كسل الثقة

0 7

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

انقطع به الأمل قبل بداية الطريق، ترك الدنيا تعبث به كما تشاء، ترك مهمته في الأرض وتنازل عنها بكامل إرادته وبلا رجعة.

سألناه فأخبرنا أن المهمة ثقيلة عليه، والنوم عنده أكثر راحة، واللهو يراه أكثر متعة، والكلام المجلجل -أمام الناس- أيسر من الأفعال في ليالي الشتاء الباردة، ونهار الصيف الحار، وتمثيل الأدوار أمام الناس أيسر من معايشتها على الحقيقة.

– هل أخبرك أحدهم سلفًا أنها مهمة سهلة؟ من قال لك إن الطريق ممهد بالسجاد الأحمر والأكاليل الزهرية؟ بل من قال لك إنك سترى نتائج المهمة؟!

من الذي خدعك بأن مقياس أداء المهمة مرتبط بتحقيق النتائج الظاهرية، مرتبط بإحصائيات وأرقام دنيوية.

أيا مسكين، المهمة من البداية كانت واضحة، لكنك أنت الذي طال عليك الأمد فنسيت.

المهمة كانت تقول اعمل على مكانتك، وأدِّ ما عليك بلا إفراط ولا تفريط، المهمة كانت تقول ابذل واسْعَ وانطلق وتحرك. المهمة كانت تقول زلزل العالم بصوت أفعالك وليكن ما يكون.

فالعمل مرتبط بقدرتك أنت، أما النتائج فهي مرتبطة بقدرة أخرى تسمى المشيئة.

فوجودك أيها المسلم مرتبط بالعمل، العمل في كل الدروب وعلى كافة الجبهات، على جبهة النفس، والناس، والمجتمع، والإدارة، والسياسة، والاقتصاد، والعسكرية، وغيرها من الجبهات والثغور التي تنادي وتشتاق للعاملين.

وقد كُفِل لك النصر بمجرد العمل الصحيح، بإحدى الحُسنيين، فلم التواني؟

وهل تظنهم سيتجنبونك إذا تجنبت المعركة وجلست على قارعة الطريق؟ لعلهم يبتدئون بك، أيها الفاضل الكسول!

وقد اختلطت التسميات بين العجز والكسل، فأصبح كل واحد منهما بديلًا للآخر ويحقق المعنى نفسه. لكن الفرق كبير وينبغي علينا إدراكه جيدًا.

فعندما تريد فعل أمرٍ ما لكنك لا تستطيع فعله، فهذا هو العجز، عندها تكون الأدوات التي تملكها غير كافية لفعل ما تريد.

أما عندما لا تريد فعل شيء «بغض النظر عن الأدوات التي تملكها» فهذا هو الكسل، لذلك يعد الكسل أسوأ من العجز!

فأنت ربما أعذرت إلى ربك بعدم امتلاك الأدوات رغم شدة الرغبة، ولكن ما عذرك عند الكسل؟ عندما لا تريد أن تفعل أي شيء ولا تنوي فعل أي شيء!

فالكسل علامة على فراغ الشخص من أي همة أو عمل، وناتجه شخص غير مؤثر بالمرة، وإنما تحركه الحياة كيفما شاءت.

وكلامنا هنا لمن ابتلي بالعجز لا بالكسل، لمن يريد وبصدق أن يكون صدق نيته نافذًا عبر القرون، وأثره نافعًا للناس لا تزيله الرياح الهوجاء، لكن ربما تنقصه الأدوات، نقول ربما.

عندما يعجز الناس عن فعل شيء ما، ينقسمون عادة إلى قسمين: منهم من يُنسيه العجز هدفَه، ويبدِّد همته ويسحقها، والمشكلة أن مثل هذا عندما تتوفر لديه القدرة ويمتلك الأدوات في وقت ما فإنه لن يستفيد بها شيئًا، فقد أمات إرادته وانتهى الأمر، وأصبح لا يريد أي شيء.

كرامٍ محترف في رمي الأسهم بالقوس، عندما سُرق قوسه، نسيه، ونسي أنه كان راميًا في يوم من الأيام، وانشغل في واقعه الجديد بدون محاولة الحفاظ على قدراته القديمة، ولو بمران يسير كل يوم!

فمتى ما أخذ القوس من جديد -وسنن الحياة تقول إن الأيام دول وأنه لا بد آخذٌ القوس من جديد- فلا تنتظر منه رميًا صحيحًا، وإنما عشوائية وخبط! وخير له ألا يأخذ ذلك القوس مرة أخرى، بل وخير له أن يظل في واقعه المؤسف يغالبه ويتحايل عليه، فهو قد انتهى أمرة بمجرد فقد الأدوات.

والقسم الآخر يجدد الهمة والمعاهدة والمحاولة قدرَ استطاعته، وفي حدود دائرة تأثيره، ولو بقدر يسير.

ثم لا يلبث أن يمتلك القدرة في أمد -قصير أو طويل- ويحطم هذا العجز تحطيمًا، بل قد يكون العجز سببًا قويًّا في حسن تصرفه في القوة التي امتلكها، فبعض الأشياء لا نعرف قيمتها إلا بفقدها أولًا!

تريد مثالًا؟

خير مثال لذلك هو الثورة المصرية. امتلكنا القوة في وقتٍ ما، ولكننا لم نكن قد أعددنا نفسنا لها «جميع القوى والتيارات بلا استثناء»، فالثورة هنا مجرد أداة كالقوس! فهل كنا مستعدين للقوس؟ وهل يفيد القوسُ من لم تتمرن أصابعه على الرمي؟ ربما استخدم القوس كأداة موسيقية للعزف! وربما استخدم عصا القوس للاتكاء عليها! أو ربما استخدمها في الشوي وطهي الطعام!

ففقدناها بخلافنا العقيم وغبائنا المقيت! وباللوم لكل شيء عدا لوم أنفسنا.

ولو برزت فرقة مرنت أصابعها على الرمي؛ لأحسنت استغلال القوس، ولو تركوا الواقع وتشابكه وعلائقه، ولو تركوا الناس وعلموا أن كثير الكلام يختفي في أوقات البذل، ولو أشغلوا أنفسهم بما ينفع الناس، لمكث أثرهم وفعلهم دائمًا مغروسًا في أعماق الأرض. قال رب العزة: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».

«فليست المشكلة في الامتلاك المجرد للقوة إذن».

القضية الأساسية هي من الذي أعد نفسه لاستقبالها، وتجهز في كل الجوانب لاستغلالها حق استغلال؟ برغم عجزه وانعدام رؤيته للمستقبل، بل توقعه أحيانًا أنه لن يمتلك تلك القوة!

فالمهمة كما ذكرنا هي الفعل المكين، أما النتيجة فمرتبطة بالمشيئة.

«فارفق بنفسك ساعة، إني أراك وهنت».

بيت من قصيدة «في القدس» للشاعر تميم البرغوثي.

وفيه معنى عظيم، وهو أنك ربما تقسو على نفسك، فتؤدي القسوة إلى ضعفك لا إلى زيادة في قوتك!

فليست كل مصائب الدنيا متعلقة بك، وإن كُنتَ الخليفة الذي استخلفك الله في أرضه.

فقد خلقك الله سبحانه لغاية ما «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا»، ستكتشفها بمرور الوقت وتكرار التجارب، والعجز الذي تشعر به ينبغي ألا يكون معطلًا لك عن العمل الدؤوب على إزالة العجز ومحو آثاره، والعمل على بناء همم جديدة فوق أنقاض ذاك العجز المقيت.

ولنفترض جدلًا أنك لا ترى سبيلًا لإزالة هذا العجز، فهل القعود هو السبيل؟ وهل التواني وضعف الهمة يزيل العجز أم يزيده سوءًا؟

فارفُق بنفسكَ ساعة العَجْز، جاعلًا الهدف نَصْبَ عينيك، فيصبحُ دافعًا للعمل والحركة، ولو كانت بقدر يسير – لكنه مستمر – وحاول ألا يمر يوم إلا وقد هدمت لبنة من لبِنات جدار العَجْز، أو ثقبت ثقبًا ضئيلًا خلاله. وإذا بالعجز يتهاوى بعد فَترة وجيزة، وإذا بالسبل تنفتح، إما أن يُقَدِّر الله أن ذلك يكون على يديك، أو أن يقدر الله أن يكون ذلك على يدي غيرك في حياتك، وإما أن يقدر الله أن يكون ذلك على يدي غيرك بعد رحيلك أصلًا! فماذا يضيرك؟ وقد سعيت واجتهدت وحاولت «فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ».

اللهم إنا نعوذ بك من جَلَد الفاجر وكسل الثقة.

The post كسل الثقة appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: