«نيويورك تايمز»: كيف يكسر الإيرانيون التقاليد ليصنعوا مجتمعًا منفتحًا؟

0 43

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

لا يمكن العدول عن التغيرات الاجتماعية في إيران، لأن التقاليد قد تغيرت، وتغيرت طريقة تفاعل وتواصل الناس.. لا يمكن لأي قانون أو حملة قمع أن تغير من ذلك.

مجتمع يزداد حداثة يومًا بعد يوم، فأنى لحكومة دينية التكيف مع ذلك دون الاصطدام بالمجتمع. نشرت «نيويورك تايمز» تقريرًا كتبه «توماس إيردبرينك» يتناول بعض التغيرات التي يشهدها المجتمع الإيراني، وكذلك تغيرات في تعامل الدولة معها، لا سيما وأنها تمس قوانين الجمهورية الإسلامية.

يستهل الكاتب تقريره عارضًا مشهدًا، حسب وصفه لم يكن معتادًا قبل سنوات قليلة، حيث توجه إلى قاعة حفلات زفاف اسمها «إمارات»، تقع خارج طهران، في المناطق الريفية، والقيادة عبر سلسلة من الطرق الريفية للوصول إلى بوابة لا يميزها سوى رقمها، وبمجرد الوصول إلى هناك، تحقق حارس الأمن من وجود اسمه على قائمة المدعوين لديه، ثم أرشده مباشرةً إلى موقف السيارات الذي يُلاحظ مدى اتساعه لمئات السيارات، وما إن غادر سيارته، بدأ السير في عدد من الممرات المقنطرة المغطاة بالأشجار المتسلقة، والتي تؤدي إلى حديقة مورقة لها باب خشبي كبير، ومن ثم وصل أخيرًا إلى مدخل القاعة الرئيسية التي امتلأت بالطاولات المزينة بالورود، والمُضائة بعشرات الثريات.

زفاف غربي في طهران

يذكر الكاتب إن حفل زفاف «أمير هاشمي» على عروسه «ميلينا هاشمي» كان قد بدأ بالفعل، وفي مشهد قد لا يكون معتادًا في إيران، انطلق الرجال المرتدين بزات أنيقة، وكذلك النساء اللواتي ارتدين الملابس الفاتنة الكاشفة مع المجوهرات التقليدية الأنيقة، وتصفيفات الشعر المنمقة، ليشعلوا ساحة الرقص تمايلًا على أنغام أحد أغنيات البوب الكلاسيكية لمغني إيراني منفي خارج البلاد. استمتع الأزواج الجالسين على الطاولات بتبادل الأحاديث القصيرة، بينما كان البعض الآخر يرتشف بين الوهلة والأخرى رشفةً من زجاجات المياه البلاستيكية الصغيرة.

صورة من حفل زفاف أمير هاشمي

يقول الكاتب «باختصار، وبغض النظر عن بعد المكان، لا يختلف هذا الحفل عن أي حفل زفاف غربي راق»، إلا أن في هذه الحالة، قد انتهك المحتفلون ما لا يقل عن ستة قوانين أساسية من قوانين تنظيم السلوكيات الفردية المطبقة في الجمهورية الإسلامية، من بينها: الاختلاط بين الجنسين، والتعري وعدم ارتداء الحجاب، والرقص، وتشغيل موسيقى البوب، وأخيرًا وليس آخرًا، تناول مشروبات كحولية (الفودكا المعبأة في زجاجات المياة).

يوضح الكاتب أن في فترة من الفترات، كانت مثل تلك الانتهاكات يُعاقب عليها إما بالجلد أو بالسجن، وجدير بالذكر أن تلك العقوبات ما تزال تطبق على عدم ارتداء الحجاب أو تناول المشروبات الكحولية حتى الآن.

تغيير لا مفر منه!

ومن خلال مقارنة حفل زفاف «أمير هاشمي» وغيره من المناسبات الاجتماعية الأخرى، بحفلات الزفاف التقليدية، حيث يحتفل الرجال والنساء في أماكن منفصلة، ويصفقون وهم جالسون في أماكنهم، وعندما يتقابلون في الخارج بعد انتهاء الحفل، لا يجب عليهم أن يتصافحوا بالأيدي، إذ إن أي تواصل جسدي ممنوع تمامًا، يتضح مدى التخلي عن العادات القديمة لصالح التغيير الذي لا مفر منه. يقول «هاشمي»، البالغ من العمر 36 عامًا، ويعمل في بيع المعدات المكتبية «لم نفكر على الإطلاق في تنظيم حفل تقليدي»، بينما تقول زوجته، البالغة من العمر 29 عامًا «أردنا أن نحتفل مع الجميع».

يقول الكاتب إن قبل ما يناهز عقد من الزمان، كان خطر إلقاء قوات الأمن القبض على الأفراد أو الوقوع في قبضة شرطة الأخلاق التي تسعى إلى تطبيق القانون، مرتفعًا للغاية، بيد أن في الوقت الراهن، أو في طهران على الأقل، صار بإمكان الأزواج الاختيار بين عشرات قاعات حفلات الزفاف التي ظهرت على الجانب المعتم للطريق في سهول جنوب طهران، بعض هذه القاعات ضخمة الحجم، وبها تدابير أمن كبيرة، وخدمات تقديم الطعام، ودي جي، وفرق موسيقية، وألعاب نارية. وتُعد تلك القاعات -مثل قاعة إمارات- استثمارات طويلة الأجل تكلف إنشاؤها ملايين الدولارات.

يؤكد الكاتب أن وجود تلك الفعاليات والاحتفالات لا ينفي عنها مخالفتها للقانون، إذ تظل غير قانونية، وتظهر الشرطة في بعض الأحيان، لأخذ الرشوة أحيانًا، لكن من ناحية أخرى، صارت حفلات الزفاف المختلطة صناعة ضخمة في طهران، وتستقبل القاعات حفلات زواج كل ليلة تقريبًا. تقول «أصال رستاخيز»، البالغة من العمر 36 عامًا، وهي مصورة زفاف شهيرة «هناك طلب كبير على على حفلات الزفاف الحديثة التي قررت الدولة التغاضي عنها معظم الوقت».

ويشير الكاتب إلى مدى التغير الواقع اليوم عما كان الوضع عليه في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، عندما لحق ملايين الإيرانيين بركب الثورة التي قادها رجال الدين، والتي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من الغرب عام 1979، حينها حظيت القوانين الإسلامية المتشددة بدعم العامة على نطاق واسع، إلا أن الالتفاف حول تلك القوانين بدأ في الانهيار بعد عدة سنوات، وبدأت حكومة رجال الدين الإيرانية التي تقود مجتمع يزداد حداثةً يومًا بعد يوم في خوض حرب معه منذ ذلك الحين.

وعلى الرغم من احتكارهم للحياة السياسية الإيرانية، وسيطرتهم على نظام التعليم، والجهاز القضائي، وقوات الأمن، وأغلب وسائل الإعلام، يتراجع نفوذ القادة الإيرانيين المحافظين منذ زمن طويل، وفي حين أن من النادر تغير القوانين في إيران، فإن الدعم العام الضعيف يجعل تطبيق تلك القواعد معقدًا بشكل متزايد، لا سيما في ظل تسامح المجتمع مع كثير من المحرمات في الوقت الراهن.

تقول «شهلا لاهيجي»، الناشرة وناشطة الحقوق المدنية «هذا الحكم الثيوقراطي لا يزال متمسكًا بأيديولوجيته المعلنة غير الواضحة، والتي لا يمكن التنبؤ بها»، وأضافت أن هذا النظام «لا يمكنه قبول مثقال ذرة من تغيير في القوانين، بل يمكنه التغاضي فحسب عن التغيير إذا ما فرضه الناس عليه».

يرى الكاتب أن بندول التغيير يمكن أن يتأرجح على نطاق واسع في إيران، لا سيما في ظل تناوب فترات حرية نسبية مع فترات قمع. خلال سنوات رئاسة «محمود أحمدي نجاد» الثمان على سبيل المثال، كان التواجد الشرطي أكبر، ولكن مع حلول نهاية عام 2013، ومنذ ذلك الحين، واصل الناس الضغط من أجل مزيد من الحريات الشخصية، ويرى معظم الإيرانيين أن مهاجمة الحكومة لتلك التغييرات الحالية والتي حظيت بقبول وانتشار واسع النطاق، سوف تُسبب فاجعة. يقول «نادر كريمي جوني» -صحفي- «لا يمكن العدول عن التغيرات الاجتماعية في إيران، لأن التقاليد قد تغيرت، وتغيرت طريقة تفاعل وتواصل الناس ببعضهم البعض»، ويضيف «لا يمكن لأي قانون أو حملة قمع أن تغير من ذلك».

محاولات تمرد

وبطبيعة الحال، يقول الكاتب  «انفجر إحباط المجتمع من الحكومة في بعض الأحيان من خلال تمرد مفتوح»، على سبيل المثال، عندما تظاهر مواطنون من طهران في الشوارع عام 2009، محتجين على ما اعتبروه تحايلًا من أجل إعادة انتخاب الرئيس اللإيراني السابق أحمدي نجاد لفترة رئاسة أخرى.

علاوة على ذلك، ساعد ظهور تطبيق إنستجرام في انتشار صور نمط الحياة المعاصرة في طهران، ما أدى إلى مطالبات سكان المدن الأصغر بالمثل، فخلال المظاهرات التي انطلقت في جميع أرجاء البلاد شهري ديسمبر (كانون الأول)، ويناير (كانون الثاني) الماضيين في أكثر من 80 مدينة، كانت أغلب المطالبات اقتصادية، لكن بعض المظاهرات التي استمرت على مدار الأسبوع طالبت بالمزيد من الحريات. إلا أن هذا الثوران أثار آلة القمع الرسمية، ولم تُترجم إلى مزيد من الحريات، لكنه انعكس على جوانب أخرى.

لم يقتصر ذلك التراخي في تطبيق القانون على صالات حفلات الزفاف فحسب؛ على سبيل المثال، نظمت «أصال خليل بور»، البالغة من العمر 35 عامًا، أول فعالية أزياء لها منذ ستة أعوام، اتخذت بذلك مخاطرةً كبيرة آنذاك. ففي تلك الفترة، كانت الشرطة تداهم من وقت إلى آخر المتاجر التي تبيع الملابس «غير اللائقة»، وبرنامج مثل «نهاية الأسبوع للسيدات»، والتي أبرزت مجموعة رائعة من مصممي الأزياء المغمورين إلى العلن. تقول «أصال خليل بور»، التي تنحدر من عائلة رواد أعمال «في ذلك الوقت، لم يكن هناك أية فعاليات أزياء»، وتضيف «كانت الموضى تثير السخط الرسمي، لكن الناس كانوا متلهفين عليها، وتواقين ليكونوا مختلفين».

يشير الكاتب إلى أن، قضية الملابس لطالما كانت مجال توتر بين الإيرانيين وحكومتهم، فبالإضافة إلى ارتداء الحجاب الإجباري، كان لزامًا على النساء أن يرتدين معاطف مغلقةً تصل إلى ما تحت مستوى الركبة. كما لم يكن مسموحًا للرجال ارتداء السراويل القصيرة، ولعقود طويلة، كان الأطباء فقط من يُسمح لهم بارتداء رابطة عنق، التي طالما اُعتبرت تشبهًا بالغرب.

إلا أن الإيرانيين دائمًا ما وجدوا طرقًا خلاقة للالتفاف على تلك القوانين، بل وازدرائها في بعض الأحيان، وذلك باتباع صيحات الموضة الشهيرة مثل قصات الشعر الغربية، ومعاطف النساء الضيقة، وفي الوقت الراهن، تُعتبر المعاطف المفتوحة آخر صيحات الموضة الرائجة لدى النساء. وعلى الرغم من استمرار انتشار شرطة الاخلاق في الطرقات، واعتقالها في بعض الأحيان بعض النساء غير المحجبات عشوائيًا، فإن الدولة من ناحية أخرى تخلت عن تطبيق كثير من القوانين، عدا قوانين الحجاب للنساء، والسراويل القصيرة بالنسبة للرجال.

يقول الكاتب إن خلال إحدى فعاليات «أصال خليل بور» مؤخرًا، والتي كانت تحت رعاية شركة بي إم دبليو، كانت النساء يتفقدن الأرفف المكتظة بمنتجات المصممين المحليين، وقالت «الأمر لا يقتصر على توقف المضايقات فحسب، بل صاروا يُثنون علينا لإنتاج تلك المنتجات محليًا».

شد وجذب

من الجلي أن هذا الصراع بين المجتمع الذي يتغير تدريجيًا والقوانين الجامدة، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

يذكر الكاتب بعض المظاهر الأخرى للتغير، فعلى سبيل المثال، علا صوت «دوا ليبا» بالغناء من مكبرات الصوت في أحد فروع مقهى «سام كافيه» الثلاثة في طهران، بعد أن كان مسموحًا بتشغيل الموسيقى فقط قبل ثلاث سنوات، بينما يجلس الشباب صغار السن في المقهى وبأيديهم أجهزة ماك بوك اللوحية، ويضعون سماعات الأذن البيضاء، ويحتسون اللاتيه، وكأن عاصمة الجمهورية الإسلامية مجرد مدينة عادية من مدن العالم الواسع، جدير بالملاحظة أن لسنوات طويلة، كانت المقاهي في إيران أماكن منعزلة، حيث يلتقي الأحباب سرًا، وغالبًا ما كانت الشرطة تراقبها عن كثب لضبط أي انتهاك للمعايير الأخلاقية، كتبادل القبلات أو تشابك الأيدي.

بيد أن على الجانب الآخر، يود «محسن مجيديخا» -مالك المقهى- أن تسود أجواء أكثر ترحابًا، وحاول تحقيق ذلك من خلال تصميم المقهى، إذ تمتد النوافذ من الأرض حتى السقف، ما يجعل المكان مفتوحًا على الشارع، ويمكن للضيوف تشارك الطاولات، وتبادل الأحاديث مع الغرباء، ويقر «مجيديخا»، الذي قال إنه يؤمن بقوة المجتمع، أن قوات الشرطة أغلقت مقهاه مرتين.

يشير الكاتب إلى أن لعبة الشد والجذب بين المجتمع والدولة والتي استمرت عقدًا من الزمان، أثارت المزيد من الضجر لكثير من الناس، فهم بلا شك سعيدون بقدر الحرية التي صارعوا من أجلها الدولة، لكن حسب وصف عالم الاجتماع «هوجات كالاشي»، ما فائدة ذلك طالما لا يزال بالإمكان اعتقال الناس بسبب التواجد في حفل زواج مختلط؟

يقول «كالاشي»: «إننا نتغير بلا هوادة، لكن المؤسسة الحاكمة ليس لديها نظرية أو رؤية لكيفية إدارة البلاد»، ويضيف «ليس لديهم خطة للتعامل مع حاجات وغرائز الناس»، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار أو انفجار حسب وصفه. وأكد أنه «من الجلي أن هذا الصراع بين المجتمع الذي يتغير تدريجيًا والقوانين الجامدة، لا يمكن أن يستمر إلى الأبد».

بل يأخذ البعض هذا الرأي إلى ما هو أبعد، مبديًا الندم على الفرصة الضائعة لتضمين تلك التغيرات في القانون؛ يقول «حميد رضا جلايبور» -أستاذ علم الاجتماع، والسياسي الإصلاحي- «يجب أن نمارس ضغطًا أشد على القوانين الجديدة، ولا بد أن نشجع الناس على النزول إلى الشوارع»، مضيفًا «فشلنا ببساطة في الحصول على كل ذلك في صورة قوانين مكتوبة».

<

p class=” selectionShareable”>

The post «نيويورك تايمز»: كيف يكسر الإيرانيون التقاليد ليصنعوا مجتمعًا منفتحًا؟ appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: