الخلاف في الرأي يُفسد للوّد قضية!

0 59

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

«اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية»، هذه العبارة شائعة الاستعمال والتي لا أدري من صاغها في البدء ولا كيف عممت لتصبح واحدة من أهم العبارات وأشهرها في العصر الحديث بين فئات المتبادلين رأيًا. يقولها البعض أحيانًا وهم متوجسين خائفين من إغضاب الآخرين ممن اختلفوا معهم في الرأي، خاصة إن كان هؤلاء ممن تربطهم بهم العلاقة الطيبة. ويقولها آخرون وهم يضمرون بتعمد وإصرار عكسها في نفوسهم، وأفرغها غيرهم من المعنى ورددها بآلية، أو أن يقولها قائل لكبح جماح حالة غضب يراها بين متحاورين، ويبقى دائمًا من آمن بها وجاهد ليعيش المفهوم حقيقة واقعة.

حالة من الانقسام الحاد والاستقطاب المرضي، أصبحت السمة السائدة بين الناس على مستويات عدة في القرى والمدن، بين أفراد الأسرة والأصدقاء والمعارف، الجميع أصبح يمارس نوعًا من الرذيلة الحوارية، ليصبحوا مجرد قوافل ردود وقذف على كل ما يتحرك لمجرد خلاف في الرأي. وهم بردودهم النمطية قد تعدوا على المنطق السليم، وابتعدوا عن الحوار بمفهومه ومضمونه الذي طالما تمنيناه كثيرا، وبفضل الإعلام الأصفر الكاذب والطابور الخامس الذين لا هم لهم إلا خلق الفتن والأحقاد والنخب منزوعة الضمير ساد المجتمع مناخ من الخصومة المريرة والعداء والكراهية الممسوسة شرقًا وغربًا.

في ثقافتنا فقط يتحول اختلاف الرأي إلى عراك كلامي مشحون بالانفعال الذي يقود إلى الإحباط والتشنّج، عن طريق النقد اللاذع أو التهجم على صاحب الرسالة والحط من وجهات نظره وتسفيه أقواله وجرح مشاعره وخدش اعتباره، إذ نعتقد أننا يجب أن نسحق الجميع حتى لا يبقى غير صوتنا الوحيد. لقد تربينا على فكرة الانتصار والغلبة والإفحام (وإلقام الآخرين حجرًا) وليس على فكرة التعددية والتشارك ومحاولة الفهم والقبول بسلمية التعايش ضمن مجتمع متعدد، فبمجرد ما أن تختلف مع أحدهم في الرأي تجد أن الخلاف اتخذ شكلا آخر ومنحنى آخر ابتعد عن الموضوعية إلى الشخصنة، فلم يعد خلاف واختلاف بين رأي ورأي، بل أصبح خلافًا واختلافًا بين شخص وشخص ويتحول الأمر إلى محاولة إقصاء الآخر عن طريق إهانته، بل يصل الأمر إلى حد القطيعة والكراهية.

من أكبر الأكاذيب التي نعيشها يوميًا أننا نخدع أنفسنا بتكرار عبارة «اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية» بينما في الحقيقة والواقع نفسد كل القضايا بالصراع والتجني واستعمال كافة الأسلحة الدنيئة وعدم تقبل حكم الأغلبية والإجماع والاحتفاظ بحبل الود مع الجميع.

فعندما تطرح قضية معينة على طاولة النقاش فلكل منا وجهة نظره أو رأيه أو انطباعه الشخصي حول الموضوع المطروح، أو تلك الحالة أو المسألة التي تناقش، فالاختلاف موجود منذ نشأة الخلق وهو سنة كونية وطبيعة بشرية، حيث لا يمكن جمع الناس على كلمة واحدة أو رأي واحد فلكل منا وجهة نظر أو رأي خاص به، قد يتطابق ويتفق مع الآخرين، أو قد يختلف معهم، بغض النظر عن صحة هذا الرأي أو عدم صحته، فهو بالأخير يرجع لقناعات شخصية تتمركز في فكر وعقل هذا الشخص، وهذا الشيء ينطبق على جميع المجالات.

لذلك ساعد وجود أكثر من وجهة نظر ورأي حول الموضوع الواحد في إلقاء الضوء بصورة أكبر على القضايا التي نتناولها، إذ لا يمكن تفسيره على أنه حالة سلبية، بل على العكس فهي حالة إيجابية مفيدة ولا بد منها، والحقيقة هي أن اختلاف الآراء أمر طبيعي بين البشر ويحدث حتى داخل البيت الواحد، وهي من السنن التي أرادها الله في كونه لخير البشرية لا لشقائها، قال تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين».

فأعقل الناس من جمع إلى عقله عقول الناس، ذلك لأن العقول كالمصابيح إذا اجتمعت ازداد النور ووضح السبيل ولأن لكل عقل نوعًا من التفكير .وبعدًا خاصًا، مما يجعل الفرد يستفيد من تلك الارآء والنقاشات التي تدعم رأيه وتنصره وتكون دافعًا له للاعتداد برأيه وعدم الحياد عنه، أو قد تكون متضاربة ومختلفة مع رأيه ومخالفة لوجهة نظره، وفي هذه الحالة يستفيد أيضًا من تلك الآراء في تصحيح بعض آرآئه وأفكاره الخاطئة إذا كانت آراء الآخرين وأفكارهم أشمل وأعمق وأدق من آرائه ووجهات نظره، وذلك بعد إقناعه واعتقاده شخصيًصا بها. وما يجب أن نتعلمه ونتربى عليه ويركز عليه المعلمون في المدارس والمشايخ في المساجد هو أن لا يتحول اختلافنا إلى خلاف، والخلاف إلى عنف، والعنف إلى تدمير حياتنا ومكتسباتنا القبلية التي لم تُبن بين يوم وليلة. كل هذا يجب أن يحدث في جو يسوده أدب الحوار وأدب الاختلاف، وحُسن الاستماع ، واللباقة في الإصغاء.

لزامًا علينا أن نتعلم وننشر ثقافة الحوار بأسلوب راقٍ ونروض فكرنا وأنفسنا عليها كي نتقبلها عن رضا وقناعة وإيمان ،وأن يكون نقاشنا موضوعيًا بدون أن نتعرض لخصومنا باتهام أو ازدراء أو إهانة، إن التزام الفرد بهذه الأسس والقواعد لكفيل بارتقائه في حواراته مع الآخرين، وكفيلة بتغيير نظرته لنفسه ونظرة مجتمعه له، وليكن قدوتنا في ذلك رسولنا الأعظم الذي خاطبه ربه قائلا: «ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، وكيف استطاع بحلمه وعلمه وسمو أخلاقه أن ينتصر في حواراته مع المشركين ويقنعهم برسالته السمحاء، وذلك عن طريق الحوار العقلاني السليم كما علمه ربه «وجادلهم بالتي هي أحسن» فكانت نتيجة ذلك الحوار الذي استمر لسنوات عديدة إشراق نور الإسلام على الأمة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فهو أمي ولكن بفضل أخلاقه علم جميع المتعلمين، وأرسى سفينة رسالته إلى شاطئ يسوده السماحة في التعامل وتقبل الرأي والرأي الآخر، أتمنى فعلا أن لا يفسد الخلاف للود قضية ولكن هل نحن كذلك بالفعل؟

<

p class=””>

The post الخلاف في الرأي يُفسد للوّد قضية! appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: