قوارب الهروب من دول الموت البطيء

0 45

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

لا يزال إعلامنا، والإعلام العربيّ عمومًا، يسميها قوارب الموت، رغم أن نسبة نجاح الهجرة غير الشرعيّة من جنوب إلى شمال البحر المتوسّط بلغت 98% في 2017، ولم يختلف الأمر كثيرًا خلال الأشهر الخمس الأولى من سنة 2018 حيث حسب المنظمة الدولية للهجرة، بلغ 32080 مهاجرًا غير شرعي السواحل الأوروبيّة فيما تمّ تسجيل 660 بين أموات أو مفقودين، أي بنفس نسبة النجاح. فقد جعل الـ GPS (نظام التموضع العالمي) عمليّة الملاحة أكثر سهولة ووضوحًا. خصوصًا إذا ما قارنّاها بما يعرفه الحراك الاجتماعيّ في بلدان جنوب المتوسّط من قتامة وضبابيّة، حيث يكاد معيار الكفاءة يغيب أمام المحسوبيّة، وتبلغ نسب البطالة فيها مستويات قياسيّة، وتتدنّى الأجور مقابل غلاء المعيشة، علاوة على عدم ضمان استقرار في العمل لمدّة متوسّطة على الأقلّ عندما يتعلّق الأمر بالقطاع الخاص الهش.

نسبٌ مخيفة تعني الموت البطيء في أذهان شباب غير قادر، في أدنى تطلّعاته، على تكوين عائلة. بهذا تصير نسب الإحالة على الموت البطيء أرفع بكثير من نسبة الموت في البحر (2%)، فيكون خيار الهجرة السريّة أوجه في نظر شباب خذلته الدولة وأسكنته مربّع اليأس. ربّما هنا كما يقول المثل الجزائري «ياكلني الحوت وما ياكنيش الدود».

بذلك، وإن كان لا بدّ من استخدام تسمية «قوارب الموت» فعلى الإعلام أن يسمي نقاط انطلاق هذه القوارب بـ «دول الموت البطيء». قوارب الهروب من دول الموت البطيء.

طبعًا تدفع دول الموت البطيء الإعلام إلى تهويل مخاطر عمليّة الهجرة، لا خوفًا على سلامة مواطنيها بل إذعانًا لـضغوط الضفّة الشماليّة التي تسميها «توصيات»، في صورة الإقرار بها. فيما قد تسمي بعض عمليّات إحباط الهجرة من قبل خفر السواحل، بعمليّات «الإنقاذ من الغرق» في إطار التهويل. فالاتحاد الأوروبيّ موّل ويموّل منذ أواخر 2015 وحتى 2017، 117 مخطّطًا في 26 دولة أفريقيّة بغرض زيادة فعاليّة سيطرة هذه الدول على حدودها، بقيمة تجاوزت الـ 1.9 مليار يورو. ليقوم الإعلام أيضًا بدوره في هذا المخطط. لكن أمام تأزم الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر في دول جنوب المتوسّط – ولدول الضفّة الشماليّة دورٌ ويد في ذلك – إضافة إلى عدم الاستقرار السياسيّ والحروب والنزاعات المسلحة الدائرة في ليبيا والشرق الأوسط، فشلت سياسة الاتحاد الأوروبي هذه في الحد من من وفود المهاجرين أو تقليص عددهم، وصارت محلّ انتقاد.

أمام تفاقم أزمة وفود المهاجرين، خصوصًا إلى السواحل الإيطاليّة، وجد اليميني المتطرف ماتيو سالفيني الطريق إلى السلطة وتقلّد وزارة الداخليّة، من خلال تصرحاته الشعبويّة المناهضة للهجرة غير الشرعيّة، ووعدٍ أطلقه ببناء مراكز اعتقال مختصّة في أرجاء إيطاليا، وترحيل ما يقارب 100 ألف مهاجر غير شرعي سنويًا. في مقاربة أمنيّة ستكلّف الدولة أموالًا طائلة، لكن يصعب أن تثني الشباب اليائس في الضفّة الجنوبيّة عن محاولة الهروب من واقعه المظلم.

حرّية التنقّل التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 13) والعهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة (المادّة 12)، لا تسري على سكّان دول العالم الثالث. فالدول الغربيّة أوجدت «التأشيرة» كضابط لهذا الحق، ما يندرج في إطار ما أشار إليه «صامويل هنتينغتون» في كتابه «صدام الحضارات» بـ «حماية التماسك الثقافي والاجتماعي والإثني للمجتمعات الغربيّة بتقييد عدد المسموح بقبولهم باعتبارهم مهاجرين أو لاجئين» وذلك ضمن مجالات ثلاث تكفل للدول الغربيّة الحفاظ على هيمنتها وحماية مصالحها أمام المجتمعات أو الدول غير الغربيّة. وإن كانت تسبيح الثروات الباطنيّة لهذه البلدان و«تنقلها بحريّة» إلى بلدانها مقابل أسعار بخسة، وتنتقي العقول البارزة فقط لتستدرجها إلى جنانها التيّ شيّدت عبر استغلال تلك الثروات. كما تدعم الحكومات الفاسدة في هذه الدول، لتفرغها من أيّ أمل للتطوّر والاستجابة لتطلّعات شعوبها. فتكون هكذا صاحبة الإسهام الأكبر في وضع «دول الموت البطيء».

<

p class=””>

The post قوارب الهروب من دول الموت البطيء appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: