كوريا الشمالية والجنوبية وأكثر وضوحًا في ليبيا في عهد الملك وعهد القذافي.

أفبعد هذا، ألا نستحق أن نعيش أحرارًا بدلًا من العصا؟

<

p class=””>

The post شعب ما يمشي إلا بالعصا appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: