أصوات الحرب

0 5

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

أعترف أنني متوتر. حقاً. فالإحساس بأنه في كل لحظة قد تنشأ معركة عسكرية كبرى في الشمال يخلق اضطرابا اساسيا. أكثر من هذا، أجدني ملزما بالاعتراف: عندي أحاسيس مختلطة، غريبة، لم تكن لي في الماضي. فأنا أقرأ تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فأشهد مسيرة جسدية غريبة: من جهة ينفغر الفم، تمتد اليد إلى الجبين وأكرر المرة تلو الاخرى فأهمس لنفسي: «لا يحتمل أن يكون قال هذا». من جهة أخرى أشعر بإحساس غريب من الفرح، بل وربما ابتهاج بالحديث الفظ، فليس أديبا ولا لطيفا ولكن فيه شيء ما حقيقي ومنعش. مثلما حين يشاهد المرء أزعرا يضرب أزعرا آخر. خليط من الصدمة والاشمئزاز يترافقان واحساس بالانتقام والفرح.
الحقيقة هي ان الرئيس السوري بشار الأسد هو حقا حيوان، نذل، مجرم حرب. والاسناد الذي يتلقاه من لاعبي «الاخلاق» روحاني، بوتين وأردوغان مقلق ومنفر على حد سواء. حلف المزدوجين الاخلاقيين والقتلة الذين لا يخجلون من المزايدة الاخلاقية. تصوروا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتجرأ فيقول لبوتين ما يريده حقا ان يقوله له: «يا فلاديمير، انت تخجل التراث الروسي ودولتك، التي كانت لاعبا مركزيا في صد قوة العنصرية والشر المطلق قبل 75 سنة. أنتم، الذين إلى جانب الولايات المتحدة انقذتم العالم من النازيين ومن هتلر. أصبحتم الان جزءاً من الاشرار مع إيران، التي هي قوة اجرامية. الأسد، مجرم حرب، واردوغان، الدكتاتور المتخفي. أهذا ما أصبحت عليه روسيا؟».
كان يمكن لنتنياهو أن يضيف بضعة أمثلة أخرى، كأحد الزعماء ذوي الوعي التاريخي الأكثر تطوراً في العالم. ولكن نتنياهو لن يقول هذا، لانه ليس مقبولا، ليس اديبا وليس حكيما أيضا. هذا هو الجميل لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهو لا يزال يمكنه أن يكون شيئا كهذا. احيانا يكون مجنونا حقا، واحيانا يمنح الرضى. والان سنرى ما سيفعل، هذا هو السؤال الكبير.
ترامب ملزم بالرد. فقد سبق أن قال، سبق ان غرد، سبق ان حدد خطا أحمر، سبق أن هدد. واذا لم ينفذ، فسيكون بالضبط مثل سلفه في المنصب باراك اوباما. أداة فارغة، زعيم يبث ضعفا ووهنا بلا فكرة مرتبة للشرق الاوسط. الحقيقة هي أن ترامب هو في كثير من المعاني مثل اوباما: ليست له خطة، ليست له استراتيجية، وبقوة فإنه يواصل الخطوة الأمريكية التي هدفها فك الارتباط والعودة إلى الديار من الشرق الاوسط. أوباما وترامب يريدان العودة إلى الديار بسلام ودحرجة المشكلة إلى الاخرين. وفي حالة الاخرين، فهؤلاء هم نحن أيضاً. وعليه، فيمكن ان نسمع وزراء في الكابنت الإسرائيلي يصلون الا يتراجع ترامب وأن يرد.
رئيس الولايات المتحدة يمكنه ان يريد موضعيا. يمكنه ايضا ان يرفع المستوى ويتوجه نحو خطوة شاملة حيال بوتين أيضاً بحيث يسرع التصعيد والتسخين الذي يؤثر علينا أيضاً. فضلا عن مواضيع الاستراتيجية والامن، هناك موضوع الاخلاق. فماذا يختلف القتل بواسطة غاز كيميائي عن القتل بوسائل تقليدية؟ لا يختلف، ولكن هل العالم يمكنه أن يمر مرور الكرام عن خطوات الأسد، هذا سؤال يشد حدود الاخلاق والمنطق.
مرة أخرى السؤال كيف يسمح لنفسه زعيم أن يعمل بمثل هذه الشكل بعد أن نكون على ما يبدو قد تعلمنا دروس الكارثة وصدمة إبادة الشعب اليهودي. ليس لهذا السؤال جواب، توجد فقط علامات استفهام أخرى، إحداها ثارت عندي بعد أن شاهدت الفيلم الممتاز «يوم الاحد الاخير في آب/أغسطس» باخراج ايلي غرشيزون. منتج الفيلم هو تسفي برتسر، يهودي إسرائيلي من منتاي في ليتا. يجلب الفيلم قصة إبادة غالبية يهودية في ليتا، قتل معظمهم الجمهور الليتاوي، بجملة من اللاسامية، والقومية المتطرفة. فور الاحتلال الالماني بادر الليتاويون إلى خطوات مستقلة أدت إلى إبادة نحو 90 في المئة من يهودا ليتا في بضعة اشهر، النسبة الاعلى في اوروبا.
نقل اليهود إلى الكنيس وبعدها إلى حفر القتل، حيث قتلوا باطلاق النار عليهم. واحدة من أبطال الفيلم الوثائقي الذي بث في يوم الكارثة في مهرجان تورينتو، قالت ان النجاعة المحلية لليتاويين أعطت النازيين الفكرة عن «الحل النهائي».
وتصف الشهادات في الفيلم أعمال السلب والنهب وتوزيع الغنائم على الجيران، الذين لم يحركوا ساكنا لانقاذ اليهود، ومنها يتبين أن يهودا قتلوا حتى لقاء زوج من الاحذية.
يثير الفيلم نقاشا داخليا في ليتا. لانه يكشف توثيقا دقيقا لاعمال الذبح ويعرضوا من كانوا يعتبرون ابطالا، شاركوا في تحرير ليتا من ربقة الروسي والسوفياتي، كمجرمي حرب متعطشين للدماء. تذكر الفوضى التي يصفها الفيلم في ما يحصل في جزء من كل المنطقة، ولا سيما في سوريا، حيث تعمل عصابات القتل التابعة للأسد. وهذا يحصل بجوارنا. قبل اسبوعين سألنا: «ماذا تغير هذه الليلة؟». هذا السؤال علينا ان نسأله اليوم أيضاً ونفحص أين نحن نوجد في المعادلة. الاجوبة ليست لطيفة دوما.
ان مشاعر الثأر والعدل حيال أفعال الأسد تطرح السؤال الواضح من تلقاء نفسه: هل رد إسرائيلي سيرد إسرائيل إلى حرب؟ صحافي الـ «نيويورك تايمز» توماس فريدمان، قال هذا الاسبوع: «الحل للوضع الحالي في سوريا، الذي في اطاره توجد صدامات بين فصائل عديدة في الميدان، هو وضع اتفاق كاتفاق «الطائف» الذي وضع حداً للحرب الاهلية اللبنانية. هذا الاتفاق، الذي وقع في العام 1989 تضمن توزيع المقاعد في البرلمان اللبناني على نحو متساو بين المسيحيين والمسلمين. اتفاق من هذا النوع أنتج قيادة متساوية ووصلت الاطراف إلى التسليم».
يؤمن فريدمان بأن نموذج لبنان سينجح في سوريا اليوم أيضاً، وهو لا يرى حلاً آخر للوضع. هذه نظرة مثيرة للاهتمام، بتقديري لا يمكن أن تتم قبل هزيمة احد الطرفين وهي تعزز فقط الاحساس بأن الحرب قريبة. وكرر فريدمان في المحاضرة قاعدة انه «في الشرق الاوسط لا تصدق ما يقوله لك الزعماء في الغرف الخاصة، صدق ما يقولونه بلغتهم لشعبهم. وهذا يختلف عن الولايات المتحدة التي يكذب فيها الزعماء على الجمهور، ولكنهم يقولون الحقيقة في الغرف المغلقة».
الاهم هو الاستماع إلى الرسائل العلنية. وفي هذه الاثناء هذه تبشر بالمواجهة. صحيح أنها ليست مؤكدة وليست يقيناً، ولكن لعله من الافضل المواجهة الان من تأجيل الصدام إلى ظروف تكون جيدة أقل لإسرائيل.

معاريف 13/4/2018

أصوات الحرب
الرسائل العلنية التي يطلقها الزعماء المؤثرون في الشرق الأوسط اليوم تبشر بالمواجهة
أودي سيغال

عين على العدو
المصدر

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: