«على قد فلوسكم».. حيرة العائلات المصرية بين الحضانات الخيرية والاستثمارية

0 30

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

ممر ضيق للغاية هو الفاصل بين الفصول الدراسية التي يقبع بها أطفال من سن ثلاث إلى ست سنوات من الثامنة صباحًا وحتى الرابعة عصرًا، وكل الحركة التي يستطيعون تأديتها خلال اليوم هي الخروج من الفصل الدراسي للتحرك قليلًا في هذا الممر، ثم العودة إلى الفصل الذي يقومون فيه بمعظم أنشطتهم من تلقي المواد الدراسية وحتى اللعب والرسم والأنشطة الترفيهية.

يؤدي الممر إلى حجرة بها نحو أربعة أسرّة خاصة بالأطفال الرضع الذين تتراوح أعمارهم ما بين شهر حتى ثلاث سنوات، وبها امرأتان تفترشان الأرض ومن حولهما الأطفال، يلعب منهم  من يلعب بألعاب بلاستيكية صغيرة الحجم، وينام منهم من ينام على وسادات إسفنجية موضوعة على الأرض، لكي يصبحوا في متناول يد المرأتين وتحت أعينهم، تصبح وجوه الأطفال وأيديهم غير نظيفة إثر لعبهم في أرضية الغرفة، وتصير رائحتهم أصعب من أن تُحتمل في في هذه المرحلة العمرية يحتاجون للنظافة طوال الوقت وهو ما لا يجدونه في مثل هذا المكان.

هذا هو الحال في إحدى الحضانات الصغيرة بحي شبرا، والتي تتبع إحدى الجمعيات الخيرية متعددة الأنشطة والملحق بها حضانة صغيرة هي جزء من نشاطها هذا، بقي أن نعرف أن الاشتراك الشهري للطفل في هذه الحضانة لا يتعدى السبعين جنيهًا..والاستضافة اليومية نحو عشرين جنيهًا.

تجربة البحث عن حضانة لطفل ينتمي للطبقة الوسطى، هي تجربة صعبة وبلا نتيجة مجدية ومرضية تقريبًا، وهي التجربة التي تضطر لخوضها كثير من الأمهات العاملات، خاصة خلال شهور الصيف، حيث تبدأ الإجازات الدراسية وتضطر الأم للبحث عن مكان لأطفالها لحين عودتها من عملها، لكن النتيجة في الأغلب تكون غير مُرضية، فالمتاح هو نوعان من الحضانات، حضانات للأثرياء وأخرى للفقراء، وما بين النوعين فراغ شاسع، وإذا كنت لا تملك ما يجعلك تستطيع دفع ثمن النوع الأول، فأنت مضطر وإن أبيت لقبول النوع الثاني، فالنوع الأول يبدأ مصاريفه على الأقل بنحو 1500 جنيه في الشهر، ويصل لنحو 25 ألفًا خلال السنة وربما يزيد، أما النوع الثاني فهو الذي تقدمه الجمعيات الخيرية باعتباره جزءًا من نشاطها وذلك لا تتعدى مصروفاته 100 أو 200 جنيه خلال الشهر.

«هذا هو المتاح»

«هو ده المتاح» هكذا بدأت منى إبراهيم -28 سنة، مدرسة- كلامها عن الحضانات التي تتبع الجمعيات الخيرية وأضافت قائلة: «أنا سألت كتير قبل ما أقدم لابني -ثلاث سنوات- في إحدى حضانات الجمعيات الخيرية، لأني مكنتش راضية بالحضانة دي في الأول، بس لقيت إن أسعار الحضانات التانية صعبة جدًا، أنا مرتبي كله 1200 جنيه، يعني تكاليف الحضانة هتكون أزيد كتير من مرتبي، ولو الحضانات اللي تبع الجمعيات الخيرية دي مش موجودة  كنت هقعد بابني في البيت وأرعاه بنفسي لأن ساعتها مرتبي مش هيكفي أي حاجة».

أما عفاف محمد -موظفة- فلم يكن وضع طفلها الرضيع في أحد حضانات الجمعيات الخيرية بالأمر اليسير عليها أبًدا، وخصوصًا بعد أن ثبت لها سوء الخدمة المقدمة فيها، وخاصة بالنسبة لطفل في مثل هذه المرحلة العمرية، لكنها على أي حال تحتاج للعمل ولن تستطع أن تتسبب في انقطاع راتبها عن البيت، ورغم أنها تحاول أن تضع لابنها في الحقيبة المرفقة معه إلى الحضانة غذاءًا وملابس نظيفة، إلا أنها تظل تعاني طوال اليوم من هاجس نسيان المشرفات إطعامه، كما تشكو من عدم نظافة الولد في نهاية كل يوم وسوء رائحته، لأن عدد المشرفات قليل ولن تستطيع مشرفتان مثلًا الحفاظ على نظافة سبعة أو ثمانية أطفال في مثل هذة المرحلة العمرية الصعبة طوال الوقت، بحسب عفاف.

لا يختلف الحال كثيرًا بين حضانة شبرا المذكورة ونظيرتها بباب الشعرية والتي تتبع جمعية خيرية أيضًا، تستقر الجمعية في بناية مكونة من أربعة طوابق، وتوجد الحضانة في شقة صغيرة مكونة من عدة غرف وكل ما يفعله الأطفال خلال يومهم هو تلقي حروف الهجاء باللغتين العربية والإنجليزية سماعًا وحفظ قصار السور من القرآن الكريم، أو يلعبون بألعاب بلاستيكية صغيرة، ويشرف عليهم عدد قليل من المدرسات، هكذا يقضون يومهم الذي يبدأ من الثامنة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا. والمقابل الذي تحصل عليه الحضانة نظير استضافتهم هو 100 جنيه، ولا يختلف الأمر في أي شيء بين هذه الحضانة وأخرى بمنطقة الطوابق، حيث تقبع حضانة تابعة لإحدى الجمعيات الخيرية في شقة مكونة من ثلاث غرف يُقسم فيهم الأطفال وفق مراحلهم العمرية يتلقون -سماعًا- قصار سور القرآن وحروف الهجاء العربية.

الحضانات الاستثمارية.. بمقدار الكلفة تكون الخدمة

في فيلا صغيرة بمنطقة مصر الجديدة حيث تقبع إحدى الحضانات الخاصة يبدأ وليد -أربع سنوات- يومه في الثامنة صباحًا في حديقة حضانته حيث يمارسون بعض الأنشطة الرياضية، ثم يصعد مع زملائه ليغسلوا أيديهم ووجوههم ويتوجه كل منهم إلى فصله الدراسي الذي لا يتجاوز عدد الأطفال فيه 10 أطفال.

تختار أسرة الطفل له ما بين دراسة الإنجليزية أو الفرنسية لغةً أولى، ويُراعى في الفصل تقسيم الأطفال حسب فئاتهم العمرية -على الرغم من أن الحضانة لا تقبل أطفالًا أكبر من خمس سنوات بالأساس-، وخلال الحصص يتلقى وليد موادًا تعليمية في اللغات والمسائل الحسابية البسيطة إلى أن يأتي وقت غدائه.

كما أن حضانته تتيح له ولزملائه تعلم السباحة من خلال الذهاب إلى حمام السباحة الخاص بالحضانة مرتين في الأسبوع، كما تتيح له مشاهدة أفلام الفيديو الكارتونية وتعلم الكومبيوتر باعتباره جزءًا هامًا من يومه، أما عن الحفلات فهناك حفلة تقام كل شهر بشكل دوري بخلاف حفلات أعياد ميلاد الأطفال وحفلات المناسبات الخاصة، كما تقدم الحضانة رعاية صحية متمثلة في كشف طبي دوري مرة أسبوعًيا، أما عن المصاريف التي تتكبدها أسرة وليد فهي ألفا جنيه شهريًا مصروفات للحضانة فقط، بخلاف مصروفات أتوبيس الحضانة الذي يبدأ من 400 جنيهًا بحد أدنى ووفقًا للمسافة.

وفي حضانة أخرى بمدينة السادس من أكتوبر يبدأ يوم الأطفال منذ الثامنة صباحًا في الحديقة لممارسة الأنشطة الرياضية على نغمات الموسيقى، ثم الصعود لتناول الإفطار ثم الذهاب لفصولهم الدراسية والمقسمة إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول للغة العربية والثاني للإنجليزية والثالث للألمانية، وتقوم الأسرة باختيار الفصل الدراسي الذي ترغب في أن تُلحق طفلها به، ثم الذهاب إلى قاعات الفيديو فالكمبيوتر، ثم تناول الغداء، ثم اللعب في الحديقة مرة أخرى إلى أن يحين وقت انصرافه، هذا بخلاف تعلم السباحة مرتين أسبوعيًا وحفلات أعياد الميلاد والرحلات التي تقام بشكل دوري، وتتوفر أتوبيسات الحضانة داخل مدن السادس من أكتوبر والشيخ زايد فقط، عندما سألنا عن مصروفات الحضانة رفضت المشرفة التصريح بها، وقالت عند التقديم يتم أخذ ورقة بالمصروفات.

اطلعنا على سير العمل في حضانة ثالثة بالزمالك -وصلت مصروفاتها إلى نحو 25 ألف جنيه في العام، ويمكن تقسيمهم على أربعة أقساط-، حيث لا يُقبل الطفل إلا بعد خوض اختبارات لمعرفة قدراته، وهذه الاختبارات للطفل ولمستوى أسرته الثقافي والاجتماعي هو ما سيحدد قبول الطفل من عدمه، لأن الحضانة لا تقبل إلا أعدادًا محدودة، وبعد أن يتم قبول الطفل يجلس ولي الأمر مع المدرسين لاختيار المقررات الدراسية.

تقول سناء السيد -29 سنة- ولية أمر«لقد قدمت لابني في إحدى الحضانات التي يمكننا أن نقول أن مصروفاتها متوسطة بالنسبة للحضانات الأخرى، فأنا أدفع حوالي ألفي جنيه شهريًا، أي نعم المبلغ ليس بقليل لكني في الوقت ذاته مطمئنة للمستوى الذي يقضي فيه ابني يومه، وراضيه عن مستوى الرعاية الذي يتلقاه، وهو ما لن يجده أبدًا في الحضانات التابعة للجمعيات الخيرية أو التي يكون اشتراكها أقل من 100 جنيهًا والتي تعاني من ضعف الإمكانيات ولا يوجد رعاية أو اهتمام كافيين بالأولاد».

وتعلق الدكتورة إسعاد لطفي-الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية-: «تكلفة الحضانات الحالية تعني أن الطبقة المتوسطة لن تجد أمامها سوى حضانات الجمعيات الخيرية التي تستطيع توفير مقابلها، وفكرة أن لا يجد طفل الطبقة الوسطى مكانًا ملائمًا له فكرة مزعجة لحد بعيد، فهذا ينبئ بحدوث كارثة واتساع  الفجوة الاجتماعية في العقود القادمة بشكل أكبر كثيرًا مما نحن فيه الآن، لأننا سيكون لدينا مواطنين قد نشؤوا منذ نعومة أظفارهم في مستوى معين ومعزول عن الطبقات الأخرى، وسيظلون في هذا المستوى في المدارس التي سيلتحقون بها وحتى في الجامعات لأن هؤلاء هم من يلتحقون بالمدارس الدولية والجامعات الخاصة، وهي طريقة لم يتربّ عليها آباؤهم مثلًا والذين يمثلون أغنياء اليوم».

وتضيف قائلة: «الحل الذي بأيدينا الآن هو أن تتدخل منظمات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات الأهلية ورجال الأعمال والنوادي الاجتماعية لتبني مشروع الحضانات وتطويرها وتجويد الخدمة المقدمة بحيث يجد طفل الطبقة الوسطى مكانًا له، وبحيث نحتفظ للأطفال في مثل هذه السن بوجه عام بالمستوى الذي يحتاجونه من الرعاية».

The post «على قد فلوسكم».. حيرة العائلات المصرية بين الحضانات الخيرية والاستثمارية appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: