«بيزنس» بنكهة الخير.. دور أيتام على الطرق الصحراوية في مصر لتخفيض الضرائب

0 20

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

دور أيتام على طرق صحراوية بين محافظتين.. أطفالٌ لم تتجاوز أعمارهم عام ونصف أو عامين منعزلين تمامًا اجتماعيًا، قابعين في دور أيتام تحيط بها الصحراء من جميع الاتجاهات، يفصلهم عن أقرب منطقة عمرانية عدة كيلومترات.. يظل الأطفال نحو عامٍ أو أكثر دون أن يتحركوا من مكانٍ واحد، ودون أن يراهم أحد، أو يروا أحدًا، بخلاف إدارة الدار والعاملين بها.

ما نحكي عنه هو دور أيتام يؤسسها رجال أعمال بجوار مشاريعهم الاستثمارية، وتكون الدار عبارة عن فيلا تم تخصيصها دارًا للأيتام للحصول على تخفيضات ضريبية، أو للحصول على تسهيلات لمشاريعهم، أو حتى على سبيل الوجاهة و«المنظرة» الاجتماعية.

حاولنا معرفة ما مبرر إقامة دور أيتام في مثل هذه الأماكن، وما وجه الاستفادة التي ستعود على من يفعل ذلك، وما مبلغ الضرر الذي سيصيب هؤلاء الأطفال الذين سيقضون سنوات طفولتهم محرومين تمامًا من الوجود في مجتمع طبيعي، ومحرومين من رؤية الناس والتعامل معهم؟

بدأ الأمر عندما تحدثت إلينا فتاة كانت تعمل «أمًا بديلة»، تشكو من وضع الأطفال في دار أيتام كانت تعمل بها علي طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي، وتقول إنها قد تركت الدار هي و 10 من زميلاتها؛ بسبب سوء الأوضاع بها، تحدَّثت إلينا ثلاثة من هؤلاء «الأمهات» – بشرط عدم ذكر أسمائهن – وذكرن أنهن يردن تعريف الناس بما يحدث في دور الأيتام التي يبنيها رجال الأعمال على الطرق الصحراوية لاستثمارها لمصالحهم التجارية الخاصة.

مشروع استثماري مُلحق به دار أيتام

أجرينا زيارة ميدانية لإحدى هذه الدور التي تتحدث عنها الفتيات، عند الكيلو 75 من طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي من جهة الإسكندرية، استقللنا سيارة نصف نقل؛ كانت هي وسيلة المواصلات الوحيدة المتاحة؛ لتسير بنا في طريقٍ فرعيّ نحو ثلاثة كيلومترات أخرى.

حاولنا أن نصف للسائق مكان دار الأيتام، لكنه لم يستطع التعرُّف عليها، إلا أنّه تعرف بسهولة على مكان شركة الإنتاج الحيواني، ومزرعة المواشي، المقامين في هذا المكان، وعندما اقتربنا من المكان أشار السائق إلي فيلا قابعة بجوار شركة الإنتاج الحيواني قائلًا: «تقريبًا هي دي دار الأيتام»  ثم التفت وسألنا: «دي معمولة عشان الضرايب.. صح؟!» أجبناه بأننا لا نعرف سبب بنائها وانصرفنا.

الدار موجودة بمنطقة هادئة تمامًا، ولا توجد أية إشارة أو لافتة تدلُّ على وجود دار أيتام هنا، فكل اللافتات الموجودة تشير إلى اسم شركة الإنتاج الحيواني الموجوده بهذا المكان، سألنا حارس دار الأيتام عما إذا كانت هذه دار أيتام أصلًا! فأجاب بالإيجاب، ولكنه نفى وجود أي شخص بالداخل؛ فالجميع من إدارة وأمهات بديلات وأطفال خرجوا في رحلة، ولكنه أضاف قائًلا: «ربما تجدون المسئول عن الملجأ بإدارة المزرعة؛ لأن صاحبهما واحد».

كانت المسافة الفاصلة بين دار الأيتام ومزرعة المواشي أمتارًا قليلة، ويحيط بالدار سور لا يتجاوز طوله ثلاثة أمتار، ويربط الدار بالمزرعة سور عرضه حوالي أربعة أمتار. ذهبنا إلى المزرعة، وهناك قابلنا «م. ح»، وهو يعمل بالمزرعة ومسؤول عن دار الأيتام، والذي حاول الاستئذان من صاحب الدار ليجري حديثًا معنا، لكن الأخير رفض تمامًا؛ معللًا بأنه لا يريد أحدًا على الإطلاق أن يعرف شيئًا بشأن هذه الدار التي بناها «لوجه الله».

حدثنا م.ح بأنه يعمل في الأساس بإدارة شركة الإنتاج الحيواني من قبل أن تؤسَّس الدار، وبعد أن تم تأسيسها أصبح مسؤولًا عنها، فهو ليس مديرها، ولكنه حلقة الوصل بين إدارة دار الأيتام وأصحاب الدار والشركة، وأن الدار بها حاليًا نحو 12 طفلًا، وأن الشئون الاجتماعية بمحافظة دمنهور تقدم لهم كل التسهيلات اللازمة لعملهم، واعتذر عن تكملة الحديث لأنه لابد أن يراعي رغبة صاحب الدار في أن يبقى الأمر طيَّ الكتمان، ثم عرض علينا أن يوصلنا إلى أقرب مكان نستقل منه سيارة للقاهرة؛ لأنه لا يوجد في مكان الدار أية مواصلات.

وأثناء العودة أشار إلى التوسعات التي يقومون بها في شركة الإنتاج الحيواني، وقال عن عيوب المكان: إن أسوأ ما في هذا المكان هو غياب المرافق، «إحنا لما بنحتاج نجيب رغيف عيش بننزل النوبارية، والتي يفصلنا عنها حوالي خمسة كيلو». ورغم ذلك يعيش في هذا المكان أطفال في سنوات عمرهم الأولى يحتاجون باستمرار إلى طبيب أو مستشفى، أو على أقل تقدير إلى رحلات ترفيهية، فضلًا عن الحاجة إلى التفاعل مع محيط مجتمعي حي حتى لا تتأصل لديهم مشكلات اجتماعية أو نفسية.

«الأمهات البديلات» بالدور يهرُبن من المسؤولية الأخلاقية

تقول إحدى الأمهات البديلات اللاتي تحدثت إلينا، والتي كانت تعمل بالدار: «الدار التي عملت بها عبارة عن فيلا مكونة من أربعة أدوار، والمفترض أن ترخيص وزارة التضامن مقرر أن تكون سعة الدار حوالي 60 طفلًا، ولكن إدارة الدار لم تقبل سوى 12 طفلًا فقط، كان عمر أكبرهم وقت تسلمهم أقل من عام، وحول الدار يوجد مزرعة مواشي وشركة إنتاج حيواني، والأولاد بدأت تجيلهم أمراض جلدية بسبب قرب مزرعة المواشي من الدار، حيث إن المسافة الفاصلة بينهما لا تتعدى عدة أمتار».

وتضيف قائلة: «أنا عرفت من زمايلي إنهم بيبنوا دور أيتام في الأماكن دي عشان الضرائب اللي بيدفعوها على مشاريعهم تقلّ، وعرفت إنهم كانوا بيجيبوا مواتير مياة وكهرباء بنصف أثمانها بسبب الدار، هما بيقولوا إنهم مش بيقبلوا أي تبرعات مادية، وده فعلًا حقيقي، وأحنا كنّا فاكرينهم كويسين على الأساس ده، لكن استفادتهم الحقيقية كانت من اتجاهات مختلفة، مكناش فاهمينها».

اختيار الأمهات البديلات في هذه الدور يتم دون معايير، كل ما يهمّ أصحاب هذه الدور هو أن تكون الفتاة مغتربة، وتعليمها متواضعًا؛ حتى لا تُفتِّش وراءهم، ولا تسبب لهم المشكلات إذا رأت أي تجاوز أو تقصير أو مشكلة، وهو ما ينعكس على معاملة الأطفال؛ فالأمهات البديلات كنَّ يضربن الأطفال رغم أن عمر أكبرهم لا يتعدَّى العامين.

وذات مرة – بحسب العاملات بالدار اللاتي تطوَّعن بالتحدُّث – أصيب أحد الأطفال بميكروب في معدته، وكان دائم القيء، وكل مرة كان يتقيأ فيها كان يتعرَّض للعقاب والضرب من الفتاة التي يفترض أنها أمه، وهي تعتقد أنها بذلك تمنعه عن القيء، تقول إحدى العاملات بالدار: «ميكروب المعدة ده بيجيلهم بسبب إن الطعام المُقدم لهم غير معتنى به، وغير ملائم لسنّهم وقدرتهم على الهضم، فكنّا نجد في وجبات الطعام حشرات وأشياء غير نظيفة».

إهمالٌ يصل إلى الموت

العاملات اللاتي قررن التوقف عن العمل في مثل هذه الدور؛ أدركن خطورة الوضع ومدى المسؤولية الأخلاقية التي تقع عليهن بسبب عملهن في هذه الدور، وتكتمهنّ على ما يحدث فيها، خاصة بعدما عرفن من زميلاتهنّ العاملات بدارٍ أخرى وفاة طفلة صغيرة بسبب الإهمال؛ إذ تعاني من مرض في المخ كانت تحتاج فيه للعلاج السريع وعمل أشعة عاجلة، وعندما علمت المديرة بارتفاع تكلفة الأشعة رفضت إجراءها إلى أن توفيت الفتاة، ولا يعلم أحد ماذا كُتب في تقرير الوفاة على وجه التحديد.

أمّا سلوى (23 سنة – ليسانس آداب) فتقول «اشتغلت أمًا بديلة فقط لأنها كانت الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامي، كنا نعيش جنب مزرعة إنتاج حيواني، وكنّا نرى حشرات لم نرها سابقًا، رغم أن أغلبنا من أقاليم، لكننا لم نر هذه الحشرات من قبل، وأغلب الأولاد عندهم أمراض جلدية بسبب الحشرات دي، هذا بخلاف إن مفيش أي دكتور قريب من المكان اللي فيه الدار؛ لأننا تقريبًا في الصحرا، فكنّا لما بنحتاج نعرض ولد على دكتور كنّا بننزل اسكندرية، واللي يفصلنا عنها نحو 75 كيلو عشان نقدر نلاقي دكتور، ولما كان الدكاترة بيسألونا اللي عند الولاد ده من إيه مكنّاش بنعرف نرد».

بحسب سلوى فإن كل هذا يحدث بسبب غياب الرقابة على تلك الدور، فلمدة عام ونصف لم تر سلوى أي تفتيش رقابي من وزارة التضامن على الدار، حيث تخضع الدار وفقًا لموقعها الجغرافي للشؤون الاجتماعية بمحافظة دمنهور، والمرة الوحيدة التي أرسلت فيها التضامن لجنة تفتيش كانت إدارة الدار تعرف قبلها بنحو أسبوع، وكانت على أتم استعداد لاستقبالهم، وأرسلت للَّجنة سيارة في الميعاد المحدد لكي تأتي بهم حتى مكان الدار.

تحدثنا إلى إبتهاج عبد القادر(مدير عام إدارة الأسرة والطفولة بوزارة التضامن) والتي بمجرد ما ذكرنا لها أننا نود أن نحدثها بشأن دور الأيتام التي تقع بالطرق الصحراوية ردت قائلة: «هاجموا اللي بيعملوها.. وهاجمونا معاهم، إحنا صرخنا كتير وقلنا ماينفعش نعمل دور أيتام في مناطق صحراوية، وعلى طرق سريعة، وما فيش فايدة، افتحوا الموضوع وهاجموهم؛ يمكن الناس تتحرَّك، والدور دي تتقفل، قلنا يا جماعة ماينفعش أطفال صغار يُحرموا من أن يوضعوا في مجتمع طبيعي وينعزلوا اجتماعيًا كده، ده بخلاف إنه لا يوجد أي مرافق حواليهم، لا مستشفيات، ولا مدارس، ولا غيرها، لكن كل ما نتكلم منوصلش لحاجة؛ لأن أصحاب هذه الدور رجال أعمال، وهما اللي ماسكين البلد حقيقة».

The post «بيزنس» بنكهة الخير.. دور أيتام على الطرق الصحراوية في مصر لتخفيض الضرائب appeared first on ساسة بوست.

مجتمع
مجتمع


المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: